سياسة

حوار مع الشيّوعي … إصلاح وتصحيح أم إِسقاط؟

نضال عبد الوهاب

خرجت بالأمس وفي ذكري فض اعتصام القيادة العامة مسيرة وتظاهُرات هادرة عبرت حقيقةً عن نبض الشارع الداعيّ إلى تحقيق العدالة وإلي القصاص لشهداء الثورة السُودانية وشُهداء مجزرة فض اعتصام القيادة في ٣ يونيو ٢٠١٩..

خرجت كُل هذه الجُموع من لِجان مُقاومة وشباب ونساء ومهنيين وطُلاب وأُسر شُهداء وثُوار ومُواطنين من أجل هدف يتفق عليه الجميع وهو تحقيق العدالة والقصاص.. ولكن الشارع مُختلف حول فكرة ودعوة إسقاط النظام، رُغم وجود أصوات عديدة وهُتافات من وسط المسيرة والموكب نادت بهذا.. ومن المعرُوف أن الداعيّ الرئيسي لفكرة إسقاط النظام وذهاب هذه الحكومة بكاملها شُخوصاً وسياسات هو الحِزب الشيّوعي السُوداني (لا نأبه بدعوات الكيزان لذات الهدف).. فالحِزب الشيّوعي هو الذي أشرف تنظيمياً ودعائياً وسياسياً على هذه الدعوة وأستبقها بعدة بيانات من لجنته المركزية ومكتبه السياسِي وتصريحات لكوادر بارزة فيه، وختمها بمؤتمر صحفي لسكرتيره السيّاسي ومسؤوله الإعلامي وعدد من قيادِيه ومن داخل مركزه العام مُجددين الدعوة لإسقاط النظام..

مرت المسيرة بحمدالله بأقلّ الخسائر رغم تخوف العديدين من سقوط مزيد من الضحايا والشُهداء، وإن كانت هنالك ضحية وشهيد من بين قوات الشُرطة نتيجة غدر وطلق ناري من أحد المُندسين الجُبناء والغرض واضح.. نسأل الله له الرحمة والقبول.. ولعل التعامل المُنضبط هذه المرة للقوات الأمنية والشُرطية والرغبة في عدم تأجيج الشارع وصب مزيداً من الغضب خاصة في وجود وفد عالي المستوي من المحكمة الجنائية الدولية يزور البلاد، ومُراقبة دولية لكامل المشهد في السُودان وتحذيرات مُباشرة بعدم استعمال القوة ضد المُتظاهرين السِلميين من جانب المنظومة الأمنية والعسكرية.. كُل هذا ساعد في مرور اليوم دونما عُنف أو سُقوط ضحايا وشُهداء من بين المُتظاهرين والثُوار.. 

دعوة الحِزب الشيّوعي المُستمرة لإسقاط النظام وخطاب التخوين لكافة القوي السياسية التي تُمثل الحكومة الحالية والذي ظلّ يتكرر على كُل مستويات الحزب ومُناداته بتكوين جبهة جماهيرية عريضة حسب وصف السكرتير السيّاسي له محمد مختار الخطيب في المؤتمر الصحفي الأخير بتاريخ ٢ يونيو مُكونة من لجان المقاومة والمهنين وتنظيمات النساء والشباب والطُلاب وأُسر الشُهداء لإسقاط النظام..

ومن المعرُوف أن كُل هذه التنظيمات التي يقصُدها سكرتير الحِزب هي تنظيمات ذات صلة بالحِزب أو لافِتات له.. فالحِزب على صلة بعدد كبير من لجان المُقاومة وعلى صلة بأُسر الشُهداء ومنظمتها وتنسيق بينهم وكذلك اللجنة الحالية لتجمُع المهنيين (غير الحكُومية) بالإضافة للواجهات النسائية والشبابية والطُلابية سواءً في الإتحاد النسائي أو عدد من تنظيمات المرأة أو الجبهة الديمُقراطية الطُلابية، مع مُشاركة رمزية للمُتحالفين معه في الحركة الشعبية جناح الحِلو أو جيش تحرير السُودان عبد الواحد..

نحن من هنا نُريد أن نُدير حوار ديمُقراطي مع الحِزب الشيّوعي السُوداني في دعوته هذه، ونسأل ابتداء سؤال مركزي.. هل الأجدى والأسلّم الدعوة لإِسقاط النظام أم إصلاح النظام وتصحيحه؟؟

في حال استعمال خط إِسقاط النظام الانتقالي فالمطلوب إذن أولاً البديل لهذا النظام الذي سيتم إسقاطه.. فهل البديّل هو الحِزب الشيّوعي السُوداني ولافاتاته؟؟ تذكرت في هذه اللحظة كلمات للراحل محمد إبراهيم نُقد عندما قال (هذا السُودان لن يُحكم مُنفرداً، ولن تحكُمه جهة واحدة مُنفردة، ولا حِزب واحِد مُنفرداً حتى وإن كان الحِزب الشيّوعي السُوداني نفسُه).. لم يعِش نُقد لكي يري من تركهم خلفه ولا يؤمنون حقيقةً بهذه المقُولة، أو الفكرة التي صرّح بها وهو في أعلي قيادة الحِزب!

الحقيقة تقول والواقع أن الحِزب الشيّوعي السُوداني وقيادته الحالية تُريد أن تحكُم وحدها ومُنفردة ووفقاً لبرنامِجها وتصُوراتِها؟ مُتناسين أن هذه هي مرحلة انتقالية تُشارك فيها من المُفترض كُل القوي السياسِية التي شاركت في الثورة أو عارضت النظام السابق ولم تتحالف معه أو تُشاركه الحُكم.. وأنه لا يستقيم أن تتكون حكُومة انتقالية تُساهم في مهام الانتقال والتغيير ومطلوبات الثورة حتى مرحلة الوصول للانتخابات مروراً بالمؤتمر الدستوري والنظر في كافة القضايا السُودانية الهامة ومرحلة التمهيد لدستور ديمُقراطي جديد بدون استصحاب كُل تلك القوي التي استمرأ الحزب وقيادتُه تخوينها ولفظها بلا استثناء، ورفض التعاون معها وإقفال الباب أمام كُل الدعوات والمُبادرات من أجل ذلك.. السُؤال إذن كيف سينتقل السُودان؟؟ وكيف ستكون هنالك فترة انتقالية من أصلُه!

مع مُلاحظة هامة، فنحن هنا نتحدث عن الجانب المدني فقط في ميزان التحول الديمُقراطي والقوي السياسِية التي يُمكن أن تُشارك فيه..

لم نتطرق للحركات المُسلحة التي دخلت السُلطة الحالية أو التي تنتظر عبر التفاوض، ولم نستصحب الجيش النظامي والمليشيات المُتحالفة معه (الدعم السريع) والتي هي في ذات التوقيت طامعة للسُلطة منفردة أو عن طريق السيطرة علي الجيش النظامي أو بالتفوق في ميزان القوة عليه أو حتى المُنافسة معه!

كُل تلك العوامل لا يستبعدها أي عاقل أو سياسِي ينظُر ويدّرُس الواقع للتعامُل الصحيح معه..

سُؤالنا في حوارنا مع الحِزب الشيّوعي، من هي الجهة العسكرية الحالية التي يمكن أن تُأمّن الانتقال في ظل هذا الواقع وإمكانية واحتمالية تفجر الصِراع المُسلح والفوضى والحرب في أي لحظة (يأس أو مُناتلّة)..   

اليس لإسقاط النظام في حالة استمرار ثورة الشارع بهدف إِسقاط النظام شرط ضروري في انحياز الجيش وضمان تفوقه ومقدرته على إِخماد أي بُؤرة لعمل مُسلح ضدها لصالح وفي اتجاه التحُول الديمُقراطي والمدني، هل في حسابات الحِزب الشيّوعي مثل هذا السيناريو في ظل الواقع الحالي أم (عامل مُطنش) منه!

نأتي للعامل الدولي والإقليمي، غير خافي لاي مُتابع دعم أمريكا والغرب للانتقال المدني في السُودان بشكل عام، وكذلك مطامِع دول إقليمية في السُودان وتبنيها للثورة المُضادة، ومُحاولاتها المُستميتة لعرقلة الانتقال للديمُقراطية ودعم سيطرة العسّكر واللعب على خلافات السودانيين والقوي السياسِية وتحريك آلتهم الاستخباراتية في هذا وبكل قوتهم..

هل الأصحّ والأسلّم في ظِل هذا الواقع والوضع هو كسب القوي الدولية المؤثرة التي تقف معك حتى وإن كان بالتفاهم والحوار معها وفق مصالحِنا كسُودانيين في الانتقال الديمُقراطي وكبح العسّكر ومن يقفون خلفهم، أم مُعاداتهم ومُعاملتهم كأعداء وفقاً لخطاب أيدولوجية لا يُعبّر عن المرحلة ولا يُناسبها بأي شكل من الأشكال!

وهل نفض يدك عن كُل القوي السياسِية والأحزاب الأخرى لمُجرد اختلافك معها ومع خطها السياسِي أو حتى إذا افترضنا وجود عُملاء وخونة في قيادتها كما يُسوّق الحِزب الشيّوعي، فيقوم بركلها جميعاً بدلاً من مُحاولات دعوات تصحيح وإصلاح لها ومعها والوصول لمُشتركات وتفاهُمات منطقية ووطنية في تحالف يقود فترة الانتقال على القضايا التي ليس عليها أدني خلاف، وهي معرُوفة لا داعي لتكرارها، هُم داخل الحزب من المُفترض يعلمُونها؟

هل في ظِل مثل هذا التباعُد والصِراع أليست الجهات الوحيدة المُستفيدة هي الكيزان وفلول النظام السابق والعسّكر وحُلفائه والثورة المُضادة وعلى رأسها دول الإقليم ومحور الشّر المعرُوفة؟؟

كيف يُفكر الحِزب الشيّوعي وقيادته إذن؟ فالواقع والمنطق والمرحلة تتطلب ضرورة ووجُوب تغيير طريقة التفكير عندهم.. الدعوة للتصحيح والإِصلاح هي الدعوة الأنسب وليس إسقاط النظام!

لابُدّ للحِزب الشيّوعي أن يُعدّل من فكرة التمترُس فقط في خط المُعارضة وإِسقاط الحكُومات، كأنما هذا هو الشيء الوحيد الذي يُجيده.. لا بُدّ له من استيعاب لُغة التشاركية مع الآخر المُختلف عنه، خاصة في كُل ظروف السودان الحالية وتعقيداتُه.. إذا سقط النظام الآن فالبديل ليس وردياً وزاهياً كما يتصور بعض الحالِمين .. التحدّي الحقيقي أمام الحزب الشيّوعي يجب أن لا يكون إِسقاط النظام، وإنما تصحيح النظام وإصلاحُه والمُشاركة الفاعلة داخله حتي يُغير من داخل السُلطة أيضاً وفقاً للبرنامج الوطني المُشترك و وثيقة الانتقال ومَطلُوبات استكمال الثورة ومسيرة التغيير ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق