ثقافة وفن

وخز الياسمين … آمال عريضة

تقدمة:

بعث إليَّ الأستاذ الكريم / محمد الخير حامد ، وهو القاص والكاتب السوداني الشاب الذي تناولت له من قبل قراءة عن كتابه: ” لعنة الساعة التاسعة ” تجدونها بين طيات هذا الكتاب ، بمسودَّة مطبوعة ولم يتم نشرها بعد بعنوان: ( وخز الياسمين ) وهي عبارة عن مجموعة قصصية له بغرض إبداء الرأي والتعليق ما أمكنني الوقت ولأنه من المرجوين عندي في رفد الساحة القصصية والكتابية بالمفيد إن شاء الله في مقبل الأيام ، فهأنذا أفي بما وعدته من قبل ولأنَّ المجموعة وصاحبها يستحقان مني القراءة والتعليق بحكم التأدب مع الأدب وأصحابه بما عساه أن يكون مفيداً لقرَّاء العربية في الوطن العالمي الكبير ولي بلا شك وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، فقد وفيت بما وعدت والحمد لله رب العالمين .

القراءة:

تتكون المجموعة القصصية من خمسة عشر أقصوصة تحت عناوين مختلفة باختلاف الموضوع الذي رامه صاحبه مرام المعنى المروم منه ( وخز الياسمين – عبور – مع سبق الإصرار – صليل العذاب والظنون – خروج بالإكراه – تهشيم – أسطورة أم سبايب – كلاكيت ثاني مرة / وهي أجود ما في المجموعة كلها وقد برع فيها الكاتب أيما إجادة ومقنعة للغاية من ناحية السياق والصياغ والموضوع والحبة النصية وما إلى ذلك / – سلطة رابعة – عاشقة تولستوي / وهي ليست بالمستوى المطلوب إذ تتلخص في علاقة محبين لا علاقة للحب بينهما وبعيدة كل البعد عن الغراميات وسجاله فلم يوفق فيها إذ يعلي من قيمة العقل أكثر من القلب / – فلوكس واجن زرقاء – مريم نزيف الروح وترنيمة الخلود ص: 159 – موهبتي التي تزهر / وهي سيرة ذاتية فيما أرى / وأغلب ما جاء في المجموعة أنَّها سيرة ذاتية يعلي صاحبها من شأن نفسه بصورة قصصية والله أعلم ) ، وتتباين لدي الرؤى والتعليقات وفقاً لما فيها من سخط ورضا كيفما تذوقته ، ولا يقدح ، كما لا يمدح ، من قيمة النصوص شيئاً فما هي إلا تعليقات رأيتها من الممكن الاستفادة منها في باب العقل الروائي السوداني ، هذه الدراسات النقدية للدارسين والمهتمين والقارئين جميعهم .

يغلب على هذه المجموعة القصصية الأسلوب الصحافي الجاف أو المقال الصحافي بالتحديد ، فإمَّا أن يكون لوناً جديداً في كتابة القصة في العصر الحديث من ناحية التفقيط والتنميط ، فيكون درسها من هذا الباب لغيري من الدارسين إذ لا أستسيغ هذا الأسلوب الجديد فأنا من دعاة القديم الكلاسيكي فأرضاه لي نهجاً أصيلاً ولا أرفض الجديد العذب السلس الجيد الجزل المطياع فما زلت في القرن الواحد والعشرين كما ترى ، وإمَّا أن يكون دخيلاً على كتابة القصة فيبعد بينه وبينها الأمد البعيد ، ولهذا السنخ رجالاته ومحبوه بلا ريب وأنا لست منهم كما ترى أيضاً .

وجدت فيما وجدت عن الأسلوب، الأسلوب الجاف الجاد العنيف في طريقة الكتابة أقرب لنهج الدراسات العلمية والبحوث والتآليف المؤلفة تأليفاً منها إلى أسلوب القصة، إذ يغلب عليها التركيب اللغوي والجمل المتصيدة البعيدة عن التلقائية والعفوية والسجية كــــــــــ / أقصوصة: ” خروج بالإكراه ص: 62 ” / فهو يستعمل كلمات مثل: دوخه، زخم، تناسلت، التشهي، الدافق وغيرها الكثير، من استعمالات الجنس وإيحاءاته ” أم سبايب ” ص 72، مثلاً، فلا تتسق مع السياق العام المحبب فيما أرى.

خذ مثلاً أقصوصته (عبور) ص: 42، فهذه ليست قصة بالمعنى المتعارف عليه كقصة ذات نقاط محورية منتظمة أو مباشرة، فلا تعدو عندي أن تكون مجرد مؤانسة أو تأمل، فهي تتكلم عن الحياة في الآخرة وحوار بين عدة شخوص بين من هم في الجنة وبين من هم في النار خذ قوله: [أتكون قد توفيت بعدي؟] ص: 42، فهذه العبارة تناقض ما قبلها من ص 40، قال: [لكنكم ميتون وأنا ما زلت حياً] فهل هما ميتان أم أحياء في الدار الآخرة؟، ثم يأتي بذكر السرمد ويجعل له نهاية، والسرمد مساحة وليست نقطة متناهية أو يمكن القول بأنَّها: بداية ذات بداية ليست لها بداية ونهاية ذات نهاية ليست لها نهاية، هكذا في العرفان فاعلم!

مخرج:

مجموعة ” وخز الياسمين ” مستواها الكتابي ولغتها أعلى من مجموعته الأولى ” لعنة الساعة التاسعة ” وكذلك لغتها ، وأرد هذا التجويد لمقاربة النضج الكتابي للكاتب فتلك كانت في أول الصبا وهذه ريعان الشباب ، خذ مثالاً – رغم ذلك – في الجفاف في بعض ما جاء فيها من أقصوصته ” صليل العذاب والظنون ” ص 53: [ لا يبخل عليه بشيء بالتأكيد ] هنا يُكثر تكرار حرف الباء وحروف الجر في عبارة واحدة أو قل: جملة واحدة ، فوجب عليه حذف أحد البائين لتقوية الجملة ، ثم هي طويلة / أي القصة / فكان من الممكن فصلها لقصتنين مثلاً لاحتوائها موضوعين مختلفين جذرياً – ص: 55 – وأيضاً: [ سمع جيراني بالسوق بما حدث ] ص 127 ، أرد هذا الجفاف أيضاً في بعض النصوص لوقت كتابة النص فيغلب عليها التقارب الزمني ولا يعطي هذا التقارب لوحدة نَفَس النصوص لأنَّ لكل قصة موضوع منفصل عن الآخر وربما أكثر .

” مع سبق الإصرار ” ص: 48، جيدة وجميلة ومختصرة، فيتباين الذوق عندي باختلاف النص والمشهد فيكون التعليق لكن في جملتها خير من سابقتها بلا ريب.

أشكر للأستاذ الكريم / محمد الخير حامد، أن مدَّني بمخطوطته قبل أن ترى النور على العالمين، فأنا سعيد للغاية بهذا الصنيع الجميل وأتمنى له التوفيق والسداد في كل ما يكتب إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق