سياسة

خارج المتاهة

مبادرة حمدوك ... لكيلا تختلط الأوراق

محمد عتيق

بعد المقال السابق لهذه الزاوية “حمدوك، آن أوان الرحيل” أطلق سيادته مبادرةً باسم (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال، الطريق إلى الأمام). نحمد له، أولاً، أنه نطق بأهم المطالب التي ظل يقدمها كل الحريصين وشباب المقاومة بعد طول جفاءٍ وانصرافٍ عنها، ونحمد له كذلك أنه وصف أن مجمل الأوضاع تاتي في إطارِ أزمةٍ وطنيةٍ شاملة ..  بعد مقدمات أنيقةٍ بهذا المعنى طرح أسساً للتسوية في عددٍ من النقاط يمكن اختصارها في: توحيد الكتلة الانتقالية حول برنامج وطني، إصلاح القطاع الأمني والعسكري وتأسيس جيش وطني واحد، توحيد مركز اتخاذ القرار خاصةً في السياسة الخارجية، تنفيذ اتفاقية السلام واستكماله، معالجة قضية العدالة بأسس واضحة، تقوية التوجه الحكومي لمعالجة القضية الاقتصادية في إطار من التوافق مع محيطنا الداخلي والإقليمي والدولي، تفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن، تكوين المجلس الوطني خلال شهر واحد .. ودعا لأن يتوافق عليها الجميع لبناء السودان الديمقراطي القائم على المواطنة المتساوية ..

  تلك هي الأسس السبعة التي طالب أن يتوافق حولها الجميع كمخرج من الأزمة، والملاحظ أن الحكومة (ومعها المكون العسكري) قد اتخذت قرارات حول أخطرها وقطعت أشواطاً على طريق تنفيذها !!، والمبادرة تدعو إلى البناء عليها أي على الخطوات التي سارت عليها الحكومة، بمعنى أن يوافق الآخرون، أن نوافق جميعاً على القرارات التي اتخذها و “نبلع” رؤانا !!، مثلاً :

– في المسألة الاقتصادية، وباختصار، وافق على شروط البنك وصندوق النقد الدوليين طريقاً لإلغاء الديون وفتحاً لأبواب السودان أمام الاستثمارات الأجنبية !!، فهل كان من الممكن أن نرفض تلك الشروط ونعتمد على مواردنا الذاتية وتحديد احتياجاتنا للنهوض الاقتصادي من مواقع التفاعل الندي مع المجتمع الدولي ومؤسساته ؟ نعم، كان ولا زال ذلك ممكناً وفق البرامج والتوصيات الثرية التي ظلت تقدمها اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، وهي بالفعل برنامج للنهضة بالتنمية وبالاستثمار في الانسان السوداني وممكناته وثرواته الوطنية، غير أن حكومة السيد حمدوك قد ركلتها بل وانكرتها وسارت في الطريق الخطر، طريق الاستجابة لشروط الصندوق والبنك في رفع الدعم عن السلع (ولو بالتدريج والتتابع) وتحرير الأسعار وتعويم العملة الوطنية و…و..الخ، وهي الشروط التي لم ولن ينتج عنها في كل التجارب غير المزيد من الإفقار والإذلال للناس وتسليم كل مقدرات البلاد للاستثمارات الأجنبية!

فهل يعني السيد حمدوك أن يتوحد الناس في كتلة تاريخية تتوافق معه على هذه السياسة التي سار عليها أم أن يتوحدوا بعد مناقشة الأمر وإقرار ما يتفقون عليه؟ (فقد قال في مبادرته “تقوية التوجه الحكومي لمعالجة القضية الاقتصادية”) ..

– وفي السياسة الخارجية: ومع احترامنا الشديد للجهود التي بُذلت لرفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن يبقى الإقرار بأن شعب السودان كان قد أنجز الأمر من جانبه عندما اقتلع النظام الذي تسبب في ذلك، ولكن إدارة ترمب الأمريكية، ولكي تنفذ ذلك الرفع من جانبها، مارست ابتزازاً منحرفاً ومنقطع النظير على السودان تمثل في مطلبين إثنين:

أولاً: تعويض أسر ضحايا التفجيرات التي أوقعها الاسلامويون بيد النظام الساقط في بعض المؤسسات الأمريكية، وذلك بمبلغ ٣٥٠ مليون دولار أمريكي جمعتها الحكومة من “السوق الأسود” وهذا أمر تصعب مراجعته ..

ثانياً: ضرورة أن يعترف السودان بإسرائيل ويطبع العلاقات معها!! هذا البند في الابتزاز الترمبي/الأمريكي تم تنفيذه بتوزيع للأدوار وممارسةٍ مخجلةٍ للكذب: البرهان إلى يوغندا لمقابلة نتنياهو سراً لو لا أن الإعلام “الاسرائيلي” قد أذاعه، حمدوك ينكر علمه ويقول أن ذلك من اختصاص “برلمان منتخب”، والبرهان يؤكد على أنه تم بمعرفة الجميع في السيادي والحكومة، ويتم التوقيع بعد ذلك فتعلو الأصوات الرافضة من جنبات المشهد كله .. وقد ورد في مبادرة الدكتور حمدوك بند ينادي بتوحيد مركز اتخاذ القرار بمعنى أن يكون ذلك في يد الحكومة (رئيسها ووزير خارجيتها) ولكن بعد أن حدث المطلوب أمريكياً وصهيونياً: الاعتراف ب “اسرائيل” والدخول فيما سُمي بالسلام (الإبراهيمي) معها ..

   أما قيام المجلس التشريعي فهو المطلب الأهم لحركة الشباب في لجان المقاومة والأحزاب المعارضة للمجلس المركزي لقحت، وهو السلطة العليا في البلاد التي ستكون معنيةً بمناقشة البنود الأخرى المتعلقة بتحقيق العدالة وتأسيس جيش وطني ذو عقيدة موحدة وشاملة، واتخاذ قرارات تكون نافذة حولها، وذلك :

– وسط المفصولين تعسفياً في عهد النظام الساقط خبراء مرموقون في مجالاتهم مثل القضاة وأعضاء النيابة المنتشرين داخل وخارج البلاد كمحامين ومستشارين، منهم من يجب إشراكهم في المجلس التشريعي مع آخرين كمسئولين عن لجنة العدل وحقوق الإنسان فيه ليعملوا على تأسيس النظام العدلي وقوانينه قضاءاً ونيابةً عامةً، يتابعون معهم – فيما يتابعون – قضايا الشهداء والمفقودين والمصابين في كل مراحل الثورة وانصاف أسرهم ووضع الأسس التي تضمن عدم الإفلات من المحاسبة وقضايا المطلوبين لدي المحكمة الجنائية الدولية والإشراف على أمر “العدالة الانتقالية” ..

هنالك أيضاً وسط المفصولين تعسفياً عشرات العسكريين – وقد أصبحوا خبراء نادرين – يجب أن يستفيد منهم الوطن باختيار بعضهم في المجلس التشريعي تستوعبهم لجنة الأمن والدفاع ليقوموا بمهمة إعادة تأسيس المنظومة الأمنية والدفاعية في كافة القوات النظامية وعلى رأسها إجراء الترتيبات الأمنية من تسريحٍ  وإعادة تأهيلٍ ودمجٍ  لجيوش الحركات المسلحة والدعم السريع مع القوات النظامية ..

هكذا يجب أن يمضي المجلس التشريعي في أعماله، مجلس عماده شباب الثورة، الخبراء السودانيون من مفصولي مختلف التخصصات، عدد يتم الإتفاق حوله من قيادات كل الاحزاب والحركات الموقعة على إعلان الحرية والتغيير ..

   وإذا جاز لنا تأييد مبادرة الدكتور حمدوك فإنه سيكون تأييداً مشروطاً بإعادة مناقشة السياسات التي ينتهجها وحكومته في قضايا الاقتصاد والتطبيع، فإذا كان سيادته قد أقر بالفشل كمعنىً للمبادرة فإننا نتطابق معه ونختلف في :

– استحالة كتلة تاريخية واحدة بين الشيء وضده، فنحن في حالة ثورةٍ ضخمةٍ تريد أن تصحح أوضاع السودان بالكامل بما فيها من مصالح ضخمة صنعها النظام الساقط لأفراده ومريديه ولجيوش الانتهازيين في القطاعين المدني والعسكري وبالتالي هي قوى معادية للثورة وفي حرب ضروس ضدها، فالأوفق إذاً أن نعمل على تأسيس وتوحيد كتلة قوى الثورة والديمقراطية ..

– نؤيد حقيقة أننا نعيش أزمةً وطنيةً شاملةً ممتدة منذ فجر الاستقلال، وأنها سببٌ رئيسيٌ في المشكلات التي نعيشها، ونمضي أكثر لنقر أننا جميعاً مظهر من مظاهرها : أحزاب مصابة بأمراض الأنانية والتكالب، مثقفين منقسمين على أنفسهم…الخ..الخ، كذلك من مظاهر وتجليات تلك الأزمة أن الحركة السياسية، وبعد مواجهات شرسةٍ مع النظام الإسلاموي الساقط امتدت لثلاثين عاماً، لم تجد من بين قياداتها من يقود حكومة الثورة، حكومة ديسمبر العظيمة وأمانة شبابها المدهش، لم تتمكن من الإتفاق على قائدٍ من صفوفها تأتمنه على هذا التكليف الشاق/الرفيع، لم تتفق إلا على اسم طُرح أمامها من خارج البلاد وخارج حركتها المناضلة (الدكتور عبد الله حمدوك) .. نعم، د.حمدوك وكل السائدين على المشهد هم من مظاهر الأزمة الوطنية الشاملة جنباً إلى جنب مع مظاهرها وتجلياتها الأخرى..

ولقضية السلام عموماً مقال منفصل بحجم أهميته..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق