ثقافة وفن

الأبعاد الجمالية في التراث الإسلامي من منظور المستشرقين (2)

د. عزالدين معميش

 وهو ما أدى كما رأينا إلى نشوء الحرف اليدوية وصناعة الفخار والطب التقليدي النباتي، وعند ذاك اكتملت ثلاثية الأبعاد الصوفية؛ وتمحورت حولها المنهجية الروحية والعملية، حيث تم المسير في نطاقها من خلال ثلاثية أخرى؛ مع حال المحبة، وحال الخوف، وحال الرجاء؛ بل إن المقامات والأحوال لتتجسد في مملكة واحدة حسب تحليل الدارسين للوعي الصوفي[21]؛ ألهمت العارفين والسالكين تدفقا عاطفيا وخياليا رهيبا في الشعر والعمارة والزخرفة؛ ألا وهي مملكة الحب، فلقد كان موضوع المحبة معينا لا ينضب؛ جعل الصوفية يبتكرون مراحل متفاوتة وأقوالا متعدّدة؛ لتُضاف إلى المصطلحات المميّزة في عالم استبطان الذات؛ كالود والمودة، والأنس والقرب والشوق… إلخ.

 وحسب العديد من المستشرقين؛ فإن هذه الممالك الفنية وقبلها المقامات والأحوال والمصطلحات، ثم في مرحلة لاحقة الرموز والإشارات والصور؛ تساعد في تطور المعجم الصوفي وإتاحة الفرصة لرفع الستار عن بنية التفكير العميقة لدى الصوفية، وتمكّن الدارسين من تمهيد الطريق أمام أبحاث ونظريات تؤسّس علميا للدور الذي لعبه الصوفية من خلال فكرة ثلاثية الأبعاد “مقامات وأحوال” في تطوّر اللغات والآداب والفنون الإسلامية.

ثانيا: الإطار المعرفي للجمال الإسلامي في نظر المستشرقين

 بعد أن حدّدنا الإطار الفكري الذي نشأت فيه فكرة الجمال ونظرية ثلاثية الأبعاد الصوفية التي يعتبرها جمهرة من المستشرقين أساس الفن والأبعاد الجمالية المجسدة في التاريخ الإسلامي، لابد من إعمال النظر في المستند المعرفي الذي انبثقت عنه وتبلورت كلمسة شعرية أو لمحة فنية أو نمط معماري. فكيف لنهج عرفاني أن يتحول إلى تجربة فنية جمالية؛ كان من المنطقي أن ينتهي في رحاب التعبد والتنسّك؟ كما أن التصوف معراج روحي وفق مقامات يستهدف غاية مخصوصة؛ فهل هذه الرحلة بأبعاد المقامات تنتهي إلى إدراك اليقين أو مكاشفته؟

فمن المعلوم أن نظرية المعرفة الإسلامية تتوفر على مميّزات غير متاحة لغيرها؛ فهي تأخذ بالطاقات الإنسانية مجتمعة؛ من عقل و روح وحس؛ مضافة إلى الأصل وهو الوحي الرباني؛ فهي ليست تجريبية، ولا عقلية خالصة، ولا باطنية، أو مثالية، ولا نقلية خالصة، بل تتّسم بالشمول والجمع بين المصادر؛ حيث تدفع التناقض وتحقّق اليقين، كما أنها تعالج الموضوعات جميعا بمناهج متفاوتة؛ ولذلك تتكرّر وتظهر مصطلحات معرفية جديدة في إطارها العام؛ كالشعور والإدراك والتصوّر والفهم والفقه والحكمة والرأي والفراسة والبديهة والتأمل والنظر والخبرة والكشف والتجلي…إلخ.

 ويمكن أن تُرد المعرفة الإسلامية من حيث موضوعها إلى مصدرين مختلفين[22]؛ أحدهما يذهب نحو الأسفل: “تجربة حسية، إحساسات، ذاكرة، مخيِّلة“، والمصدر الآخر يتجه نحو الأعلى: “مبادئ العقل الخالص والمفاهيم العامة”، وتكون المعرفة تبعا لهذين المصدرين؛ إمّا أرضية (مادية)، أو ماورائية (غيبية). ولو شرحنا أكثر فإننا نأخذ بأداتي المعرفة وهما: الحِسّ مِن سمع، وبصر، وغيرهما، والعقل بدلالاته المتنوعة مِن: ملكات الإدراك، والفهم في الدماغ، والقلب، واللب، والفؤاد..

 ومن ثمّ فإنّ معرفة المسلم حول موضوع معين، تأتي عن طريق الجمع بين القراءتين أو القراءة في المصدرين: الوحي والكون، ونتيجةٌ للجمع بين وظيفة كل من الأداتين (الحس والعقل)، ويتعاون مصدرا المعرفة، كما تتعاون أداتا المعرفة، في تزويد المسلم بالمعرفة.

 لكن معرفة المسلم سوف تبقى على أية حال معرفةً بشريةً، تُنسب إلى الإنسان، وهو يتصف بها. وهي أمر مختلف عن عِلْم الله سبحانه، وعِلْم الملائكة، وعِلْم الكائنات الأخرى. فعلمُ الله مطلقٌ، وعلمُ الإنسانِ نسبيٌ يزيد وينقص، ويصح ويخطئ، وعندما يُعطِي اللهُ الإنسانَ شيئاً من علمِهِ، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151)، فإنّ ما يكتسبه الإنسانُ من هذا العلمِ يصبحُ جزءاً من العلم البشري، ويبقى محدوداً بدلالاته ومعانية بحدود الإدراك البشري[23].

 وبتفاعل المصدرين تتولد أحكام ورؤى وتصورات؛ تتألّف من:

ـ أحكام متعالية عن الوجود الحسي للإنسان ومرتبطة بعالم الغيب.

ـ أحكام قيمية توجّه الفعل البشري في دائرة الحياة الاجتماعية.

ـ أحكام تجريبية مستمدة من استبطان العقل للمبادئ أو القوانين الطبيعية.

ـ أحكام جمالية وفنية مستمدة من استبطان الذات للوجود، أو من استنباط العقل طبقا لحاسة الوجدان المنفعلة.

 وفي المنظور الصوفي تُستبعد التجربتان العقلية والحسية؛ ليس بوصفهما أداتين غير صالحتين لتحقيق المعرفة أو الوصول إلى الحقيقة؛ ولكن لأنهما لا تلبيان الغاية الصوفية المتمثلة في تلمس الحقيقة وتذوقها ومكاشفتها، فمن حيث المبدأ الحس ليس موضع شك عند الصوفية لكنه لا يحقق الكفاية المعرفية التي تنشدها النفس الصوفية؛ وخاصة معرفة الله سبحانه، كما أنهم لم يرفضوا وسيلة العقل؛ ولكنهم أكدوا على ضرورة أن يستضيء العقل بنور القلب؛ كي لا يفقد العقل توازنه ويتخطى حدوده. فمع أن العقل قد يحقق الإقناع المنطقي إلا أنه لا يستطيع أن يحقق الذوق الإيماني، والشعور المرهف، والرغبة الجامحة في الحب التي يحققها الطريق الصوفي. فالغاية التي تنشدها المعرفة الصوفية، ليست مجرد الإثبات المنطقي للقيم والأفكار والمنظومات؛ بل ملامسة جمالية القيم والأفكار والمنظومات هو المبتغى؛ ولذلك اعتبر الغزالي أن طريقهم في المعرفة هو المورث والموصل لليقين يقول: “فعلمتُ يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة… وطريقهم أصوب الطرق[24]“، كما أن سيرهم يعد بمثابة “السير في الطريق إلى ينبوع الينابيع كلّها؛ فهي وثبة جوانية تستهدف تجاوز الوقائع باتجاه غاية عليا ليست من نسيج الوقائع ولا من فصيلتها، الأمر الذي يترتب عليه أن يكون الموقف الصوفي دربا أو سلوكا على درب لا ينتهي إلا ّفي النبع الحقيقي؛ وهو الحق”[25].

ويُنظر إلى المعرفة الصوفية على أنها محكومة بالغاية؛ والغاية هي التي تحدّد ماهية الشعور وتوجّه السلوك وترتّب الوسائل التي تخدمها؛ وهي عكس التوجهات المنطقية المحكومة بمركزية المقدمة أو الواقع وليس الغاية؛ فحتى وإن بدى لنا التناقض والاضطراب من منظور منهجي في الرؤية الصوفية للمعرفة؛ فإن المتصوفة يتمسكون بكون الغاية هي الضوء الذي ينير المنهج وبغيرها فليس ثمة منهجا أصلا؛ لأن كل سير إنما هو باتجاه هدف.

فإذا كان فلاسفة الإسلام يعتبرون البرهان المنطقي الصوري قمة المعقولية البشرية، فيحاولون تأسيس الإلهيات الإسلامية على البرهان المنطقي والاستدلال النظري؛ فإن الصوفية بحكم تأسيسهم “الحقيقة الدينية” في “الفطرة البشرية” وتأكيدهم على المعاناة يرجّحون العمل على النظر؛ فيسلكون مسالك أغنى وأوسع من مسالك البرهان الصوري، إنها مسالك الذوق أو الكشف؛ من حيث شموليته لجميع الاستعدادات الإنسانية[26].

 وهنا يعتبر بعض الباحثين أن الذوق الصوفي وغاية التطهر والتجرد للوصول إلى الشعور الصافي العميق في أبهى صوره: “هو رد فعل ذاتي أو وجداني على مدن أصابها “التخمّج”؛ فما عادت تصلح لاستضافة الروح لأنها منخورة بالفساد الاجتماعي، فليس من المصادفة في شيء أن يسرح رجال التصوّف في البراري والقِفار، أو أن يعتكفوا في بيوتهم أو في زواياهم متوارين عن الناس، ففي المدن الكبرى يتكالب الناس على الثروات تكالبا ينتقص من إنسانيتهم، فضلا عن أنه يحيلهم جميعا إلى عبيد”[27].

 لقد بدى للغزالي عقم المقدمات الكلامية والفلسفية في ملامسة اليقين “وظهر له أنّ أَخَصَّ خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلّم، بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات”[28].

 تعد مقولتا الذوق والحال من أبرز مقولات الصوفية كما يتضح من خلال ثلاثية المقام وثلاثية الحال؛ إذ الشخصية الصوفية تتحدّد طبقا لأبعادهما ومحتوياتهما الوجدانية؛ فالتوبة والزهد والتوكل “ومن ثم الحب والخوف والرجاء” تنتج غريزة تفكير أصيلة في الإنسان يمكن تسميتها “غريزة الحقيقة” “غريزة الولع بالمجهول والحنين إلى النائيات والأعالي”[29]، ذلك أن البشر مزوّدون بغريزة علوّ أصلي لا يُسبر لها غور، ولا محتوى لها سوى الحميم الدافئ، أو سوى الشوق الراعش، الجامح صوب الأوج، وما هذه الغريزة سوى قوة البحث عن الوجود الأصلي الذي يُشرط ويؤصّل كل وجود جزئي. وهذا يعني أن الصوفية لا يسعها إلاّ أن تكون حركة نزوح من الخارج إلى الداخل، أو من الكثافة إلى اللطافة”[30].

 ولعل هذه المميّزات الداخلية الكاشفة هي التي دفعت الغزالي لتفضيله التصوف على علم الكلام في إدراك الحقيقة؛ مع أنه لم يعب طرق المتكلمين؛ بل قال عنها: “فوجدتها وافية بمقصودها؛ أي (الأدلة الكلامية)، غير وافية بمقصودي”[31]. وقد حصّل الغزالي التجربة الصوفية من تحصيله لعلم المتقدمين وكتبهم؛ كقوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرّقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي، ثم حصل ما لم يستطعه بالتعلم وبالسماع، وجزم بالنتيجة التي توصّل إليها وهي أن من أخص خصائصهم أن ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم أو السماع؛ بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات[32].

 وعليه فإن ظاهرة الجمال في ثلاثية الأبعاد مؤسسة من منظور معرفي مقابلٍ لمناهج ونظريات المعرفة الأخرى؛ وهو (المنظور المعرفي) ليس رصًّا للمقدمات وإعمالا في المحسوس للخروج بقانون يوافق المحسوس، وإنما هو كما عبّر أبو بكر الكتاني:”صفاء ومشاهدة”، وقد أعجب الدكتور عبد الحليم محمود بهذه العبارة[33]، ورأى فيها، على إيجازها، التعريف الشامل لثلاثية المقامات وثلاثية الأحوال؛ المختصرتين للتصوف؛ هذا التعريف المؤَسس على مذهب في المعرفة له وسيلته وله غايته؛ ووسيلته الصفاء وغايته المكاشفة، وهذا بالضبط الذي جعل المستشرقين يربطون بين التصوف والفن، ويجعلونه رديفا له، ويُرمز لكل علم ذي صبغة روحانية أو جمالية بأنه ذو جذر صوفي[34]؛ وهو ما جعل بعض الباحثين في الشأن الصوفي يقف على ما يشير إلى أن ثمة جوانب مشرقة في التجربة الصوفية تمس قوام التجربة الفنية بمفهومها المعاصر، على خلاف ما قد يتصور للبعض من أن نزوع التجربة الصوفية إلى ما وراء الصورة الظاهرة لهذا العالم يجعلها على وفاق مع بعض الفلسفات الجمالية القديمة؛ من حيث ارتباط هذه الأخير ة بالميتافيزيقا؛ وبخاصة فلسفة أفلاطون التي يتصور البعض أن اقتران القيمة الجمالية فيها بفكرة المثال، وارتباط الشاعر بفكرة الإلهام؛ هو مما يقع على النحو ذاته في التجربة الصوفية. ويؤكد أن المفارقة موجودة وجلية بين القيمتين؛ من حيث نزوع القيمة الجمالية الأفلاطونية نحو المثالية ومن ثم خروجها عن فكرة الإلهام والكشف والشعور الدافق، ونزوع القيمة الجمالية الصوفية نحو الإلهام الذي يختمر في أعماق النفس الإنسانية ويتشكل من ارتباط عمق الذات بالخيال الخلاق؛ فهو يُولَدُ في أعماق الإنسان وليس في الشيء ذاته؛ ففكرة الصوفية الأساسية وغايتهم العليا: الحق وليس الخير؛ أما أفلاطون فالخير هو محور جمالياته؛ لذا فالمثال الجمالي لا يكون صحيحا إلاّ إذا تلمّس فيما يحاكيه الواقع الخارجي (المجتمع أو الطبيعة)المحكوم بقيم محدّدة تضع كل شيء في موقعه المناسب[35].

( الرابطة المحدية للعلماء)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق