ثقافة وفن

جورجيو كابروني.. الشاعر بوصفه حارساً للألم

يوسف وقاص

لم أكن أفكّر بقراءته في هذه الفترة بالضبط، حيث جائحة كورونا تطغى على كل شيء. نظْرَتُه على الغلاف توحي بالكآبة والألم، وللحظة، توقظ فيك أحاسيس ربما كنتَ تتمنّى لو أنها بقيت هناك، في أعماق نفسك. جورجيو كابروني (وُلد في ليفورنو عام 1912، وتوفي في روما عام 1990) واحدٌ من أهمّ الشعراء الإيطاليين في القرن العشرين، وقد قضى حياته في صراع مرير مع الموت كمصير محتوم، والبحث الدائم عن الخالق، والعجز الساحق أمام العدم.

بعد ثلاثين سنة من رحيله، صدرت حديثاً أكثر من دراسة معمّقة حول أعماله، تركّزت في معظمها على الأسئلة التي عبثاً ما طرحها في حياته، وهو الذي عكستْ أشعاره أجواء الحِداد والموت، وساءلت إمكانيات المعرفة واللغة، المحبِطة دائماً، والبحث المستمر والمؤلم عن الوجود وإدراكه بحدّ ذاته.

“رجلٌ واحد فقط،

حبيسُ غرفته.

مع كلّ أسبابه.

كل أخطائه.

وحيداً في غرفة فارغة،

ليتكلّم. إلى الموتى”.

“الوَضْع” هو عنوان هذه القصيدة التي نُشرت في مجموعة “جدار الأرض”، عام 1975. ومنذ ذلك الوقت، بدأ النقاش في تعميم القصيدة المبنية، كما هو الحال غالباً عند كابروني، على وضع متناقض، ثم إظهارها بشكل واضح من النقطة الثابتة التي تختم الجملة في البيت الأخير. نحن هنا أمام رجل يتحدّث، وحيداً في غرفة فارغة، غير أن التواصل، بالضرورة، يتطلّب شخصية مقابلة للتحاور معها.

في الواقع، الرجل الوحيد لا يتكلّم مع نفسه، ولكن مع الأموات. شخصيات من الذاكرة، شهود ورفاق صامتون تجاهَ تحوّلٍ تاريخي وشخصي فانٍ وهالك، لا يمكن علاجه. ولكنّها أيضاً مواجهة منفّرة مع التغيير المطلق الذي يجبر الإنسان على أن يتعامل مع حالته العرضية والطارئة على وجه التحديد، وكأنه يقول: ها قد بدأتْ عزلتكم، فكيف ستردّون الآن؟

تلك المحادثة الصامتة مع الموتى هي موضوع ثابت وعزيز في شعر كابروني، فقد ولدت قصيدة “بذرة البكاء” (1959) المميّزة من بناء شخصية الأم المتوفاة، أنّينا. وهو الحال أيضاً في “وداع المسافر المتمسّك بالرسميات” (1965)، حيث “يعرضون أنفسهم متباهين في الريح”. وأيضاً في “مثل رمز” (1936)، أوّل مجموعة شعرية تبدأ بإهداء إلى أولغا فرانتسوني، خطيبته التي ماتت بسبب إنتان دموي نزفي.

ترافق فكرة الحداد شعر كابروني منذ البداية. نقرأ في رسالة إلى صديقه بيتوكّي بتاريخ 1 نيسان/ أبريل 1937: “آه لو كان بإمكاني أن أبوح بفزعي العاطفي في يوم من الأيام، ذعري الساكن والمتأمل للفضاء وللفراغ”. ومنذ هذه الرسالة ترتبط فكرة الموت فوراً بقضايا تتجاوزها: الفزع، بالطبع، والرعب، حتماً، ولكن أيضاً محاولة ترشيد هذا الذعر، وملء الفراغات المُراد شغْلُها، ليتمّ تجاوزها، حيث يجد نفسه وحيداً ومحاصراً بداخلها. ولكن ثمة مساحات للتحدّث عن العدم، وعن التفكير الميتافيزيقي في الفراغ، وأخيراً إمكانية القول والتواصل: “آه لو كان بإمكاني أن أبوح”، وهي تعني في ما تعنيه اليوم: آه لو أخرج من شرنقتي هذه وأتناول فنجان قهوة مع الأصدقاء. لكن هل كان يستنبط مُقدَّماً ما آلت إليه أمورنا اليوم؟

تتساءل كلمة كابروني الشعرية باستمرار عن التناقض مع الواقع الذي يبقى دائماً بعيد المنال: “الواقع موجود، بالطبع، ولكن أين؟”. هذا ما يتساءل عنه في نقده لإحدى قصائد الشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو (1875 ــ 1939). وهذا الجهد المستمر للبحث عن الواقع، يتمّ مرّة أخرى في المنطق الشعري المتناقض ذي الانعكاسات المتعدّدة، كما يعبّر عن ذلك في قصيدته المعنونة “العودة”: “عدت إلى حيث لم أكن أبداً/ لا شيء، كما كان/ لم يتغيّر/ على الطاولة/ على المشمّع ذي المربّعات/ في الطابق الأوسط/ وجدت الكأس/ لم يمتلأ أبداً. كلّه/ لا يزال كما هو/ لم أتركه أبداً”.

وسيوضح كابروني لاحقاً، في مقال سينشره عام 1947 بعنوان “مربّع الحقيقة”، أن ما يمكن أن يفعله الشعر لا يكمن في ربط صلة مع الواقع أو تمثيله، بل في توليده، وذلك “بنسج أكثر من كلام منطقي، زئير ذلك الوحش الموهوب والمعقّد للغاية الذي هو الإنسان: شيء أكثر إقناعاً بكثير من أي خطاب”.

إنها فكرة توضح نفسها من عناوين المجموعات الأولى، “حكاية رمزية”، “خيالات”، التي ستتجذّر في الشك وتقليل الكلام، كما في آخر كتاب نُشر عام 1991، بعد وفاته، “ريس أميسّا” (Res Amessa، ويعني، في اللاتينية، “الشيء المفقود”)، حيث نقرأ في قصيدة “اعتراف”: تخلّصوا من/ أي عمل في الشعر أو في النثر أيضاً/ فلم يتمكّن أحد من القول أبداً/ ما هي، في جوهرها، الوردة”.

ومع ذلك، على الرغم من انعدام الثقة في التمثيل الأدبي، فإن شعر كابروني لا يتوقّف أبداً عن البحث أو عن توليد “هدير الوحش” – وليس من قبيل المصادفة أنّه كرس مجموعتين كاملتين حول مفهوم الصيد وشكل الوحش: “حارس الغابة” (1982)، و”كونت كيفينهوُللر” (1986).

إن الوحش الذي نذهب للبحث عنه أو اصطياده في هذه المجموعة الأخيرة، كما يقول كابروني نفسه، هو “الشر بجميع أشكاله”، وهو في الوقت نفسه الكلمة، وربما، وقبل كل شيء، هو الإنسان أيضاً: “إنك تستهدف المرآة/ سوف تطلق النار على نفسك، يا صديقي”. من ناحية أخرى، فإن الشاعر نفسه يؤكّد مرة أخرى، في مقابلة مع جريدة “لا ريبوبليكا”: “نحن وحوشٌ أيضاً. إننا بدأنا نمارس العنف بأشكاله كافة من أجل هذه الإنسانية الغبية والوحشية، بوتيرة الرقص تقريباً”.

بحثٌ واستنطاق للشر، كان يقود كابروني، عبر المعرفة وعبر حدسه الشعري، إلى مساءلة هذا الوحش الموهوب والمعقّد على حدّ سواء في أفعاله، وفي كينونته: “ظهروا جميعاً/ في الشفافية/ الكلّ/ في الروح/ الكلّ/ في جوهر الظلّ الذي لا يمكن الإمساك به/ لكنها حيّة/ حيّة داخل الأموات/ كما أن الأموات أحياء/ في الحياة/ حاولتُ/ عدّهم/ الرقم/ تلاشى في الفراغ/ كما في الريح عددُ/ أوراق الشجر/ آه يا أحبّائي/ آه يا بغضائي/ بكيتُ/ من الحب ومن الغضب/ فكّرت/ بذهني الأعمى/ لقد أغلقت النافذة/ القلب/ الباب/ أقفلته بقفل مزدوج”.

كتب كابروني في مقال عام 1947 إشارةً مهمّة تصف كل شعريته، التي امتدّت باستمرار في محاولة لإيداع كلّ معنى الحسّ الموسيقي في الكلمة، في نغمة الأبيات الشعرية. في مقابلة مع جريدة “لا أونيتا”، روى الشاعر أنه كتب القصيدة الأولى عندما كان يدرس في المعهد الموسيقي: “ثم سقط الموسيقيّ وبقي بداخلي الشاعر، ولكن ليست مصادفةً تلك التي جعلت كل هذا يحدث في جنوة، مدينة التواصل الموسيقي عبر رياحها. كنت أذهب إلى جسر ألبا، حيث توجد على الدرابزينات أسطواناتٌ تبثّ موسيقى حديثة بشكل غير اعتيادي. لقد وُلدتْ قصائدي بالتعايش مع الريح”.

في جنوة، بالإضافة إلى الريح والموسيقى (مكوّنان سيشكّلان بعد ذلك الإطار المركّب لقصيدة “ابتهال”، قصيدة حب كابروني الرائعة لمدينته)، ثمّة لقاء آخر أثّر بشكل حاسم في تطور العمل الشعري لدى كابروني، وهو ذاك الذي حدث مع تمثال البطل اليوناني الأسطوري إينياس، في ساحة باندييرا.

إلى هذا التمثال بالتحديد، يكرّس كابروني سلسلةً من المقالات، بدءاً من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، مع مداخلات في جريدة “إيطاليا الإشتراكية”، التي تحدّد اهتماماً عميقاً بشخصية إينياس التي ستُعاد صياغتها بأشكال وزخارف مختلفة، بالإضافة إلى منحه عنوان أوّل مجموعاته المهمّة، في عام 1956، “عبور إينياس”. يوفّر إينياس لكابروني الوسائل التي يمكن من خلالها اشتغال وتحديد موضوع الرحلة بشكل أفضل، وهي رحلة صريحة نحو الموت، وتصبح الكتابة رواية أكثر استرخاءً، وتبدأ في الدوران حول الشخصيات.

وفي الواقع، ليس إينياس، بالتأكيد، الشخصية الوحيدة في كتابة قصائد كابروني: هناك الأم أنّينا، و”القس الصغير” الذي يصلّي ليس لأن الله موجود، ولكن “لكي يكون موجوداً”. كلّ شخصية تتكلّم بنبرة معيّنة، وكلّ واحدة منها محدّدة ومشارٌ إليها ضمناً.

يكتب في “أماكن حياتي وأخبار شعري” (1981): “طموحي ــ أو مهنتي ــ كان دائماً أن أنجح، من خلال الشعر، في اكتشاف، أو البحث عن حقيقة الآخرين، عن حقيقتي، عن حقيقة الجميع. حقيقةٌ يمكن أن تنطبق ليس عليّ فقط، ولكن أيضاً على كل الآخرين… الشاعر عاملُ منجم، حتماً. الشاعر هو الذي ينجح في الانحدار بعمق أكثر إلى ما أطلق عليها ماتشادو العظيم تسمية ‘أنفاق الروح السحرية’… في تلك المنطقة العميقة من النفس، تنتقل الأنا، فوراً، من الفردية إلى التعددية”.

(٭ نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق