
د. محمد بدوي مصطفى
إن ما يحدث الساعة في ساحات السياسة بالخرطوم كان من متوقعا حدوثه، ذلك ومن أول وهلة سقط فيها المشير المخلوع حيث أطاح الشعب السوداني بنظامه الدكتاتوريّ مؤمنا بسلمية الثورة ومقتديا بنزاهتها وعدالتها المرتقبة للجميع. لقد شهد العالم جلّه ما عانته ثورة ديسمبر المجيدة من أهوال وما تكبدته من أرواح وما سال من دم أخصب وأخضب الأرض منيرا، فكم من روح زهقت وكم من نفس سُلبت وكم من بنت ذُبحت وبين هذا وذاك فقد بعض الشباب حتى إيمانهم بالقضية التي ثاروا من أجلها، فصاروا يهيمون على وجه الأرض مجهولي المصير، دون أن يكونوا على قيد الحياة ودونما أن ترتفع أرواحهم إلى بارئها، فقذفت بهم أيادي القدر إلى مجرّة تموج بين برزخيّ الدنيا والآخرة. يا للأسف فلا زالت أسرهم تنتظر بصيص من نور في آخر النفق وإيمانهم يثبت القلوب المليئة بالتنبؤات السارة بعودتهم، ويظل الأمر، كما نقول، بين “لا صح السعد ولا دام الحزن” والكسر مجبور كسره بخفايا الحقائق.
انتهى الاستعراض بالفترة الانتقالية بمساعدة قوى إعلان الحرية والتغيير إلى أن بان رئيس الوزراء حمدوك والذي أتى بمثابة المهدي المنتظر ومسيح الخلاص، منقذ الأمّة في كرّة الفرس الأخيرة، ففرح الشعب وأفرح ثم استفرح لأنه أمِل تحقيق ما ناضل من أجله، أقصد من أجل التغيير، على شاكلة مطالب بناء الوطن بإرجاع المسلوب وتنمية الاقتصاد وتحقيق العدالة التي طال انتظارهم لها ثلاثة عقود بالتمام والكمال. ببساطة فإن مطالب الشعب جلية وما يريده الشارع معروف لدى القيادات، وما يقود البلاد إلى دوامة المآزق هو عدم تنفيذ الأحكام وتناسي تحقيق العدالة لكل المفسدين. ندد الشعب بحرية، سلام وعدالة! الآن انقلب السحر على ساحره، ومعه انقلبت الآية وبقيت الحرية فقط لمرتكبي الجرائم دون قصاص، فلا حساب ولا بطيخ، فهل من حق الشعب أن يقهر اعداءه المجرمين متعاملا بمبدأ العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص؟! المدهش حقا أن القتلة والمغتصبين والسارقين لا زالوا ينعمون بحرية مطلقة، أتحسبونهم يكترثون بما يفعلونه من أهوال أو ما يقع من جرائهم من مصائب ومآزق في حق الشعب والوطن؟ يا للأسف مازالت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ وتنحصر يوما تلو الآخر في ضائقة مريبة في كل الحيثيات، والوجه العام يتردى ثم يتردى. يصل الشعب بين الفينة والأخرى شيء من فتات التصريحات في شكل مقترحات بخسة، يظنون أنها مخرجة السودان من الظلمات إلى النور. أعيدها مرّة أخرى فقد تطاولت أيادي الحرباء المخضبة بالدماء وتصافقت معلنة على الثورة حربا ضروس، سياسية، اقتصادية وحزبية حتى أوصلوا نيرانها إلى المخابز وحقول المؤن، فالخبز الحافي صار عملة صعبة ببلاد النيلين فهل من مدكر!
إن الساقية السياسيّة لا زالت تدور وتمور بتسلسل واطراد إلى ما لا نهاية حيث يسود أجواء السودان نوع من الهلع والخوف جراء ما تقود إليه هذه النكسة السياسة بخطواتها الغير موفقة، فالبلاد بحاجة إلى كفاءات نزيهة، ألا يكون بها ماضٍ مخزي ولا حاضر انتهازي.
من المعروف أن للعُشرة جوانب حسيسة يجب أخذها بعين الاعتبار. فقد تهون العُشرة على قطيع الصحاري والجبال والقتلة المجردين من بذرة الخير التي بالأفئدة، أولئك أقوام ألهتهم الدنيا وكنوزها فنهبوا ما نهبوا وأخذوا ما أخذوا والفرار سبيلهم وبئس المصير. للأسف فإن كل أجندات المطالب لدى المواطن تمر مرور الكرام ولا اسفا على ما يجري، وكل بصمات العسكر واضحة وضوح الشمس: من هم قادة الفترة الانتقالية؟ بالحق، أهناك فترة انتقالية للحكم بالأساس؟ من هم المكلفون بتولي السلطة الفعلية؟ ما هي الأسباب الرئيسة لعوائق البلاد ومعاناتها؟ ومن ثمّة من المسؤول عنها؟ إن الشعب السوداني عبارة عن دمى في أيدي المكلفين والدليل وجود ثغرات الشح، كقربة الماء، التي تُسدّ من جهة فتنفتح من الأخرى، فإلى متى هذه المعاناة وما هو حد هذه المخمصة، فالعمر ساعة وقد تمر دون أن نعي، مرور الكرام ونحن لم نزل نحرك ساكن.




