آراء

كوكاسيات

إضراب مايا عن الطعام

عبد العزيز كوكاس

أوردت الوكالات الدولية للأنباء خبرا طريفا هذا الأسبوع، مفاده أن إحدى الفيلة في الهند أضربت عن الطعام حتى الموت، ولم تنفع جميع حيل مربيها سواء في تقديم أجود أنواع التغذية للفيلة «مايا»، أو في التودد لها ومعاملتها بلطف وحنو زائد… لتتناول طعامها وتستأنف حياتها الاعتيادية.. احتار مربو الفيلة «مايا» في سبب امتناعها عن الطعام لأيام عديدة، فخافوا على موتها، فاستدعوا البيطري الذي لم يجد بها علة ولا داء عضويا، وبحدسه عرض عليهم خبرة بيطريين نفسيين إنجليز لفك عقدة إضراب الفيلة عن الطعام.

موقع الطرافة ليس هنا، بل في السبب الذي إذا عُرف بطل العجب، والمتمثل في حالة أزمة «مايا»، أن سائقا أخرق أزعجها بمزمار سيارته، وهي التي لم تكن تقطع عليه طريقاً، ولا تقف حاجزا أمام عبوره، بل فقط ترضع صغيرها «ميلوي» الذي أصيب بحالة اكتئاب بسبب الضجيج الصوتي، فانقطع عن الرضاعة وهَرْوَل بعيدا عن أمه… اكتئاب الفيل الصغير وعصبيته الناتجة عن منبه سيارة سائق متهور، كان سببا في اكتئاب الأم «مايا» التي دخلت في ما يشبه إضراب الأمعاء الفارغة..

لا نريد لأي بشر، خاصة من قاطني المدن الكبرى المصابين يوميا بلعنة التلوث السمعي، أن يقتضي بسيرة الفيلة «مايا»، التي وجدت، لحسن حظها، فريقا من الأطباء النفسانيين أو البيطريين السيكولوجيين الإنجليز الذين نجحوا في حل عقدة اكتئابها وعصبية صغيرها «ميلوي».. وإنما أفكر بشكل جدي في هذا الضجيج الذي لا يطاق لمنبه السيارات (الكلاكسون) الذي يعلو في طرقات مدننا بدون مناسبة ولأتفه الأسباب، وحتى لو كان واقفا في الضوء الأحمر أو في الصف العشرين من ازدحام السيارات لسبب من الأسباب…

في الكثير من الدول المتحضرة يعتبر منبه السيارة سُبَّة إذا لم يستعمل في لحظة الحالات القصوى للخطر، وتضع السلطة المعنية بتنظيم السير والجولان علامات للتشوير تمنع كليا استعمال منبه السيارة بالقرب من المستشفيات والمنتزهات العامة ومدارس الأطفال ودور العجزة بل حتى قرب المنتزهات التي يقصدها الناس طلبا للاسترخاء والهروب من زحمة المدينة وضغط إيقاعها اليومي… وتفرض عقوبات زجرية على العابثين بالقانون من المراهقين والسكارى…

لا توجد في مدننا العربية ثقافة احترام الغير والتسامح في الطريق، وتمارس أصوات المنبهات ضغطا نفسيا على مستعملي الطريق كما الساكنة على السواء، وبطبيعة الحال ليس لدى مواطنين حظ الفيلة «مايا» وصغيرها، أطباء نفسانيون لمعالجة لا المدنين على استعمال منبه السيارات بدون داع حقيقي أو ضحاياهم، ولا لدينا قانون يحمي النساء الحوامل والمرضى والعجزة والأطفال الصغار من التلوث السمعي، لكن من حقنا أن يكون لنا قانون يحظر استعمال منبه السيارات والشاحنات بلا موجب، أنت تقف في الضوء الأحمر وسائق من ورائك يضغط على «كلاكسون/زمار» سيارته، دون أن تدري لماذا؟ ويطلب منك بنرفزة أن تخلي له الطريق، وسائقون في مؤخرة طابور السيارات يبدون كما لو أنهم يطربون لمجرد الضغط على منبه السيارات بقوة حتى يصكوا آذانك مجانا…

إن السياقة سلوك حضاري يفرض علينا جميعا التحلي بالأخلاق الضرورية كي لا نتسبب في أضرار مجانية لغيرنا.. فلنتعلم عدم استعمال منبه السيارات لغير ضرورة، وخذوا العبرة من «مايا» وصغيرها «ميلوي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق