سياسة

لا لسِقُوْط النِظَامْ

نضال عبد الوهاب

بعد نجاح الثورة في إزاحة رأس النظام السابق و بعد أن فتحت المجال للتغيير بإزالة جميع سياساته ومؤسساته و آلته القمعية و مليشياته، وفتحت الطريق للحُرية والسلام والعدالة والديمُقراطية في السُودان ، وكُل هذا كما هو معلُوم لم يأتِ صُدفة وإنما نتيجة لتراكُم جميع نضالات وتضحيات الشعب السُوداني العظيم طوال ثلاثين عاماً ، وجاء بتضحيات ودماء الشُهداء و ألاف الضحايا الذين ضحوا وماتوا وقُتّلوا لكي يتحرر السُودان في كُل أجزائه من الظُلم الاجتماعي والتهميش و العُنصرية وسياسة فرق تسُد التي كان يتبعها الإسلاميون وأمعنوا بها لتمزيق السودانيين وضرب نسيجهم الاجتماعي كي يسهُل حُكمهم له ولشعبه ..

بعد كُل هذا المشوار الطويل من النضال المُستمر والمُنظم والذي توجته ثورة ديسمبر وطليعتها من الشباب والجيل الجديد العنيّد في السُودان، جاءت لحظة الانتقال ومرحلته في السُودان والتي دخلتها البلاد وهي في أضعف وأفقر حالاتها وانهيارها شبه الكامل اقتصاديا واجتماعيا وسياسياً، وعُزلتها وخرابها في التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية، والحرب قد أجدبت مُعظم أجزائها وتشرّد أغلب سُكان مناطقها ونزحوا..

دخلت البلاد وفقاً لما اقتضته ظروف الثورة ومنعرجاتها وواقع تركيبتها خاصة الجانب المُتعلق بعدم وجود جيش وطني ومؤسسة عسكرية بالمعني الصحيح نتيجة تخريب الكيزان المُتعمد له، ومليشيات مُنفلتة وذات طابع همجي وقبلي، هذا الواقع فرض نموذج للشراكة بين العسكريين والمدنيين حتى تتم عمليات السلام وتنقية الجيش نفسه من عناصر النظام السابق وإعادة هيكلته وفق الترتيبات الأمنية وعمليات دمج الجيوش وتسريحها، إصلاح كُل المنظومة الأمنية في البلاد.. وخوفاً من انفلات البلاد لمستنقع الفوضى والحرب الأهلية وحقناً لدماء السودانيين..

دخل السُودان للفترة الانتقالية وعلى عاتقه تركة ثقيلة جداً ورثها من النظام السابق.. كانت ولا زالت تحتاج إلى عمل شاق جداً وتخطيط وطول نفس، وقبل ذلك كُله تحتاج إلي استمرارية حالة الوحدة والتكاتف في مجموع الشعب السُوداني الذي أنتج الثورة و ذات الأمر بالنسبة للقوي السياسية التي قادت الشارع وصنعت معه الثورة..

واهن من يظُن أن المرحلة الانتقالية مجُرد نُزهة، ومرحلة سلسة للانتقال بالبلاد للديمُقراطية والسلام والوحدة والاستقرار والرفاهية.. فبخلاف التحديّات الداخلية، والصراعات، وقوى الردة والفلول وحُلفاء النظام القديم وقوي السُودان القديم الذين يُعطلون التغيير ولا يُريدونه ولا يفرق عندهم أن يحكُم السودان طُغاة أو مُستبدون طالما وأنه يتفق ومصالحهم، بخلاف كُل هذا لاقت الثورة ولا تزال تلاقي أعدائها الخارجيين وقوي الثورة المُضادة الذين ظلوا يعملون ليل نهار لكسر حلقة التغيير في السُودان تجاه الانتقال الذي يحلُم به الشعب السُوداني في الدولة المدنية الديمُقراطية.. وفي سبيل ذلك فعلوا ويفعلون كُل شئ ويبذلون الأموال ويشترون الذمم ويصنعون العُملاء ويستقطبون كُل من يُمكن له تنفيذ مُخططاتهم ووجدوا ضالتهم أكثر في العسكريين ومليشيات النظام السابق فحاولوا ولايزالون تقويتها وخطها لصاح مصالحهم وبلدانهم..

أمام كُل هذا المشهد بكل تفاصيله لا يجب النظر لعملية الانتقال بسطحية ونظرة أُحادية الجانب أو من زاوية واحدة ومُعتّمة..

نعم تمر البلاد بضائقة وصُعوبات عديدة جداً وظروف معيشية قاسية جداً، بعضها نتيجة للواقع الموروث من النظام السابق، وبعضها مصنوع من فلوله وقوي الثورة المُضادة وشُركائه من العسكريين والمليشيات، وبعضها جراء سياسات الحكومة الحالية ومجلس وزرائها وفشلهم الواضح في إنتاج حُلول تجعل عملية الصبر عليهم ممكنة من مجموع الشعب السُوداني.. وهذا الواقع القاسِي الملامح والأزمات الاقتصادية المُتلاحقة والغلاء فيه وانعدام أبسط احتياجات الحياة الكريمة للمواطنين خاصة البُسطاء والفُقراء منهم وذوي الدخل المحدُود وهم الأغلبية، جعل التمّلمُل والتذّمُر من الحكُومة والأوضاع القائمة كبيراً، إضافة لعدم شعور الناس بجديّة الحكُومة في عدد من الملفات ومهام ومطلُوبات الثورة نفسها، خاصة في إكمال هياكل السُلطة نفسها، وفي العدالة الانتقالية، وإزالة التمكيّن وتصفية مؤسسات النظام القديم وإبعاد كُل رموزه وإصلاح الخدمة المدنيّة..

و إذا أضفنا لهذا أيضاً تشرذم القوي السياسية المدنية وصراعاتها وانفراط عقد التحالف الذي أتي بحكُومة الثورة ، هذا الوضع بكامله جعل المُطالبات تأتي من بعض القوي السياسية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السُوداني وبعض حُلفائه خاصة من لجان المُقاومة وبعض المُنظمات النسوية والشبابية والطُلابية والقوي المهنية ، واتفقت هذه المطالب بإسقاط النِظَام و رفع شِعارات ( تسقط تالت وتسقط بس ) مع أهواء ومطالب الكيزان وحُلفاؤهم أيضاً وعاشقي الأنظمة المُستبدّة و قوي السُودان القديم ، فنادوا ويعملون جميعاً للتصعيّد مُستغلين حالة الضُعف العام في البلاد خاصة في جانبها المعيشي والاقتصادي .. دونما أيّ اكتراث للمرحلة الحالية وواقعها المُعقد وتحدياتها (الانتقالية) أو لما هو يُمكن أن يأتي (سيناريوهات الفوضى والحرب الأهلية).. والأهمّ من هذا كُله فإن المطلب الرئيسي ليس إصلاح النِظَام ولا حتى تغيير الحكُومة وإسقاطها، وإنما المطلب الأساسِي هو إِسقاط النِظَام.. وهنالك فرق كبير جداً بين شعار إِسقاط النِظَام وإِسقاط الحكُومة أو تغييرها..

إسقاط النِظَام يعني ببساطة أن يكون البديل هو مرحلة ما قبل الانتقال وهو فتح الباب مُجدداً أمام الاستبداد والانقلاب العسكري والديكتاتورية والشمولية التي ناضل ضدها الشعب السُوداني طويلاً.. وتمرير خطاب في مُقابلها مثل ثورة الجوع، والأهمّ هو أن يأكل الشعب ويشبع.. وهل الشعب إذا توفر له القُوت عن طريق الحكُومات الاستبدادية والقوي الانقلابية و التي تدعمها دول غنية في المنطقة كالإمارات والسُعودية و التي يمكن لها الوقوف من أجل مصالحها مع العساكر وتوفير كُل الاحتياجات اللازمة بنفس ما فعلوا مع المصريين وضخوا لهم الأموال ليجهضوا ثورة يناير والانتقال للديمُقراطية عندهم، نفس السيناريو يُعد له في السُودان، فهل يمكن أن يقبل السُودانيون ذلك بدعوي الجوع وانفراط الأمّن المُتعمد والسيولة الأمنيّة كتمهيد لقبول الشعب بالانقلابين؟؟

الدعوة بسقُوط النِظَام تعني أيضاً هدم مُكتسبات الثورة في الحُريات وفك العُزلة الخارجية والعودة للمجتمع الدولي وبدء برنامج إعفاء الديون وترتيبات السلام التي تمت أو الجاري التفاوض حولها وإتمامها..

لا يجب أن ينساق الشعب لدعوات الكيزان والمنغلقة بصائرهم ومحدودي التفكير..

نكتب ونطالب وبوضوح شديد بإصلاح النِظَام وبإعادة ترتيب تحالف الثورة والاتفاق السياسِي للوقوف أمام تحديات الانتقال ومطلوبات الثورة وإنجاحها، وبتوحد جميع الشعب السُوداني أمام قوي الرِدّة والكيزان والفلول وقوي الثورة المُضادة وحُلفاؤهم من العسكريين وقوي السُودان القديم.. التشاور لتدعيم الحكُومة الحالية أو حتى تغييرها وكل طاقمها وسياساتها مقبُول ومشرُوع.. والدعوة لإصلاح النِظَام الحالي مطلُوبة ومقبولة جداً بل وواجبة لإكمال وإنجاح الانتقال بكُل تحدياته وأهدافه.. أما الدعوة لإسقاط النِظَام فمرفُوضة ولا كبيرة لها! ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق