سلايدرسياسة

وساطة بري بين عون والحريري باتجاه المثالثة

علي شندب

الإيجابية الحذرة، التي أشاعها لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري مع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، سرعان ما تخبرت. لأن حلّ العقد المانعة لتشكيل الحكومة، لا بدّ أن يمرّ عبر كسر أحد طرفي التشكيل رئيس الجمهورية ومن خلفه رئيس تكتل لبنان القوي جبران باسيل، أو الرئيس المكلف، فتعقيدات تشكيل الحكومة تشي بأن لبنان ذاهب الى الارتطام الكبير.

ورغم براعة الرئيس نبيه بري في تدوير زوايا المشكلات الحادة وتليين رؤوسها، فإنّ تصدّيه ليكون عرّاب الحل بين الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري، يستبطن ضمناً أنّ ساكن القصر الجمهوري قد فقد ميزته في السهر على الدستور وتطبيقه، وفي أن يكون حَكَمَاً بين اللبنانيين. فمشهدية وساطة بري بين عون والحريري تثبت أن عون بات طرفاً وليس حَكَمَاً. كما إن دور بري الجديد وبغض النظر عن نتائجه المتوخاة، وضعه في مرتبة أعلى من رئيس الجمهورية.

من هنا تتضح أكثر صورة التعقيدات الإضافية للمشكلة التي تقول باختصار، أن لبنان الذاهب بقيادة رئيس الجمهورية الى ما بعد جهنم، يتربع على عرش أزمة حكم، بل وأزمة نظام. وقد جحّظ أزمتا الحكم والنظام الشكوى التي رفعها ميشال عون للمجلس النيابي ضد الرئيس المكلّف، والتي ردّ عليها الحريري وفنّدها، كما واتهم صاحبها ميشال عون بتعطيل تشكيل الحكومة بهدف وحيد هو دفع الحريري الى الاعتذار عن تشكيل الحكومة. وقد أسهب الحريري في سرد أساليب الرئيس وفريقه ومنها الفيديو المسرّب الشهير الذي يتهم فيه عون الحريري بالكذب.

صحيح أن الجلسة البرلمانية قد ثبّتت تكليف الحريري وطالبته بسرعة التشكيل بالتعاون مع رئيس الجمهورية، لكن الصحيح ايضا أن رئيس الجمهورية استشعر من هذا التثبيت ليّاً لذراعه وإحباطاً لمساعيه الهادفة لتطفيش الحريري وتكليف بديل عنه. الأمر الذي وضع فريقا تشكيل الحكومة في خنادق متقابلة، بما يشبه حرب الإلغاء المتبادلة. فتطفيش الحريري واستبداله بآخر، يتطابق في مفاعيله مع إبقاء عهد ميشال عون بدون حكومة حتى انتهاء مدة إقامته في القصر الجمهوري.

وكما بات معلوما، فإنّ العقدة المستحكمة في مسار التشكيل، تكمن في تمسّك الرئيس عون ووريثه غير البيولوجي جبران باسيل بحقيبتي الداخلية والعدل، وأيضا في الفيتو ضد تسمية الحريري لوزيرين مسيحيين. فوفق الحجّة الباسيلية كيف لرئيس الحكومة المسلم أن يختار ويسمّي وزيرين مسيحيين؟ إنّها الحجة نفسها التي شكّل عون وباسيل السابقة التي استفزّت البيئة السنية، عندما اختاروا وسمّوا غالبية وزراء الحكومة المستقيلة ابتداء من رئيسها حسّان دياب. كما إنها السابقة المتناقضة مع مبدأ اختيار القوي في مكونه الطائفي بدءا من اختيار ميشال عون القوي في بيئته لرئاسة الجمهورية.

وتوازياً مع هذه المشكلات، فإن المشكلة الجديدة التي بدأ يعانيها ميشال عون وفريقه هي إشراك نبيه بري معزّزا بتفويض من زعيم حزب الله ولو من باب الوساطة في عملية تشكيل الحكومة. إنّه التفويض الذي ظهّر الثنائي الشيعي بمظهر المسهّل لا المعرقل لعملية التشكيل. علماً أن مصطفى أديب اعتذر عن تشكيل الحكومة عندما وجد نفسه أمام التسليم بتسمية الكتل النيابية أو موافقتها المسبقة على الوزراء الاختصاصيين كما والتسليم بتخصيص وزارة المالية للثنائي الشيعي.

إنه التخصيص الذي ضرب مبدأ المداورة بين الحقائب الوزارية والذي رضخ له الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي تنص مبادرته على تشكيل حكومة مهمة من اختصاصيين غير حزبيين لإنقاذ سفينة لبنان من الغرق. وهو التخصيص الذي تذّرع به ثنائي عون باسيل ونسج على منواله في التمسّك ببعض الحقائب دون مداورتها.

دخول بري على خطّ التأليف ذكّر بصورة “الترويكا الرئاسية” التي حكمت الدولة وليس لبنان، طيلة عهد الياس الهرواي وما بعده. والترويكا التي يُعاد تفعيلها اليوم ليست مشابهة لترويكا ما بعد الطائف. ترويكا اليوم، تعبير عن نهج جديد يصوغه سيّد حزب الله بصبر متناسل من الصبر الإستراتيجي الذي يتقنه دهاقنة إيران.

فالثنائي الشيعي تمسّك بحصرية وزراة المالية بيده، لأنه قرأ في مبادرة ماكرون (التي كانت تسير توازياً مع عقوبات أمريكية على بعض وزراءه وأيضا على جبران باسيل بتهمة الفساد وفق مندرجات قانون ماغنيتسكي العالمي)، انعدام وجود الثلث المعطّل لأي طرف، وهو ما يتمسّك فريق عون باسيل بالحصول عليه مباشرة أو مداورة. فوزارة المالية بيد الثنائي الشيعي تغنيه عن الثلث المعطّل، لأن حجب وزير المال لتوقيعه على أي قرار أو مرسوم كفيل لوحده بالتعطيل.

والى الثلث المعطّل ووزارة المالية، كلنا يذكر تهويل فريق سعد الحريري بالاستقالة من المجلس النيابي عشية زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان الى بيروت، على خلفية عدم تضمين جدول مقابلاته الرسمية مقابلة مع الحريري الذي سحب فريقه هذا التهويل من التداول مباشرة لحظة ذهاب الحريري لمقابلة لودريان في قصر الصنوبر.

إنّها الاستقالة من البرلمان التي يلوّح بها نواب فريق عون باسيل ومنذ جلسة البرلمان لمناقشة رسالة عون بهدف سحب التكليف من الحريري، وهي الاستقالة التي تنتظرها وتتمناها القوات اللبنانية، لأنها ستقود لإجراء انتخابات نيابية مبكرة تعيد تكوين السلطة. علما أن استقالتهما وفق بعض فقهاء الدستور تعني إجراء انتخابات فرعية، وليس حلّ البرلمان. لكن التهويل بالاستقالة هو ممارسة الضغوط المتبادلة في لحظة تعاني فيها أطراف المنظومة من إفلاس سياسي وشعبي كبير.

وبالعودة الى الترويكا على خلفية اضطلاع بري بدور الوسيط والعرّاب، فإنها في بعض جوانبها تستظهر “المثالثة” واقعيا بانتظار الظروف التي تسمح بإقرارها دستوريا، الأمر الذي يتنبه له بوضوح البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي وإضافة لمطالبته بمؤتمر خاص حول لبنان برعاية الأمم المتحدة وبالحياد، فإنه أخذ يشهر سيف معارضته للمثالثة رغم أن وساطة بري للحل تحظى بموافقة البطريرك الماروني، كما تحظى بمباركة مصر التي شدّد سفيرها في لبنان على دعم مبادرة بري في تشكيل حكومة من 24 وزيرا على أساس ثلاثة ثمانات. وللمفارقة فهذه “الثلاث ثمانات” تشكل انعكاسا جاحظا لمبدأ المثالثة إيّاه.

بدون شك لبنان لم يعد قادرا على الإنتظار ودوام الإقامة في الفراغ. فالتلاشي والفوضى الأمنية الأهلية جرّاء الإذلال على محطات البنزين وفقدان الدواء، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث أفصح تقرير البنك الدولي بالأمس أن أسعار المواد الغذائية في لبنان وجيبوتي هي الأعلى والأغلى في العالم. وكما بات معلوماً، فالفقر الذي يتفشّى في شرائح اجتماعية جديدة، من شأنه تسريع الفوضى الأمنية الأهلية التي تدبّ على الأرض توترات أمنية وإشكالات متفرقة ستأخذ لحظة رفع الدعم عن السلع الأساسية، والوصول الى الارتطام الكبير أشكالا عنفية معروفة بداياتها، وليس بمقدور أحد التكهن بمآلاتها ونهاياتها.

الضياع سمة الموقف. ومنظومة الأمونيوم والفساد والمال والسلطة، تقر بعجزها عن إبتكار المعجزات، كما وعن إعادة إنتاج أو ترميم نفسها، سيّما وأنها سبب البلاء وأصله. والساعات والأيام القلية المقبلة حبلى بالتطورات التي يرجح أنها لن تشهد استيلادا ولو قيصريا للحكومة، ولن تدفع كتل التيار العوني والقوات اللبنانية فضلاً عن المستقبل على الاستقالة من مجلس النواب، وبحسب الرئيس فؤاد السنيورة لن تدفع الحريري الى الاعتذار.

وكما بات معلوما، فإنّ وقائع ما قبل الجلسة النيابية الأخيرة، وشت أن الرئيس بري نجح في منع الرئيس المكلف من الاعتذار، لكن اذا ما فشلت جهود العرّاب نبيه بري في ردم فجوة الخلاف والاختلاف بين عون والحريري، فأغلب الظن أن الحريري مقبل على الاعتذار ورمي كرة اللهب معطوفة على تقرير البنك الدولي في حضن ميشال عون، وعندها سيكون لبنان أمام مفترق شديد الوعورة، التي سيضاعف من تشعباتها التسليم بالذهاب الى مؤتمر تأسيسي كثر الكلام عنه لتعديل الدستور وإنتاج نظام جديد يستعيد صلاحيات رئيس الجمهورية التي أكلها الطائف وفق التيار العوني من جهة، ويؤمن المثالثة وفق متطلبات تصاعد نفوذ حزب الله من جهة ثانية.

حمى الله لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق