ثقافة وفن

لغته على وشك الاندثار … لكن هذا المغنّي يكافح من أجل إنقاذها بالموسيقى

ليلى أحمد حلمي

كانت عقوبة التحدّث بلغتك الأم في المدرسة أن يتمّ ربط عظمة بقرة، ويجب عليك ارتداؤها حول رقبتك طيلة النهار. كان “بينوا فادر كيتا” قد ارتدى هذه العظمة مرات كثيرة، فلغته الأم -لغة المينيك- هي واحدة من لغاتِ السنغال المحلّية المُعتَرَف بها، وإن لم يتبقَ لها سوى حوالي 3000 متحدّث طِبقًا للإحصاءات الأخيرة.

يقول “بينوا فادر كيتا” أنّ العقوبة كانت مُذِلَّة، إلا أنّه كان ذلك هو الغرض منها؛ فقد أمست سبيلًا فعّالًا لضمان تحدُّث الأطفال باللغة الفرنسية، وهي اللغة الرسمية في السنغال، بدلًا من استخدام لغاتهم الأم.

وفي أعقاب الاستقلال من المستعمر الأوروبيّ عام 1960م، حافظت السنغال على الكثير من النُظُم الفرنسية، واعتُبِر التحدث بالفرنسية بأنه السبيل إلى النجاح.

أمّا اليوم، فيسعى “كيتا” البالغ من العمر 35 عامًا إلى أن يعلِّم الدرسَ المقابل، فمن خلال عمله كمصوّرِ فيديوهات لدى موقع إخباري سنغالي، يعمل كيتا على كتابة أغاني الراب والريجي، بل وأدائها بلغة المينيك؛ وذلك لتشجيع الشباب على استخدامها، فإن لم يفعلوا، فإن اللغة قد تندثر قريبًا.

ويضيف بينوا فادر كيتا قائلًا: “هناك ظاهرة اليوم، حيث لا يتمكن الناس من قول عبارة كاملة دون اختلاطها بكلماتٍ من لغة وولوف أو الفرنسية أو بولار”، إشارة إلى اللغات الأكثر شيوعًا في البلاد.

ولعل لغة مينيك هي واحدة من 2500 لغة على مستوى العالم معرضة للانقراض؛ أي تقريبًا نصف اللغات المعروفة على كوكب الأرض، طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة.

وبينما تتمتّع أوروبا بالسياسات الساعية لحماية لغات الأقليات وتعزيزها، إلا أنه لا توجد سياسات مماثلة في أغلب بقاع أفريقيا.

وتوضِّح “أدجاراتو عمر سال” وهي أستاذ اللغويات بجامعة داكار قائلةً: “إننا لا نعمل على تعزيز حتى اللغات القومية الكبرى”، ومنها لغة وولوف، وتضيف قائلةً: “إن لم نُعِر لغات الأكثرية لدينا اهتمامًا، فكيف لنا أن نُعِر اهتمامًا بصغار اللغات؟”.

وقد شهدت “سال” العواقب، فقبل عشر سنوات استهلّت البحث في لغةٍ اسمها “بابان” تنتمي إلى ذات العائلة اللغوية مثل لغة مينيك، وعرفت سال أن آخر شخصَين كانا يتحدثان هذه اللغة قد ماتا. وتعلق سال قائلةً: “ما يفعله بيوا في غاية الأهمية؛ حيث أن هذا له أثره على الشباب”.

وطبقًا لكيتا، فإن الإستراتيجية التي يتّبعها قد أثمرت؛ فذات نهار مؤخّرًا في العاصمة داكار كان يتصفح رسائل المعجبين على هاتفه، وكان بعضهم قد عثر على موسيقاه على صفحات الفيسبوك، بينما سمعها آخرون في الإذاعة، أو تعرفوا عليها من أصدقائهم.

وطَلَبت إليه إحدى الفتيات أن تعلِّمَه كيفية التعبير عن أمرٍ ما بلغة مينيك، وأرسلت له أخرى قائلةً: “شكرًا لك على مكافحتك من أجل بقاء ثقافتنا”.

يقول بينوا فادر كيتا: “في الماضي كان الناس يشعرون بشيءٍ من عدم الأمان عند استخدام لغة مينيك، إلا أنهم الآن أمسوا يشعرون بالفخر”. ولعل لغة مينيك هي واحدة من لغات السنغال الصغرى، تستخدمها قبائل بيديك؛ وهي أقلية اثنية تعيش في قرى جبلية نائية في مناطق “كيدوجو” جنوب شرق البلاد.

كان كيتا قد نشأ في كوخٍ سقفه من القشِّ، في قرية “باندافاسي”، حيث عَملَ والدُه صيّادًا، وكانت جدّته تحكي أساطير تاريخهم حول نار موقدة في الليل. لم يتصوَّر كيتا أن جماعته الاثنية غير معروفة بهذا القدر إلى أن انتقل إلى مدينة داكار، التي تبعد حوالي 400 ميلًا عن قريته، حيث التَحَق بالجامعة.

وعندما كان غيره من السنغاليين يسمعون لهجته بالفرنسيّة أو لغة وولوف أو لغة بولار، كانوا يتساءلون: “من أين تأتي؟ ماذا تكون؟”، ويُعلِّق كيتا: “كنت أشعر بالصدمة في كل مرة، وكنت أتساءل لماذا لا يعرف الناس عنّا؟”.

كان شعب البيديك قد استقرَّ في السنغال مع نهايات القرن الثالث عشر تقريبًا؛ حيث كانوا على فرار من اضطهاد جماعات اثنية أكبر، فيما يُعرَف اليوم بغينيا ومالي، فأقاموا قراهم على المرتفعات، مستغلّينها كنقاطٍ للمراقبة والكهوف للاختباء، وظلّوا لقرونٍ في معارك مع قبائل الفولا أو بيول، والتي كانت تمثل حوالي 25% من سكان السنغال.

وفي عام 2012م، اختارت منظمة اليونسكو منطقة بيديك لتكون موقعًا من مواقع التراث العالمي؛ وذلك نظرًا لثقافتها المحلية النابضة، وبيوتها الطينية التقليديّة، إلا أن شبابها سرعان ما تململوا، فرَحَل الكثيرون بحثًا عن الوظائف والشهادات الجامعية. انتهى الأمرُ بكيتا في مدينة داكار، ومع التحاقه بالجامعة، أصبحت مهمّته في تعزيز ثقافته أكثر إلحاحًا؛ فقد بثّت قناةٌ تلفزيونية سنغالية حلقةً عن بيديك، أورَدَ خلالها أحدُ المذيعين أكاذيبَ حول طقوسهم، فجعلها تبدو بدائية، كما أوضح كيتا ضاحكًا، حيث يقول: “لقد قررت أنني يجب أن أعمل في مجال التلفزيون أيضًا؛ حتى أتمكن من إظهار الصورة الحقيقية”، لذا قام كيتا بعد انتهائه من دراسته الجامعية بالالتحاق بمدرسةٍ للصوتيّات والمرئيّات.

وبدأت شعبيته كمُغنٍ تتزايد خلال العام الماضي في أعقاب حفلة لليلة رأس السنة أقيمت في باندافاسي، حضرها حوالي مائتي شخص. أما اليوم، فبات أطفال القرى يعرفون كل كلمات أغنياته.

تقول ماري سامورا، وهي طالبة من بيديك في داكار عمرها 21 عامًا: “عندما عثرتُ على موسيقاه، طَغَت عليَّ عواطفي، فهو يغني بلغتنا الأم، وهذا يمنح الكثير من الشجاعة”.

وتنبع بعضُ كلمات أغنيّاته من الأساطير المحلية، بينما تتحدث بعضها الآخر عن الحياة في القرية، منها -على سبيل المثال- الذهاب إلى الغابات مع والدتِه بحثًا عن الطعام.

ويقول كيتا أنه ليس من اليسير إضفاء الإيقاعات الحديثة على لغة مينيك، وأحيانًا يتواصل المستمعون معه لإخباره بأنه قد أخفق في نطق كلمة ما، ففي لغة مينيك يتبدل معنى الكلمة طِبقًا لنبرة الصوت ارتفاعًا أو هبوطًا.

إنّها لغة يصعب تعلمها، ويسهل نسيانها.

ولوقف تآكل اللغات الصغرى، عملت الكثير من الدول على إدماجها ضمن مناهج التعليم الحكومي، كما حاولت السنغال إدخال تعليم اللغات القومية في المدارس، إلا أن الدولة لم تتجاوز قط مرحلة التجريب التي تُموّلها جهاتٌ مانحة أجنبية أو جماعاتٌ غير حكومية. وتأمل الدولة أن تصبح -آجلًا أو عاجلًا- كافة المدارس الابتدائية ثنائية اللغة، إلا أن الهدف ليس تعزيز اللغات القومية، وإنما تحسين مستوى الطلاب في اللغة الفرنسية، وذلك طبقًا لما قالته “ندايا تامى ضيوف” مديرة محو الأميّة واللغات القومية بوزارة التعليم، حيث تعبِّر “ضيوف” قائلةً: “إننا إذا ما قمنا بتدريس القراءة والكتابة منذ البداية باللغة التي يجيدها الشخص، ثم تحولنا بعد بضعة أشهر إلى تعليم الفرنسية، فإن هذا الشخص سوف يتمكّن من الفرنسية”، أي أن الحفاظ على اللغات الصغرى سوف يصبح ببساطة فائدة مضافة.

وتضيف ضيوف أن الحكومة تعمل حاليًا على وثيقةٍ للسياسة اللُغوية كفيلة بأن تضع الأسس لهذا التحول، إلا أن التمويل والطاقة البشرية يظلّان غائبَيْن، فظلت الوثيقة قيد مرحلة المسودة منذ عام 2010م.

أما كيتا فيرى أن ما يهم هو تسليم الشعلة للجيل القادم؛ لذا شَعرَ بالغبطة عندما أخبره صبيٌ من بيديك مؤخرًا بأنه يودّ أن يصبح مغنيًا هو الآخر.

ويضيف بينوا فادر كيتا:

    “لقد اقتنعتُ بأنني ربما لن أنجحَ خلال خمس أو عشر سنوات، ولكن لا شك أنَّ أحدًا غيري سوف ينجح”.

(٭ نقلًا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق