آراء

غوايات

المال

عماد البليك

الاقتراب من فلسفة أي شيء هو ما يجعلنا نعرفه أو نفهمه بدقة ما يمكنا من السيطرة عليه، لهذا فإن الجهل بالأشياء هو سبب عدم قدرتنا على الفعل. أنت مثلا لا تستطيع أن تقود طائرة لأنك لم تجرب ذلك ولم تتمرن الخ.. لكن الفلسفة ليست مجالا تجريبيا أو تمرينا بدنيا، إنها تشتغل على الأمور الأكثر تجريدا في الحياة، كالمال، أي الحصول على الثروة، أن تكون قادرا على حل مشاكل حياتك اليومية على الأقل، أنت تسكن وتأكل وتشرب وتلبس دون أن تكون محتاجا للسؤال أو التضجر، أو الانتظار إلى نهاية الشهر.

البعض سوف يعتقد أن ثمة خطأ فيما أقوله باعتباره ينظر إلى المال بوصفه من الأشياء، لكن ليس هذا صحيحا، فالصحيح أن المال هو فلسفة أو أمر يرتبط بالقيمة والمفاهيم، وهذا ما يخلق الفرق بين الأثرياء والفقراء، وهو المفهوم الذي حاول أن يشرح مؤلف كتاب “الأب الغني والأب الفقير”، الأمريكي روبرت كيوساكي (المولود 1947)، حيث صدر كتابه عام 1997 وقد اعتبر من أفضل الكتب مبيعا وقتها بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

ينطلق كيوساكي من نظرية بسيطة وهي أن كثيرا من الأمور التي نتعلمها ونصر عليها هي من الأخطاء المتوارثة، وأننا نفعل ذلك بطريقة خاطئة، لأن ما حولنا يضللنا، فنحن نخضع لتضليل مستمر من قبل المجتمع ابتداء من الآباء والأمهات، ومن ثم المدرسة فالتعاليم المتوارثة والتقاليد العامة، كل ذلك لا يقول لنا الحقيقة في كثير من الأمور، بل يجعلنا نعيش على حافة الإدراك، ربما كان ذلك مقصودا منذ آماد بعيدة، وقد لا يكون كذلك، بمعنى أن هذا التضليل يخضع لنظام محكم هدفه أن يجعل الناس دائما يعيشون في طبقتين دائما، فقراء وأغنياء، أو جهلاء وعارفين، أو سادة وعبيد.

يرى الكاتب الذي أصبح ثريا هو الآخر، أن الفقر يورث جينيا لأننا في حقيقة الأمر نرث نوعا من التفكير من أسرتنا أو البيئة حولنا، فالقضية لا تتعلق بتوريث الأوراق النقدية أو الذهب من الأمور المادية. لهذا فإن معظم المجتمعات والبيئات الفقيرة تظل تتوارث حكمة الفقر دون أن تتعلم أسلوب بناء الثروة.

إن الأمر أعقد من ذلك، ماذا نعني بفلسفة الغنى أو الحصول على المال الخ.. بمعنى ثانٍ كيف يتحرر الإنسان من الفقر؟

إنه يفعل ذلك بالتحرر المفاهيمي لا مجرد التعب المستمر بأن يظل، يعمل ويعمل حتى لو أنه أصبح طبيبا يفتح عيادة تدر عليه المال، هي تقوم بهدف معين يسميه كيوساكي بالإجارة أو الإيجار، فالطبيب يحصل على المال مقابل ما يقوم به أو يقضيه من وقت ودور ويقدمه من استشارات، لكن هذه ليست الطريقة السليمة برأيه لجعل المرء ثريا أو هي الأسلوب الأمثل للحصول على المال إن أردت أن تفهم القاعدة، لهذا فإن الطريق الثاني هو أسلوب المشاريع أن تحصل على المال مثلا مقابل شراء تفاحة وبيعها بسعر أكثر، أي الفائدة، في حين هناك ما يعرف بالدخل السلبي الذي يأخذ منك فقط ولا يقدم لك كما في وظائف طابعها اجتراري براتب محدد، ولا يتوقع فيها من فائدة تراكمية على الأقل كما في مثال الطبيب.

يقول إن الأُثرياء في واقعهم لا يعملون من أجل المال ولا يمارسون قانون المنفعة، ما يعني أنك تصنع أشياء بدلا من أن تدر عليك المال تأخذه منك، فشراء سيارة أمر جيد لكنه سوف يأخذ منك بمرور الوقت، في حين أن شراء بيت ومن ثم تأجيره أمر سليم في قانون المنفعة المطلوبة الذي يحرر من التبعية، بهذا فالأشياء الجيدة تقدم ولا تأخذ، قاعدة بسيطة لكنها معقدة في الإدراك الأولي لها.

إن العقل بحسب كيوساكي يتوقف بمجرد أن يحصل على المال مقابل عمل أو واجب أو فعل، في حين أن العقل المنفتح لا ينتظر أن يحصل على المال مقابل ما يقدمه، لهذا فالأثرياء هنا لا يعملون من أجل المال، بل من أجل الإشباع النفسي واللذة والإحساس بالعالم من حولهم، لهذا يحصلون على المال ويتقد عقلهم في الوقت نفسه، وهي قاعدة سبق أن قال بها بيل جيتس وأليون ماسك وآخرون.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق