ثقافة وفن

إخفاء الأثر

عماد البليك

من أسوأ ما يمكن أن يفعله كاتب أو مثقف، أن يحاول إخفاء الأثر، بمعنى أن يقرأ مقالا أو رواية أو أي نص ما، ثم يعمل على الاستفادة منه في مشروع بحيث يخفي الأثر ويبقي على – شخصه- بوصفه مبتكر أو صانع الفكرة. البعض يفعل ذلك مع كتاب أقل شهرة أو غير معروفين، يأخذ أفكارهم ويعيد إنتاجها وهم لن ينتبه لهم أحد فهم في النهاية ليس لهم من ذكر. وقد يحصل أن يظن مثلا كما فعل أحدهم في دراسة نقدية مطولة أن ذكر شخص معين أو الإشارة له في الموضوع يضعفه، رغم أن ذلك الشخص هو الذي أوحى له بالفكرة أو أنطلقت من خلال مراجعات لمقال مثلا كتبه الشخص المعين. هذه الحيل للأسف قائمة، وشخصيا لي تجارب معها، وتمارس مرات ما بين القوميات، فالكاتب والناقد من بلد معين قد ينظر لآخر من بلد ثان أنه أقل قامة فيسرق فكرته ويعيد رسمها بطريقته أو يبني دراسته المعينة أو كتابه ويتجاهل تماما المفكر الأول. وقيل إن نصر حامد أبو زيد استفاد من بعض أفكار محمود محمد طه وهو الذي كان قد أقام لفترة بالخرطوم وعمل مدرسا بجامعة النيلين سابقا في الفترة من 1983 – 1987 لكن هذه الفترة تمت تغييبها ربما إراديا – لا أعلم – ولم يشر في أي من كتاباته لحقيقة تأثره بالفكر الصوفي في السودان أو الكتابات اللاهوتية، ففي كتابه عن ابن عربي «عندما تكلم ابن عربي» يبدو أثر البيئة السودانية، لكنه يغفل كل ذلك ويأتي مباشرة على البيئة المصرية، وهكذا.

أيضا سأذكر نموذج آخر هو محمد أركون، ذكر لي أستاذ جامعي سوداني درّسنا بجامعة الخرطوم انه التقى في الثمانينات أركون في باريس وتحدثنا عن أمور كثيرة في الفكر الديني من ضمنها مشروع محمود محمد طه، غير أن الرجل أشار لي بأن أركون وفي معظم دراساته تجاهل الإشارة لمحمود، برغم أنه في أحاديثه الشخصية معه كان يثني عليه. وهكذا تستمر النماذج.

من تجاربي الشخصية مع بعض النقاد العرب مررت بموقف كهذا مع ناقد من مصر، كنت قد بعثت له دراسة لي منشورة عن طه حسين وجهت فيها انتقادات للرجل ومشروعه في الشعر الجاهي وغيرها، وضعف أعماله الروائية، فشعرت منه عدم الرضا لذلك، ومن ثم أعلن عن مشروع كتاب لرد الاعتبار لطه حسين من دون أية إشارة لمقالي أو دراستي برغم أنها منشورة في مجلة شرفات مقدسية منذ عدة أعوام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق