آراء

غوايات

تأملات في هوية النص

عماد البليك

ما هو النص؟ فالكثير ممن يمارسون عملية الكتابة، لا يتوقفون عند هذا السؤال ما يجعل المنتج «الكتابي/ الإبداعي» خارج سياق النص في المفهوم المفكر فيه أو اللامفكر فيه، أي خارج النص وفق دلالته التي تجعله اعتباريا وأكيداً وفاعلاً.

إن الإجابة على هذا السؤال تحرر الكاتب من ثقل الغثاء ومن أمور يقع فيها وتشكل عثرات أمامه دون ان ينتبه، باعتقاده مثلا أن النص هو اللغة او التركيب البلاغي أو الجمل المتراكبة بعضها تلو بعض وغيرها. من المسائل المتعلقة بالهيئة الشكلية.

أو قد ينزح إلى التخييل فيعتقد أن النص هو فضاء ذهني وتخييلي، بمعنى أن عليه أن يصب معين خياله ويفرغه معتمداً على عملية تفكيك لاواعية لأسرار ومختزنات تجربته الإنسانية ومخزونه القرائي وأفكاره وما يسمعه ويتفاعل به مع الناس والعالم بشكل عام.

كذلك قد يتوقف مع النص على أنه نقل حرفي للواقع، أو قصة وحكاية ما نعيشه ونخزنه في الذاكرة ثم نصبه من جديد في مساحة الورق أو الشاشة.

قطعا لكل هذا علاقة بالمفهوم الواسع للنص، لكنه لا يقدم الصورة الأشمل لماهيته أو تعريفه الذي يعزز فهم الكتابة عند الكاتب، فهذه الاحتمالات هي اشتغال على تعريف لحواف النص وليس النص نفسه.

فالنص مسألة معقدة ومركبة تبدأ من الذات المبدعة/ الكاتبة نفسها، قبل أي شيء آخر دون أن تنتهي في المساحة التي يسجل عليها المسطور، وحيث أن ذلك المسطور – وحده – لا يعني النص، إذ أنه لابد من الترابطات التي تسبق وتعقب ذلك السطر.

إذاً فالنص هو فضاء الحراك الذي تصنعه التجربة الذاتية في تجليها باتجاه العالم والكينونة ومن ثم تبلور ذلك في شكل حيز محدد يعبر عنه باللغة والخيال والانتباه ومن ثم يخرج ذلك بعدها في فضاء اللاوعي بحيث يصبح مِلكاً لذات أخرى تحاول عبر القراءة وفعلها أن تعيد إنتاج المعنى، الذي لن يكون هو – حتما- فدائما تظل هناك مساحة بين ما أراده الكاتب أو ما عبر عنه وما تفرخ من معان في ذهن المستقبل للنص.

كما يجب التذكير كذلك بأن الكاتب مهما بلغ به الوعي والتركيز والعمق لن يعبر عن قدرة فائقة ونهائية/مطلقة في نقل مكنونه الداخلي/ الذاتي، تجربته، لأنه يقع أمام سلطة اللغة وتشظي الذاكرة وتداعي العقل وسيطرة الوعي على اللاوعي والعكس كذلك، بحيث أننا أمام مسألة متشعبة ومعقدة.

فعلى سبيل المثال فإن مفردة واحدة تكتب في النص في بداية جملة، مثل كلمة شجرة، سوف تحيل إلى فضاءات لامتناهية من المعاني والظلال والتقاطعات التي هي جملة أو محصلة لتجارب الكاتب نفسه، فهناك شجرة في الطفولة بل عشرات الأشجار ومئات وأشجار في كتب تمت مطالعتها وأشجار في الأشعار وأخرى مصورة في الأفلام التي شوهدت وأخرى في المدن وفي البلدان التي سافرها بحيث تصبح الشجرة ذات دلالة لامحدودية لها.

ويتوالى ذلك ليكتسب بعدا متواليا هندسيا عند القارئ / المستقبل، وبقدر ما يكون التأطير بكلمة، فإن المعنى مع كلمة أخرى إلى جملة كاملة، ينفتح بمتوالية جديدة في إنتاج المعنى وحركته الجدلية باتجاه التأويل اللامحدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق