سياسة

التدبير المفوض بالمغرب

السياق التاريخي ... الإطار التشريعي وأسباب التنزيل

عبد العالي الطاهري

لطالما كان قطاع التدبير المفوض واحداً من أكبر القطاعات التي شَكَّلت  داخل المغرب، وعلى مدار سنوات عديدة، مجالاً للشدِّ والجذب بين مختلف الفاعلين في معترك تدبير الشأن العام، أكان على المستوى المركزي (وزارة الداخلية) أو محليًا وجهويًا (الجماعات الترابية ومجالس الجهات) من جهة ومهنيي القطاع مُتمثلين في الشركات العاملة في القطاع من جهة ثانية، والذي تجسَّد بالخصوص في تدبير قطاعات مفصلية ووازنة بل وجد حساسة و ترتبط بالمعيش اليومي للمواطن المغربي، وعلى رأسها قطاعات النظافة وتدبير النفايات وكذا الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل .

في هذا الملف الصحفي، الذي سنطرحه في جزءين، سوف نبسط، دراسةً وتحليلاً، وبمشاركة أهم المتدخلين في قطاع «التدبير المفوض بالمغرب»، السياق التاريخي والتشريعي الذي جاء فيه التبني والتنزيل الإجرائي لهذه الآلية التدبيرية (التدبير المفوض)، وكذا الإكراهات التي صاحبتها ولا تزال واقعاً قائماً، علاوةً على بسط الحصيلة المنجزة في هذا الإطار، وهل حَقَّقَ «التدبير المفوض» بالمغرب الأهداف المتوخاة منه؟ وهل ساهم حقيقة في تنزيل ولو جزء من برنامج التنمية المستدامة في بُعديها الشمولي والوطني؟ وما هي أهم الإكراهات والمعيقات التي تَحُول دون قيام أطراف هذا الإطار التعاقدي (القطاع العام ـ القطاع الخاص) بواجباتها والتزاماتها تجاه الطرف الآخر ارتباطًا بالمضمون التعاقدي، وبدرجة أكبر وأهم تجاه الوطن والمواطن؟

«التدبير المفوض» بالمغرب.. السياق التاريخي وأسباب النزول

تبقى تجربة «التدبير المفوض» بالمغرب ليست وليدة العقدين الأخيرين، بل لقد شُرع في اعتماد هذا النوع من التدبير مع بداية فترة الحماية وبالضبط سنة 1914، عندما أُسندت خدمة إنتاج وتوزيع الماء الصالح للشرب لشركة SMD، والتي كان المغاربة يطلقون عليها «لاسامدي».

غير أنه، وبعد استقلال المملكة، أعادت الدولة النظر في هذا النوع من التدبير، وذلك من خلال خلق وكالات جماعية لتوزيع الماء للشرب والكهرباء والسهر على قطاع النقل الحضري. ولازالت أغلبية هذه الوكالات حاضرة في أغلب المدن المغربية، في مجالات الشبكات العمومية (الماء الصالح للشرب، الكهرباء والتطهير السائل)، إذا ما استثنينا مدن الدارالبيضاء والرباط وطنجة وتطوان حيث تتولى شركات خاصة تدبير هذه الخدمات. و مع منتصف عقد التسعينيات، شرعت وزارة الداخلية في دراسة إمكانية إسناد التدبير المفرض لقطاع النفايات للشركات الخاصة، وكانت أول تجربة بمدينة الدارالبيضاء وذلك سنة 1997، وبالضبط بعمالة الحي الحسني، لتشمل في مراحل موالية باقي العمالات المكونة لولاية الدارالبياضاء الكبرى، فكانت بداية تعميم مفهوم وآلية التدبير المفوض، خاصة في قطاع النظافة وتدبير النفايات على أغلب المراكز الحضرية بالمغرب.

وابتداء من سنة 2003، عرف المغرب أول صفقة للتدبير المفوض حُددت زمنيًا في 30 سنة، شملت إحداث وتدبير المطرح المراقب لمدينة فاس، بما في ذلك طمر النفايات وتثمين البيوغاز المتولد عنها لإنتاج الكهرباء.

وكما هو الشأن بالنسبة لعمليات جمع النفايات، اعتمدت أغلبية المدن المغربية، خاصة الكبرى منها والمراكز الحضرية المجاورة لها، فقد تبنَّت هذ النوع من التدبير فيما يخص تدبير ومعالجة النفايات بجميع أنواعها، بما يتماشى والمقتضيات القانونية المنظمة لهذا القطاع و للمنظومة البيئية بشكل عام.

وبخصوص الجانب القانوني لآلية «التدبير المفوض»، فقد اعتُمدت العديد من التشريعات، وعلى رأسها القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والقانون  رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض الصادران سنة 2006. لكنه وبعد مرور حوالي 15 سنة منذ الشروع في تنزيل هذه المقتضيات، صار ضروريا إعادة النظر في هذه النصوص، التي تبيَّن أنه يعتريها قصور واضح على مستوى الإشكاليات المطروحة عند الاحتكام إلى مضامين بنودها الفضفاضة وغير الدقيقة.

و فيما يخص الجانب المالي، فقد تبيَّن أن الكلفة التدبيرية لقطاع النظافة والنفايات قد فاقت وبكثير الكلفة التمويلية للعديد من الجماعات الترابية، الشيء الذي ترتب عنه تعثر جملة من المشاريع والاستثمارات الُمتعاقَد بشأنها، بل وأفضى بالكثير من الشركات الساهرة على التدبير المفوض إلى الدخول في دوامة الغرامات، وهو الأمر الذي زاد من تأزيم العلاقة التعاقدية بين المجالس الجماعية كممثلين منتخبين للشعب من جهة والشركات و المهنيين العاملين في القطاع من جهة ثانية، وهي العلاقة التي من المفترض أن يكون أساسها المرجعي وعنوانها الأكبر « شراكة مؤسساتية صلبة من أجل خدمة الصالح العام ».

وبالنظر إلى ماآلت إليه بعض المشاريع المنجزة في إطار التدبير المفوض، فإننا نجد أن الإدارة المركزية ممثَّلة في وزارة الداخلية، قد زرعت البذور الأولى ووضعت اللَّبِنات الأساسية لهذا النظام التدبيري، تشجيعاً للتوجه القائم على الاستعانة بخدمات وخبرة القطاع الخاص في إنجاز وتدبير مشاريع تحمل صبغة « القطاع العمومي »، خاصة منها تلك المرتبطة جوهرياً بخدمات من صميم اختصاص الجماعات الترابية، لكن وزارة الداخلية صارت تتبنى في أغلب الأحيان مبدأ الحياد لتترك سفينة التدبير المفوض في مهب رياح تردِّي و سوء العلاقة التعاقدية بين الشركات الفاعلة في القطاع من جهة و المجالس الجماعية من جهة ثانية، وصار التدخل الوحيد في هذا السياق، على مستوى الجهات العمومية صاحبة الصلاحيات الدستورية، مُمثَّلاً فقط في المجالس الجهوية التابعة للمجلس الأعلى للحسابات، التي تقوم فقط بضبط المخالفات والاختلالات المؤدية إلى هدر المال العام وكذا في حالة عدم احترام المقتضيات القانونية التي تتضمنها الآليات والاتفاقيات التعاقدية بيم المُفوِّض والمفوَّض له.

أما فيما يخص النقطة المتعلقة بالتأخر في أداء المستحقات و المتأخرات المترتبة على ذمة الجماعات الترابية (المُفوِّض) لفائدة الشركات الخاصة (المُفوَّض إليه)، خاصة العاملة منها في قطاع النظافة وتدبير النفايات والتثمين الطاقي، فلا تجد هذه الأخيرة (الشركات الخاصة) بُدّاً من الانتظار والخضوع في أحيان كثيرة لمنطق التسويف وتأجيل المُؤجَّل، مما يؤثر سلباً على قُدراتها التمويلية ويزيد من حجم الضغوطات التي تعيشها يومياً ارتباطاً بتدبير قطاع مفصلي في حياة المواطن و جد حساس.

التدبير المفوض بالمغرب … الإطار التشريعي والتنظيمي

لقد أناط المشرع المغربي بالجماعات الترابية مهام تقديم خدمات القرب للمواطنين في العديد من القطاعات الحيوية والتي ترتبط بالمعيش اليومي للمواطن المغربي، وهو ما جاء في المادة 83 من القانون التنظيمي رقم 113 – 14 فيما يخص خدمات تنظيف الطرقات والساحات العمومية وجمع النفايات المنزلية والنفايات المشابهة لها ونقلها للمطارح ومعالجتها وتثمينها.

و بالرجوع إلى المقتضيات المؤطرة لتدخلات الجماعات الترابية و خاصة المادة 92 من القانون التنظيمي رقم 14 – 113 المتعلق بالجماعات، يلاحظ أنه ثمة صلاحيات خولت للمجالس الجماعية القيام بالأعمال الكفيلة بتدبير مرفق النظافة و جمع النفايات المنزلية والنفايات المشابهة لها، و ذلك بواسطة التداول في طرق التدبير المفوض لهذا المرفق.

إن مستجد تدبير مرفق النظافة و جمع النفايات المنزلية و النفايات المشابهة لها عن طريق التدبير المفوض المتاح بموجب الظهير الشريف رقم 1.06.15 الصادر في 15 محرم 1427 الموافق ل فبراير 2006 بتنفيذ القانون رقم 54.05، المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العمومية، مكن من إبراز الفرق الواضح في وضعية نظافة المدن قبل دخول التدبير المفوض حيز التنفيذ و بعده، حيث استعادت بعض المدن رونقها و جماليتها.

و بالرغم من المجهودات التي تقوم بها الجماعات الترابية في تدبير هذا المرفق، إلا أن هذا التدبير لا زال يعرف نواقص، إذ يجب احترام عدة مراحل يمر منها التدبير المفوض لقطاع النظافة و جمع النفايات المنزلية و النفايات المشابهة لها، و هي :

المرحلة التحضيرية لعقد التدبير المفوض و مسطرة إبرامه

قبل إبرام عقد التدبير المفوض يجب مراعاة ما يلي:

– وضع تصور متكامل يأخذ بعين الاعتبار أيضا تدبير المطارح العمومية للنفايات و توفير مراقبة لها تستجيب للشروط البيئية المطلوبة، و القيام بدراسة التأثير على البيئة طبقا للقانون رقم 12.03 المتعلق بدراسة التأثير على البيئة، و هو ما جاء بملحق المشاريع الخاضعة لدراسة التأثير على البيئة « المنشآت المخصصة للتخزين و التخلص من النفايات مهما كان نوعها أو طريقة التخلص منها ».

– إعداد الأشغال التحضيرية لعقد التدبير المفوض لمرفق النفايات، إذ يجب على الجماعات الترابية القيام بإنجاز دراسة تحدد جدوى اللجوء إلى نمط التدبير المفوض و الجوانب المتعلقة به، وكذا الأرباح و الخسائر والمخاطر المتوقعة ابتداء من مرحلة إبرام العقد إلى نهاية سريانه، و هي دراسات قبلية تضمن التخطيط الجيد للتدبير المفوض.

– القيام بإعداد المخططات المتعلقة بتدبير النفايات المنزلية و النفايات المشابهة لها ،كما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 16 من الظهير الشريف رقم 1.06.153 الصادر في 30 من شوال 1427 الموافق ل 22 نوفمبر 2006 بتنفيذ القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات و التخلص منها. و هو الشأن الذي يمكن أن يعيق تطبيق بعض المقتضيات المهمة التي ينص عليها القانون رقم 28.00 السالف الذكر لا سيما في المادة 21 و التي تلزم كل حائز للنفايات المنزلية و النفايات المشابهة لها بالامتثال للنظام المتعلق بالجمع الأولي المبين في المخطط الجماعي، وكذا في المادة 24 التي تفرض على منتجي النفايات الهامدة و النفايات النهائية و النفايات الفلاحية و النفايات الصناعية غير الخطرة أو الأشخاص المرخص لهم بتدبير هذه النفايات إيداعها في أماكن و منشآت التخلص منها المعدة لهذا الغرض طبقا للمخطط المديري الجهوي، و بالموازاة مراعاة المخطط المديري للعمالة أو الإقليم لتدبير النفايات المنزلية و النفايات المماثلة لها التي نصت عليه المادة 12 من القانون رقم 28.00.

– تضمين دفتر التحملات أهم المقتضيات الأساسية لفعاليات التدبير المفوض ،و منها:

ـ التأطير و تكوين اليد العاملة وتنظيم العاملين في الأنشطة المتصلة بالفرز و إعادة التدوير. 

ـ التحديد الدقيق لعدد الأعوان الذين يقومون بمهام الكنس و جمع النفايات .

ـ البنود المتعلقة بإمكانية تحصيل إتاوة عن تدبير النفايات الهامدة و النفايات الفلاحية و النفايات النهائية و كذا النفايات الصناعية طبقا لأحكام المادة الخامسة والعشرون من القانون رقم 28.00.

ـ تطابق اتفاقية التدبير المفوض و دفتر التحملات من حيث المحتوى غير كافي، إذ يجب أن تكونا هاتان الوثيقتان متكاملتان من حيث تحديد وتيرة جمع النفايات و الموارد المالية والبشرية اللازمة لذلك .

ـ ضبط الجماعة لحاجيات المرفق التي تعتزم تفويض تدبيره بشأن المعدات من حيث الكمية و مبلغ الاستثمار.

ـ ضبط الشروط المتعلقة بمراجعة الأثمان و تحديدها باتفاقية التدبير المفوض.

و لضمان التمويل الكامل للتدبير المفوض، يتوجب على الجماعات الترابية العمل على توفير موارد ذاتية حتى لا تضطر إلى تقديم طلبات مساعدات مالية لوزارة  الداخلية.

مرحلة تنفيذ عقد التدبير المفوض

هذه المرحلة تختلف من جماعة إلى جماعة أخرى، غير أنه يتم التنصيص في ذلك على ضرورة احترام مضامين اتفاقيات التدبير المفوض أثناء التنفيذ مع الاعتماد على الحكامة ومراقبة التنفيذ.

مرحلة الحكامة ومراقبة التنفيذ

في هذه المرحلة يتعين القيام بما يلي:

ـ يجب أن تكون الشركة المفوَّض لها خاضعة للقانون المغربي طبقا لأحكام المادة 25 من القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة.

– إحداث مصلحة للمراقبة بموجب قرار لرئيس المجلس الجماعي، مع توفير نظام داخلي لها طبقا لأحكام المادة 18 من القانون رقم 54.05 السالف الذكر، وإمدادها بالموارد البشرية الملائمة والمؤهلة والمتخصصة في مجال تدبير مرفق النظافة و جمع النفايات المنزلية و المشابهة لها وسيارات لخدمة خلية التتبع.

– القيام بعمليات التدقيق و المراقبة الخارجية تهم تنفيذ العقد و تتبعه طبقا للمادة 17 من القانون 54.05 السالف الذكر.

ـ توثيق عمليات المراقبة، إذ يجب صياغة الملاحظات و المسجلة من طرف لجنة التتبع دائما في تقارير مكتوبة و تبليغ المخالفات إلى المفوض له في آجالها المعقولة لإصلاح الاختلالات الحاصلة، وليس ممارسة مناورة السعي إلى توريط المفوَّض له ووضعه أمام أمر واقع عنوانه العريض : الغرامات.

ـ إلزامية وضع نظام لمراقبة داخلية من طرف المفوض إليه طبقا لمقتضيات المادة الثلاثون من القانون المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة.

التدبير المفوض بالمغرب: التنزيل الإجرائي …

الإكراهات والعراقيل

بعد أن تبنَّت الدولة سياسة الخوصصة والتي شملت العديد من القطاعات الحيوية، و من بينها قطاع النظافة وتدبير النفايات وتثمينها، وبعد صدور قانون التدبير المفوض تفعيلا للظهير الشريف الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006 بتنفيذ القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للقطاعات العمومية (انظر الجريدة الرسمية عدد 4505/ 15 صفر 1427 / 16 مارس 2006)، أخذت الشركات المفوَّض لها تدبير القطاع ببلادنا تتكاثر، حسب مختلف المجالس الجماعية، المعنية الأولى بإمضاء عقود التدبير.

وفي الجزء الثاني من هذا الملف الصحفي، سوف نطرح بالدراسة والتحليل والتشريح، أهم المعيقات والإكراهات التي يعيش على إيقاعها قطاع التدبير المفوض بالمغرب، مع تحديد المسؤوليات التدبيرية والقانونية في هذا الإطار، من خلال تناول وجهات نظر مختلف الفاعلين والمتدخلين في المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق