ثقافة وفن

بشرى الفاضل كاتب نكتة وليس كاتب قصة

عثمان الحوري

تخلَّى الكاتب المصري اللامع محمود السعدني عن الشكل الادبي التقليدي، بل تخلى عن اللغة العربية الفصحى وحتى العامية المصرية الوقورة، وصنع لنفسه شلالا لغويا هادرا من مؤلفاته من نوع ـ الافريكي، والموكوس في بلاد الفلوس ـ ومذكرات الولد الشقي وكتابه ـ الافريكي ـ فيه زيارة الى السودان ـ الخرطوم وام درمان وفيه حكى ان بعض اخواننا اهل السودان يشربون (مية النار..)… وماء النار حامض الكبريتيك، الذي يُستعمل في بطاريات العربات.. ومحمود السعدني يقصد (العرقي).. او عرقي التمر.

وعندما تم انتاج فيلم سينمائى مشترك بين مصر واليابان، وشاهده محمود السعدني، كتب مقاله الشهير في مجلة صباح الخير بعنوان.. (وإذا بُليتمُ فاشتركوا..).

والأديب القاص بشرى الفاضل في مجموعته القصصية (حكاية البنت.. الخ..) يتشبث بالشكل الادبي التقليدي للقصة القصيرة، ويحافظ على اللغة العربية الفصحى، ولكن في اعماقه يجلجل بركن خفي من السخرية، وهذه ازمة حقيقية يعيشها بشرى الفاضل. وقد تكون الحياة في السعودية والاقتران بلود ميلا قد اعطياه حقنة مورفين قوية، هدأت اعصابه وبردت غليان دماغه، واراحته من متاعب العيش في السودان.. والحمد لله…!

وفي المقدمة التي كتبها الراحل علي المك لمجموعة (حكاية البنت…) نحس بأن علي المك نفسه كان يعاني من الملل من كل اشكال القصة التي تقابله في الصحف والمجلات والمجموعات العربية. وعلي المك يجد تفريجا في قصة ـ الغازات ـ. وهي مضمنة في مجموعة الاديب القاص بشرى الفاضل.. (حكاية البنت..).

وقصة ـ الغازات ـ هي اصدق دليل على ان بشرى الفاضل يريد ان يتحرر من كل اشكال التعبير الادبية ليطلق من ذاته شلال السخرية المرير، النابع من زحام الحياة في الشارع السوداني، وعلى مستوى العاصمة المثلثة.

وهذه القصة على سذاجة فكرتها تملأ الراحل علي المك بالتفاؤل إن بشرى الفاضل يشق في الصخر طريقا، ويرجع تاريخ هذه القصة الى ايام ازمة المواصلات في العاصمة المثلثة في السبعينات من القرن الماضي، كان بعض سكان العاصمة يغادرون اماكن عملهم عند الثانية بعد الظهر.. ولكنهم يصلون الى بيوتهم واماكن سكنهم مع غروب الشمس

والفكرة التي اراد بشرى الفاضل ان يصورها باسلوبه الساخر ان الركاب في أحد الباصات المزدحمة يتحولون بفعل الحر والزحام الى غازات ودخان يتطاير في سماء العاصمة المثلثة، انها نكتة.. وكان يمكن ان تكون قصة باسلوب ادجار ألن بو او كافكا.. ولكنها لم تتخط طور النكتة.. ولكنها توحي بأن بشرى الفاضل له قدرة على الرسم الكاريكاتيري للمواطن السوداني.. ساكن العاصمة وبما أن الوف الناس في السودان قد استمعوا الى المونولوجست محمد موسى على اشرطة مسجلة فلابد انهم فكروا: هذا ما كان يبحث عنه بشرى الفاضل معه الراحل علي المك، ولقد وجده المونولوجست محمد موسى.

محمد موسى غير مقيد بالكتابة على الورقة او تقاليد الصناعات الادبية انه يجلس امام جهاز التسجيل ويطلق العنان لطاقته المممتازة في رسم عشرات الكاريكاتيرات الصوتية للحياة في السودان، محمد موسى مسرح متحرك بالصوت وحتى باللون والرائحة. انه ممثل قدير، وهو قد كسب اعجاب الفيلسوف الذي يدرس منطق ارسطو في الجامعة، وحبوبة بت نايل التي تعيش في (كاب الجداد)..

ان الكاتب القصصي بشرى الفاضل يملك قبسا من الطاقة التي تهرج وتهرج في عقل المونولوجست محمد موسى. ولكن بشرى الفاضل يقيد نفسه بالشكل الادبي للقصة القصيرة.

وفضيلي جماع يطلق العنان لأهوائه واحكامه النقدية ويقول في مقدمة اخرى لمجموعة بشرى الفاضل ان المؤلف تأثر بقدرات شيكوف على السخرية من جنس البشر، ويضيف فضيلي جماع ان سخرية بشرى الفاضل قد تصل الى حد الاسفاف، ولكن بشرى الفاضل يجد القبول بالذات عندما يكون ساخرا، والسخرية فن ذو حدين، فهي للبناء وهي للهدم، ونحن لا نجد في قصص بشرى الفاضل اي ملامح من قصص د. شيكوف الروسي، الا إذا كان فضيلي جماع يقصد ان لشيكوف الروسي قصة بطلتها الكلبة (كاشكا).. ولبشرى الفاضل قصة اخرى بطلتها الكلبة السودانية (هاهينا).. تشيكوف يروي قصة حقيقية بطلتها كلبة، وهو يتبع بالكاميرا الادبية قصة الكلبة كاشكا في مواقف ساخرة، والبشر عندما يراهم القارئ بعيني كلبه فهم مخلوقات جديرة بالرثاء، خصوصا تحت حكم قياصرة آل رومانوف في ربع قرنهم الاخير، ولشيكوف قصة اخرى عن قطة ومشكلة هذه القطة انها ليست من نسل القطط صائدة الفئران ولهذا السبب فصاحبها ناقم عليها..ويود الخلاص منها، ونحن نشاهد المنزل والشارع الروسي بعيني القطة فنجد وصفا لصحاري بلاد العرب، وان القارئ ليحس بالأسى والالم عندما يعلم ان كلبة شيكوف ـ كاشكا ـ هربت من سيدها النجار الفقير لانها سئمت رائحة الغراء ونشارة الخشب التي تملأ خياشيمها طول اليوم، شيكوف استفاد من ملاحظته لسلوك الكلاب والقطط، وقد يكون قرأ ما كتبه علماء الحيوان عن هذه المخلوقات المسالمة والاليفة.

اما بشرى الفاضل فقصته (هاهينا) هي عبارة عن سلسلة من النكات والقفشات الجميلة عن الكلاب في مدينة الخرطوم، فالعمارات لها صنف خاص من الكلاب وكلاب العمارات وحي المطار تستمد صفاتها ونوعية سلوكها من الوضع الطبقي للبشر القاطنين في العمارات.

ويبدو ان الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف لها رأي تقول فيه ان الدراسات الاجتماعية عن البشر ليس مصدرها الوحيد التاريخ والاحصاءات المالية والسكنية.

فلكي نفهم الانسان الاوروبي فلابد من فهم الحيوانات الاليفة التي تعايشه في المنزل مثل الكلاب والقطط ولفرجينيا وولف رواية قصيرة عبقرية بعنوان (FLUSH).. وبطل الرواية كلب بهذا الاسم.. فلش.. ونحن نفهم عن المجتمع البريطاني من خلال قصة الكلب ـ فلش ـ اكثر مما نفهمه من دراسات جمعية (Fabian) الاشتراكية ويستطيع بيرنارد شو ان يتبجح ان مسز فرجينيا وولف ما كانت لتفهم المجتمع البريطاني بين الحربين لولا زمجرات شو على المسرح واحاديثه وخطبه في ندوات (Fabian society)… الاشتراكية.

اما الكاتب الامريكي جاك لندن فله رواية بعنوان (White fang)… اى الناب الابيض، وهي تدور حول مخلوق مخلط.. فأُمه ذئبة وابوه كلب.. ونشاهد هذا المخلوق في مغارة مظلمة تحت الارض.. جرو ذكر ومعه اخوته ـ جراء، ولكن الاخوة يموتون جميعا ويبقى (white fang) وحده.. محتكرا البان امه فيشب قويا ويخرج من المغارة قبل الاوان ويتخبط وسط الغابة الصنوبرية.. فيغرق في مجرى مائى فتنقذه امه، رحلة طويلة من الطفولة والصبا والشباب.. في غابات السواحل الغربية لامريكا الشمالية. لا يقدم جاك لندن دراسة علمية وافية عن التهجين بين الذئاب والكلاب فهي كلها من اسرة حيوانية واحدة تحمل الاسم اللاتيني (canine) ويصطاد قبيل من الهنود الحمر الكنديين الذئبة وابنها ـ الناب الابيض. وفي الاسر تكون الأُم مربوطة وابنها الصغير طليق، ولقد تعلم ـ الناب الابيض ـ ان يقود اعداءه من الكلاب الكبار الى مربط امه فتنتقم من الواحد منهم انتقام الجبابرة لأنهم يعاكسون ابنها الصغير ويقسون عليه، ويحين الفراق المؤلم بين الام وصغيرها الفتى. فلقد باعه الهنود الحمر المترحلون الى صياد في ألاسكا في الشمال بلد الثلوج الدائمة والمناجم والاضواء الشمالية العجيبة والتي لا تنبعث من شمس ولا قمر ولا نجم، ويخوض ـ الذئب الصغير ـ معاركاً ضارية تحت اشراف سيده ضد كلاب الصيد. وينتصر في معظمها. ولكنه يوشك على الموت بين فكي كلب قوي لولا تدخل الصياد لإنقاذه. ويتدخل القدر لصالح. الناب الابيض ـ فيبيعه مالكه الى رجل ثري من كاليفورنيا جاء الي ألاسكا سائحا. ويهاجر ـ الناب الابيض ـ الى الجنوب الى كاليفورنيا ـ بلد بساتين البرتقال والعنب.. حيث الشمس الساطعة دوما.. وحيث لا يرى ـ الناب الابيض ـ الثلوج الا على القمم البعيدة.. قمم جبال سيرا نيفادا.. وهو مسترخ في فيلا في ضواحي لوس انجلوس ان ـ الناب الابيض ـ يقضي شيخوخة هنيئة في فيلا في كاليفورنيا بعد الترحال والتجوال والمعارك الدامية في بلاد الثلوج، في كندا والاسكا… فيا لتصاريف الاقدار

ونعود الى قصص بشرى الفاضل في مجموعته ـ حكاية البنت التي طارت عصافيرها.. والحديث عن بشرى الفاضل جر وراءه استطرادات وذكريات من الادب العالمي والعربي: السعدني، شيكوف، فيرجينيا وولف، جاك لندن.. وهلم جرا.

وحملة عبد القيوم الانتقامية ـ هي على ما اظن ما ارادها الكاتب المؤلف ان تكون درة العقد. وهي تتلخص في ان عبد القيوم جاء من القرية في الشمال الى العاصمة باحثا عن ـ الشغل ـ… و.. التراب ملينا عيشتو… كما يقول المرحوم اسماعين حسن.. ويصير عبد القيوم من جمهور الخرطوم الغبش. والى هنا ونحن نعيش مع الكاتب رسوبه في عصر عثمان علي نور والزبير على وخوجلي شكرا الله. والقلم ما بيزيل بلم. ولكن عبد القيوم دهسته عربة في أحد شوارع خرطوم منصور. مات وفي ذلك الزمان القانون ما كان فيهو دية.. ولا شريعة.. ولا يحزنون والمرحوم غلطان.

وجاء سائق بلدوزر مارا بالمقابر فدهس بمركبته الثقيلة قبر عبد القيوم فنهض الهيكل العظمي لعبد القيوم وامتطى البلدوزر وقاده في الشوارع وراح يدهس الناس يمينا وشمالا. وينتهي الامر بالبلدوزر في سائقه الهيكل العظمي الى اعماق النيل المبارك وكفي الله المؤمنين القتال وهي كما ترون نكتة، نكتة ظريفة. والنكتة تروى على انها نكتة.. والقصة تكتب على انها قصة وفي مقال قادم سنحاول التفريق بين النكتة والقصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق