ثقافة وفن

هاروكي موراكامي … بضمير المتكلّم المفرد

عمر أبو سمرة

«ضمير المتكلّم المفرد» First Person Singular عنوان مجموعة قصصية جديدة للكاتب الياباني هاروكي موراكامي (1949)، صدرت ترجمتها الإنكليزية حديثاً بتوقيع فيليب غابرييل في طبعة مشتركة بين دارَي «بنغوين راندوم هاوس» البريطانية و»كنوبف» (Knopf) الأميركية، متضمّنةً ثماني قصص، بعضُها سبق نشرهُ إلكترونياً؛ مثل قصّة «رغوة» التي كانت قد نشرت في مجلة «نيويوركر» قبل عامَين تقريباً.

تتميَّز المجموعة بالسلاسة؛ فمن المعروف أنَّ قراءة موراكامي ليست صعبةً على الاطلاق، بل بالعكس تماماً، فما يُميّز كتاباته هي سهولتها وسلاستها، دون أن يعني ذلك سطحيتها أو عدم جدّيتها.

في مجموعته الجديدة بقصصها الثماني (رغوة، على وسادة حجرية، تشارلي باركر يعزف بوسا نوفا، مع البيتلز، اعترافات قرد من شيناغاوا، كرنفال، ياكولت يبتلع مجموعة شعرية، الشخص المفرد الأول)، يأخذ موراكامي قرّاءه في رحلة تملؤها الغرابة والتشويق ولا تخلو من البيتلز والموسيقى.

ليست القصص الثماني متّصلةً، غير أنَّ ما يجمع بينهما هو رقعة لعبة بينجو الخاصة بموراكامي؛ حيث القرود تتكلّم، والموسيقى الكلاسيكية تُعزف، ومقطوعات الأوبرا تجول السطور، وحيث النساء غريبات الأطوار. نلاحظ حنيناً مجدَّداً إلى فرقة البيتلز، فبعد رائعته «الغابة النرويجية»، يعود موراكامي بنا إليهم مرّةً أُخرى في «صوت المتكلّم المفرَد».

أدب موراكامي هو أدب الأشياء المألوفة جدّاً، لكن بطريقة لا تمتُّ للمألوف بصلة؛ إذ لديه القدرة على تحويل الأشياء العادية إلى أشياء متحرّكة ومتنقّلة لها وعي خاص لا يشبه إلّا نفسه، وهو يكتب باستمرار عن هؤلاء المهمَّشين، والمنسيّين، وعديمي الأهمية في نظر المجتمع، عن المنعزلين الذين يفضّلون الوحدة، عن هؤلاء الذين يحبّون التجوّل وخوض مغامرات غريبة ولا معقولة، الذين يريدون الهرب من المنازل، عن محبّي السباغيتي ومحبّي القهوة والكتب والموسيقى الكلاسيكية.

إنه عالَم سحري ينتقل فيه موراكامي بين الواقع والخيال في سرد خارق للمنطق، لكنه ممزوج بسحر يجمعُ بين تفاصيل الحياة اليومية العادية، والتي تكون رتيبةً في أغلب الأحيان، وبين خيال يفرض ذاته ولا ينضب.

يسمح موراكامي لشخصياته بالحُلم والبوح والتألُّق كما يحلو لها دون أية قيود، كما يركّز على ثيمات محدَّدة عند بناء الشخصية. وفي هذه المجموعة القصصية، نلاحظ مجدَّداً أنّ الشخصيات مفعمة بالوحدة، ونرى الفقدان والموت، كما في كلّ أعماله، يشكّلان ثنائية غريبة عند شخصياته.

لكن تبقى وصمة العار في جبين أدب موراكامي قبولهُ ما يسمى «جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع» (تخيلوا وقاحة التسمية) التي يمنحها الكيان الصهيوني في القدس المحتلة عام 2009. فعلاً «الحلو ما يكملش» كما يقول المثل المصري.

* كاتب من فلسطين

(٭عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق