سياسة

خارج المتاهة

من شجون الانتقال الطبيعي وغير الطبيعي

محمد عتيق

١

من الطبيعي أن يحرص بعض العقلاء على نجاح الفترة الانتقالية عبر التعاون الايجابي بين المدنيين والعسكريين، والاستمرار في دعم حكومة حمدوك وخياراته، ولكن، من غير الطبيعي أن يستمر ذلك الحرص:

* في ظل الضعف البائن والأداء الباهت للحكومة نتيجةً للمحاصصة التي تعني أن يتشبث كل طرف بالمقاعد المخصصة له وتقديم ذوي الولاء على حساب الكفاءات التي تعج بها ساحات الثورة والثوار، التشبث الذي يساعد الأيدي الخفية على تنفيذ أجندتها الأجنبية الخطرة، ومنها المؤدية إلى الاصطفاف مع القوى المعادية للإنسانية تاريخياً، التشبث الذي يقود إلى الخيانة الوطنية بالنتيجة أحياناً.

* في ظل الإصرار الواضح من اللجنة الأمنية (المكون العسكري) على الحكم والسيطرة على الأوضاع امتداداً للنظام الساقط وحلفائه ومصالحهم، الإصرار البائن في الهيمنة الأمنية والاقتصادية والسياسية وفي الهيمنة التنظيمية أيضاً على مؤسسات (التحالف) الحاكم (المجلس السيادي ووزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الأمن)  ..

* في ظل التسيب (الديمقراطي) واللامبالاة السائدة، الوضع الذي تغيب فيه الفروق بين الشرعية الثورية و”تسامح” الضعف ليستقوى ويتجرأ حزب النظام الساقط المحلول على الثورة يومياً ويتحرك بحرية فيعقد اجتماعاته ومؤتمراته وتمضي مؤسساته وواجهاته الإعلامية -المرئية والمقروءة والمسموعة- في العمل العلني ضد الثورة وأهدافها وقيمها.

* في ظل التحالف الذي قام بين العسكريين (اللجنة الأمنية) والحركات المسلحة (الجبهة الثورية) وما نتج عن ذلك في اعتبار نصوص اتفاقية سلام جوبا أسمى من نصوص الوثيقة الدستورية، ويتأسس بموجبها كيان جديد باسم “مجلس شركاء الفترة الانتقالية” الذي يضمهما مع رئيس الحكومة ومع المجلس المركزي لقحت (المهيض الجناح، المستسلم لأي قرار يضمن له حظه في مقاعد السلطة وجاهها وامتيازاتها) .

* وفي ظل الكذبة الكبرى بإلغاء ديون السودان في مؤتمر باريس الذي انعقد في ظل تهريج إعلامي واسع حاول إخفاء الحقيقة المحزنة، حقيقة خضوع الحكومة تماماً لكل شروط وإملاءات بنوك وصناديق النقد الإقليمية والدولية، وركلها برامج ومقترحات اللجنة الاقتصادية لقحت ومقاطعتها تماماً، وانعكاس كل ذلك على حياة الناس فقراً على فقر وصفوفاً متطاولةً على صفوف أمام محطات الوقود والمتاجر والأفران ..

  وإلى آخر تلك الظروف والمستجدات التي رافقت مسيرة الانتقال حتى الآن، والتي تدعو إلى مراجعة الموقف المتأمل والمؤمل خيراً في الحكومة الراهنة ..

٢

   كذلك، من الطبيعي، أن يحرص البعض الآخر على نجاح الفترة الانتقالية ولكن تحت شعار “تسقط تاني” أو تحت شعار إسقاط اللجنة الأمنية (المكون العسكري) وإبعادهم عن أسوار الثورة التي يحتمون بها هرباً من المساءلات فيما يليهم من جرائم دارفور وغيرها، فهم يمثلون النظام الساقط امتداداً له ولمصالحه..

ومع ذلك، كل الأطراف شتى ؛ يكادون لا يستبينون معالم المرحلة ومقتضياتها، تتعدد مبادراتهم ومقترحاتهم في تنافس سلبي، بأسمائهم العلنية حيناً، وبأسماء واجهية يحاول بها البعض أحياناً أخرى، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بصراعاتهم الذاتية التي تصل حد الشتائم الشخصية أحياناً وكأنهم هم الأعداء لبعضهم البعض، بينما عدوهم الحقيقي أجمعين موحد، ويزداد وحدةً كل يوم، يجمع شتاته عبر الاستعراض الزائف في وسائل إعلامهم وفي محاكم الخزي التي يجتمع في ساحاتها معتقلوهم مع غير المعتقلين أمام إجراءات ونصوص تتقاصر كثيراً كثيراً عن قامة الثورة، القامة التي نادت بوجوب مثول هؤلاء مع موكليهم أمام محاكم ثورة حقيقية فليسوا أقل منهم فساداً وانحرافاً واستغلالاً للنفوذ، وكأن السلمية نقيض للشرعية الثورية، وكأن القوات المسلحة أو النظامية لا تعني إلا اللجنة الأمنية للنظام الساقط وغيرهم من القيادات العليا التي أحرزت مواقعها اما ب “الكوزنة” أو بالتسلق والاشتراك في الفساد … يتوحدون في الشر وأهل الخير يتصارعون، (هل أقول “في الفاضي”؟)، وتمضي الفترة الانتقالية سنوات إضافية تضيع من عمر بلادنا وشعبنا، يتضور الأهل ألماً وجوعاً، والوطن ؛ اضطراباً وقلقاً وفزعاً من مصائر مخيفة تلوح أحياناً … فيا أهل الخير توحدوا خلف مبادرة واحدة ؛ فلتكن “مبادرة العودة إلى منصة انطلاق الثورة” بميثاقها (كاقتراح)، فهي النقطة التي افترقتم بعدها، لتوحدوا عندها خطواتكم للمرحلة، انسجوا أهدافاً تتفقون عليها للفترة الانتقالية، فلتكن تفصيلاً لإعلان الحرية والتغيير المتفق عليه من الجميع ..

فإذا أنجزتم تطهيراً جيداً ومنصفاً في الأجهزة العدلية لمحاكمة رموز الفساد والقصاص للشهداء واعدتم بناءها أساساً لترسيخ القانون وحاكمية نصوصه، واذا تمكنتم كذلك من تطهير وإعادة بناء القوات النظامية وأجهزة الأمن المختلفة مع إعادة تأهيل ودمج أفراد الحركات المسلحة التي ناضلت ضد النظام الساقط، عند ذلك اذهبوا جميعاً للمؤتمر الدستوري الجامع الذي تصيغون فيه دستوراً للبلاد تحددون فيه كيف يكون السودان وكيف يحكم، وتضعون قانوناً عصرياً عادلاً للانتخابات العامة، وفروا مقتضياتها وادخلوها، وليعلن عندها كل كامل برنامجه وأهدافه ورؤاه، وعندها تكون المنافسة الحقيقية الحرة ..

غير ذلك لا يعني إلا سقوط الجميع أمام ضربات الشعب وأجياله لتصعد إلى شرفات معجزة جديدة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق