خارج الحدود

أفغانستان تبحث عن مستقبلٍ آمن وسط فوضى مخيفة

د. ناصر زيدان

إذا لم تطرأ مستجدات غير عادية، فإن الانسحاب الأميركي والأطلسي من أفغانستان سيكتمل قبل حلول 11 أيلول (سبتمبر) المقبل، ذكرى مرور 20 عاماً على الهجمات الإرهابية التي استهدفت برج التجارة العالمي في نيويورك وغيره من المباني في ولايات أخرى، وكانت سبباً رئيسياً لاحتلال الولايات المتحدة الأميركية لتلك البلاد للقضاء على تنظيم “القاعدة” الذي كان يقف وراء الهجمات. وخلال هذه الفترة العصيبة قبل تنفيذ كامل الانسحاب، يغلُب الارتباك والغموض على الأوضاع في أفغانستان، ذلك أن المباحثات التي يقودها المبعوث الأميركي زلماي خليل زاده مع الأطراف المتخاصمة لم تصل الى حد ضمان مساكنة سياسية بين الفرقاء، والهجمات التي تتعرَّض لها القوات الحكومية من مقاتلي حركة “طالبان” هذه الفترة تنمُّ عن نوايا تغييرية، أكثر مما توحي بالاستقرار.

 المعادلة الراهنة مُخيفة، وخريطة المواقف متشابكة، وإعادة النظر بالمقاربات التي أسست لها قرارات الرئيس الأميركي جو بايدن بالانسحاب واردة في أية لحظة، لأن أياً من الفرضيات التي اعتمدت للمستقبل الأفغاني لم ترسُ على بر أمانٍ بعد، وخطر اندلاع حرب شاملة في البلاد قائم، كما أن خطر عودة تنظيم “القاعدة” الى الظهور مجدداً قائمٌ أيضاً، وزيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني ومعه رئيس لجنة الحوار عبدالله عبدالله الى واشنطن؛ محاولة للبحث عن مستقبل آمن بعيد المنال، وسط هياج مُخيف في الداخل والخارج.

 القرار الأميركي بسحب القوات المتبقية في أفغانستان ثابت حتى الآن، والمهم في الأمر ليس مغادرة 2500 ضابط وجندي أميركي للبلاد فقط، فمع هؤلاء سينسحب جنود كل دول حلف الأطلسي الـ 12 الفاً، وهناك ما يزيد على 16 الف شخص من الأفغان يعملون مع القوات الأميركية سيفقدون دورهم ووظائفهم، كما أن التقارير الأمنية المتنوعة أشارت الى خطر مُحدق يطاول الدبلوماسيين الموجودين في كابول، ولا يوجد أي ضمانة لأمن هؤلاء بعد مغادرة قوات الأطلسي للبلاد.

حركة “طالبان” ترفض بقاء أي من القوات الأجنبية في أفغانستان، ولم توافق على اقتراح إبقاء مطار خالد كرزاي الدولي محايداً بحماية قوات أطلسية، وقد فشلت تركيا في مساعيها الرامية الى الحلول محل قوات الأطلسي التي تحمي السفارات الأجنبية والمطار، ولم توافق حركة “طالبان” على هذا الاقتراح.

تماسك الرئيس الأفغاني أشرف غني وايجابيته لا تعنيان أن الحكومة الأفغانية قادرة على مواجهة الوضع بسهولة بعد إنسحاب قوات الأطلسي. وهناك مجموعة كبيرة من المشكلات التي ستنتج من الانسحاب يصعب التعامل معها من دون معونة كبيرة، خصوصاً لكون رئيس مجلس المصالحة عبدالله عبد الله، المنافس لغني والصديق له في آن، يحاول الإبقاء على تواصل مع الأطراف كافة، ولا يريد ممارسة دور متطرِّف كفريق في النزاع القائم، كما أنه غير متحمس لتذليل العقبات الشخصية الشائكة التي تواجه غني. وهناك أطراف أفغانية أخرى غير “طالبان” تبحث عن دور مستقبلي ايضاً، ولا تدافع عن الحكومة الحالية بما يكفي. وبين هذه وتلك من الصعوبات، تبرز الأزمات المعيشية الخانقة، والانسداد السياسي، وهما عاملان مساعدان على الغموض المقبل. وجيران أفغانستان، خصوصاً إيران وباكستان، لها حساباتها الجيوسياسية والجيوديموغرافية، وليس لديها القدرة على تقديم مساعدات اقتصادية، كما أن المحاور الدولية على اختلافها ذاقت الّلوعة من تجارب الماضي، ولا يبدي أي منها حماسة لتبنِّي رعاية الدولة المتهالكة.

 تهديد القوات الأميركية بالعودة الى أفغانستان إذا ما تعرض دبلوماسيوها او أي من قواتها للخطر ليس كافياً لرد الاندفاعة “الطالبانية”. و”طالبان” تعتبر أن حماية البعثات الدبلوماسية من مهمات الأفغانيين كما هو عليه الحال في كل أنحاء العالم. لكن الاتحاد الأوروبي وبعض البرلمانيين الأميركيين أشاروا علناً الى عدم ثقتهم بحركة “طالبان”، وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة ديبورا ليونز تقول إن الخطر لا يقتصر على حياة الدبلوماسيين وأفراد المنظمات الدولية الإنسانية، بل سيطاول المدنيين الأفغان أيضاً، لأن سجل الصراع بين أطراف الداخل الأفغاني طويلٌ جداً، وهناك الآلاف من المواطنين الذين تعاونوا مع القوات الأميركية، او عملوا معها مهددين بسلامتهم الشخصية.

دوافع هذه المخاوف لها ما يبررها، لأن الهجمات التي تنفذها حركة “طالبان” في هذه المرحلة شملت مراكز مدنية وإنسانية. ذلك ما حصل أثناء مهاجمة مدرسة في كابول في 8 أيار (مايو) الماضي، وعندما اقتحمت قوات “طالبان” مركزاً لخبراء نزع الألغام في إقليم بغلان الشمالي في 9 حزيران (يونيو)، وسقط في الهجومين عدد كبير من الأبرياء غير المعنيين بالصراع بين قتيلٍ وجريح. والهجمات التي تحصل على قوات الحكومة في عدد من الأقاليم تُشير الى عدم الالتزام بمندرجات الحوار الذي يجري في الدوحة، والذي يشمل ضرورة تحييد القوات النظامية عن الخلاف، باعتبارها ضمانة لجميع المواطنين من دون تمييز، وهذه القوات تتقيد بأوامر السلطات الشرعية المنتخبة أياً كان أشخاصها.

 ومن اللافت والمُخيف في آن، أن مناطق في ولايات متباعدة جغرافياً سقطت بيد المعارضة، وانسحبت منها القوات الحكومية، لا سيما في ولاية فارياب في أقصى الشمال الغربي، وولاية غزني في الجنوب الشرقي وولاية بادغيس في الغرب. وهذه المؤشرات قد تدلُّ على إمكان إنفلات الأوضاع على شاكلة واسعة بعد إتمام الانسحاب الأطلسي، وهذا ما حذَّرت منه ألمانيا التي لها ما يزيد على 1200 جندي في أفغانستان من ضمن القوات الأطلسية، وبرلين سبق أن انتقدت قرار الرئيس بايدن بالانسحاب الفوري، لأنها تعتبر أن هناك خطراً مُحدقاً يُهدد بانهيار الدولة برمتها بعد الانسحاب.

 غموض يحيط بمجريات الأوضاع في أفغانستان، قد يفتح أبواباً جديدة على الفوضى التي لم تهدأ منذ 40 عاماً، كما قد تُعيد مساحة آمنه للمنظمات الإرهابية، إلا إذا ما أدركت قوى الشعب الإفغاني المختلفة، بما فيها “طالبان”، أنهم دائماً مَن يدفعون الثمن.

(٭نقلًا عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق