ثقافة وفن

في حوار مع الكاتبة والباحثة المغربية جهان نجيب

"إشكالية الحداثة والتراث بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري"

جاءت مناسبة الكتاب “إشكالية الحداثة والتراث بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري” لحاجتنا إلى فكرهم في الدعوة إلى الحداثة، حيث تحتل مسألة التراث في الفكر العربي والإسلامي مكانة هامة لما تقتضيه هذه المسألة الفكرية والمعرفية من أهمية في الفكر والعقل العربي والإسلامي، وفي الواقع الثقافي والقطري، وأخيرا في علاقتها بالآخر الحضاري، وخاصة أمام التحديات الجديدة على العالم العربي والإسلامي من خلال ظاهرة العولمة واستتباعاتها الثقافية والحضارية، وهوس المفكرين والمثقفين العرب بذلك.

وجاءت الكاتبة والباحثة المغربية جهان نجيب لكي تفكك لنا هذه المعادلة من خلال كتابها ودراساتها الأكاديمية القيمة إشكالية الحداثة والتراث بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري. متبحرة بنا في دروب ومسارات هذين المفكرين العملاقين لتحديد مكامن الخلل في بنية العقل العربي وتشريحه من خلال آليات الحداثة والتراث.

ضيفة الحوار هي أستاذة للفلسفة وباحثة في سلك الدكتوراه بالفكر السياسي الحديث والمعاصر.

من أعمالها: كتاب ” تطور المجتمع المدني من إيمانويل كانط إلى فريدريك هيغل”   وكتاب “اشكالية الحداثة والتراث بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري”  كتاب “قضية المرأة ضمن مشروع نقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري”  كتاب “نقد، نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري”

إضافة إلى مقالات فلسفية بحثية ودراسات فكرية عبر عدة مجلات علمية ومواقع إلكترونية ومحاضرات عن الدرس الفلسفي كمساهمة في فكر جهان نجيب التنويري.

ضيفة هذا الحوار ولأول مرة هي الكاتبة والباحثة المغربية المتألقة جهان نجيب لكي تتحدث لنا عن أبرز لمحات كتابها إشكالية الحداثة والتراث بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري

حاورها عبد الحي كريط

> ماهي الدوافع الرئيسية التي دفعتك إلى كتابة هذا العمل الأكاديمي المتميز؟

< رغم أن إشكاليات العالم العربي مرت عليه أكثر من ثلاثة عقود لكنه لا يزال يحتفظ براهنيته وكأن إشكالات العالم العربي، إشكالات استاتيكية لم تراوح مكانها منذ هاته الفترة، هذا يؤكد على عمق الأزمة الفكرية التي يمر منها العالم العربي، بل الأخطر أن تجد إشكالات النهضة ذاتها التي كانت في فترة زمنية معينة في أواخر القرن 19م وبداية القرن 20م لازالت هي تجد ذات الإشكالات التي طرحت مع الربيع العربي ولا زالت هي الإشكالات التي تطرح، فكان هذا هو الدافع الأول الأساسي الأول للاشتغال على عمل بسيط ومتواضع كهذا..

كما أريد أن أنبه قارئي العزيز أنه ليست لي مشكلة مع خطاب ما بعد الحداثة، لكن هذا الخطاب هو مشروع وجزء من تاريخ الحداثة ولا هو قطيعة مع هذا التاريخ.

لذلك سأقتصر على بعض الملاحظات النقدية البسيطة المشجعة على تحرير هذا العمل وهو من أجل التنبيه إلى الخطأ التي وقع فيه دعاة الحداثة في بلادنا العربية.

•الملاحظة الأولى:

وهي أن ما بعد الحداثيون العرب يجهلون تراث الحداثة في الغرب، وهذا عطب يفرض النظر إلى بضاعتهم بنوع من التوجس وبقدر من الحذر المنهجي والنظري، لأنه على الأقل يمكن اعتبار ما بعد الحداثة في الغرب ورموز ما بعد الحداثة متشبعون بالتراث الثقافي بالحداثة وما قبل الحداثة، إذن ما الذي يضيفونه حينما يكتبون ويؤلفون؟ ومعظم ما يكتبون إنما هو مقالات أو شروح أو مختصرات أو عروض لكتب أو أطاريح جامعية في أفضل الأحوال، إذن هم مقلدة ما دامو ينشرون ويعرفون بتيارات ما بعد الحداثة، فهم المقلدون ومعيدو الإنتاج، والمقلد هو بطبيعته سلفي وهم سلفيون بكل معنى الكلمة، وإن كانوا يعتبرون أنفسهم دعاة ما بعد الحداثة، سلفيون لهم سلفهم الصالح ولهم نصهم المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويدافعون عنه ويناضلون عنه في كل الأحوال وحينما يتعلق الأمر بنص ينتمي إلى ما بعد الحداثة، يجهض النقد عندهم، وتتعطل حاسة النقد تعطلا كاملا.

كما سبق أن أشرت في هذا العمل المتواضع إلى أن الحداثة هي لحظة فكرية نقدية في تاريخ الفكر الغربي، والجدل دار في أوساط مفكري الغرب بين رأيين أو مدرستين، مدرسة تقول ما بعد الحداثة هو تخطي وتجاوز لتراث الحداثة وقطيعة مع هذا التراث، والرأي الغالب يذهب هذا المذهب ولكن ثمة من يقول برأي آخر، عكس الأول وهو ما يسمى ما بعد الحداثة الذي هو جزء من تاريخ الحداثة انطلاقا من فرضية تقول ، “إن الحداثة لم تستنفذ ممكناتها بعد، ليست مكتملة، لم تشكل ما بعد الحداثة جزء من الحداثة، حتى في أسوأ الأحوال كما يقول يورغن هابرماس.

    -الملاحظة الثانية:

ما بعد الحداثة هي لحظة تفكر فيها الحداثة في نفسها، تضع نفسها موضع فحص نقدي وتعيد النظر في يقينيتها في اشكاليتها في ضوء الشعور المتزايد بأن هذه الحداثة ارتكبت جرما كبيرا في تاريخها، العقل حاد على خطه وتحول إلى أداة قمع، الديمقراطية حادت على خطها وتحولت إلى ديكتاتورية وهذا على كل حال بدأ منذ القرن 19م أي منذ نقد “ستيوارت ميل” في كتابه عن الحرية، يتحدث فيه عن أن الديمقراطية هي تشريع لنظام ديكتاتورية الأغلبية فإن كل تلك القيم النبيلة الكبرى، ‭{‬العلمانية، الديمقراطية، العقلانية..‭}‬ بدأت تكشف عن الكثير من مظاهر تهافتها، إذن لا مناص من إعادة فحص، كل يقينياتها حول الحداثة وما بعد الحداثة، إذن كل هذا التأمل النقدي في منطلقات الحداثة ويقينيتها، طبعا يقوم به مفكر ينتمي إلى مجتمعات تشبعت بالحداثة أو دارس للحداثة في أصولها الحقيقية، وهذا هو الخطاب المشروع. خطاب متمثل في النقد كآلية منهجية، والنقد جزء من ثقافة الحداثة، كما يجب التذكير جيدا إذا ما أردنا أن نتحدث عن نقد الحداثة، علينا أن نبدأ من إيمانويل كانط الذي وجه نقدا حادًا للعقل ومنزعه الإمبراطوري وأعاده إلى حدوده، هيغل وجه أيضا نقدًا حادا لفلسفة الأنوار، فيورباخ وجه نقدًا حادًا للمسيحية والدين، ماكس وجه نقدًا للنظام الرأسمالي، فرويد وجه نقدًا حادًا للشعور…

إذن هذا جزء من تقليد عاشت عليه الثقافة الغربية، يمارسه اليوم جيل من المثقفين الذين تبرموا برما جهيرًا بالحداثة فلاحت لهم الفرصة ليصفوا حسابهم مع الكثير من اليقينيات ولكنهم قطعا جزء منها، وجزء من تاريخها، ولم نجد أفضل من مفكرنا عبد الله العروي في تصفية الحسابات الإيديولوجية مع هاته الفئة من المثقفين المقلدة، معتبرين أن كل دعوة إلى الحداثة لا تقوم إلا على أساس تقويض التقليد ومقلدته.

> لماذا ركزت في كتابك على فكر عبد الله العروي وعابد الجابري؟

<وقفت عند أعمال هؤلاء بالذات لكونهما يعبران عن إشكالات متقاربة وتخوض في موضوعات تكاد تكون واحدة وقد تكون معبرة في الوقت نفسه عن وعي جيل من المشتغلين بالفكر الفلسفي في بلدان المغرب العربي.

حيث يندرج موضوع إشكالية الحداثة وتجاوز التأخر التاريخي في الفكر المغربي، جهود الأستاذ العروي المؤسسة في المستوى النظري والتنظيري وهي جهود انطلقت منذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمان، وذلك من خلال مؤلفه الأساسي العرب والفكر التاريخي، في مطلع السبعينيات وتواصلت في كتب المفاهيم التي أصدر تباعًا مفهوم الأيديولوجيا، الدولة، الحرية، التاريخ، الإسلام والحداثة، العقل…

في كل النصوص التي ذكرت، كان إشكال الحداثة أو بصيغة أوضح، إشكال التفكير في كيفية استيعاب دروس الحداثة يهيمن على إنتاج المؤلف ويوجه أسئلته في مختلف القضايا التي اعتنى ببحثها، ومعنى هذا أن إشكالية الحداثة التي ساهم في صياغتها بكثير من الدقة والوضوح وبُعد النظر تتطلب اليوم جهودا فكرية أخرى لتطويرها وإعادة بناءها في ضوء المعطيات الجديدة، التي تولدت في الواقع في الفكر على إثر الهزات التي ما فتئت تلحق الحاضر المغربي، والحاضر العربي ضمن متغيرات أشمل أصابت المجتمع الدولي، وتركت آثارها على أنساق الفكر، ومدارس الفلسفة والسياسة، وواقع الأنظمة والاختيارات السياسية.

أما الإشكالية الثانية، تمثلت في إشكالية الموقف من التراث مع الجابري، تمثلت روح هذا المشروع في قراءة لم تمارس الحفر المغربي الخالص في متون الفكر الإسلامي، قدر ما حاولت إنجاز قراءة توجت رسم علاقة إيجابية مع التراث ومن منظور نقدي.

لقد توخى العروي من خلال مشروعه الثقافي الطموح الإسهام في تغيير الذهنيات وأنماط السلوك باعتبارها خطوة هامة للانخراط في الثورة الثقافية للحداثة، وتوطيد العلاقة مع مبادئ المعاصرة في المجتمعات الإسلامية، انطلاقا من وعي فكري تاريخي يواكب التطور التاريخي، وبالتالي إن تجربة التحديث تقتضي القطع نهائيا مع التقليد الذي يعتبر لحظة تكرارية، تتوخى استعادة أمجاد الماضي.

> مابين مفهوم القطيعة العروية وما بين مفهوم نقد العقل العربي جابريا نكون أمام إشكالات مختلفة لفهم الحداثة والتراث، من أي منطلق معرفي تناولت هذا الموضوع؟

< هذا الكتاب يشير إلى قضايا ناقشها مثقفون عرب على امتداد قرن ونصف من الآن والتي تخص وضع العرب الراهن في علاقته بالماضي العربي وبالحاضر الأوروبي الذي يفرض نفسه الآن.

بمعنى آخر أن الكتاب يندرج ضمن ما يمكن أن نسميه التفكير النقدي الذي أحاط به ثلة من المفكرين العرب، الموروث الثقافي للحضارة العربية الإسلامية منذ ميلادها الأول، وفي تقديري، هذا لا يعني أن الجابري يبحث عن إيجابيات ممكنة أو سجالات مقصودة أو تأويلات جاهزة، ونحن ذهبنا على نفس النهج، كما هو الحال لمجموعة من المثقفين العرب الذين تطرقوا لأشكلة الفكر العربي المعاصر، بقدر ما هو بحث نقدي في أفق صياغة إشكالية واسعة الأبعاد والمعالم، طرحت عند مفكرين آخرين بطريقة مشوهة.

فاشتغال محمد عابد الجابري على بنية العقل العربي وتفكيكه لهذه البنية ودراسته الشاملة والكلية لهذه البنية بدون شك ساعدته بشكله على تشخيص آليات الفكر العربي المعاصر، وطبعا جعلته أكثر قدوة على تشخيص مشكلات الفكر العربي، ليس المعاصر بل قديمه وحديثه، لذلك نجد دراسته لقضايا النهضة العربية والمشروع الحضاري تنطلق من رؤية شاملة، تستوفي الأبعاد التاريخية وتستشرف في الآن نفسه الآفاق المستقبلية دون تغييب بالطبع لمشكلات الحاضر لتداعياته المستقبلية ومن هنا كان منطلقنا الأساس على اختيارنا للجابري في حد ذاته.

وانطلاقا مما سبق، تتشكل الحداثة عند محمد عابد الجابري في المجال العربي والتي يمكن إجمالها في العبارة التالية: “ما ننشده اليوم من تحديث العقل العربي وتجديد الفكر الإسلامي يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية والمنهجية المعاصرة، مكتسبات القرن العشرين وما قبله وما بعده، بل أيضا ولربما بالدرجة الأولى يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون…هذه النزوعات العقلية التي لابد منها إذا أردنا أن نعيد ترتيب علاقتنا بتراثنا بصورة تمكننا من الانتظام فيه انتظاما يفتح المجال للإبداع، إبداع العقل العربي، داخل الثقافة التي يتكون منها، إنه بدون التعامل النقدي العقلاني مع تراثنا، لن نتمكن قط من تعميم الممارسة العقلانية على أوسع قطاعات فكرنا العربي المعاصر، كما أن بدون هذه الممارسة العقلانية على معطيات تراثنا لن يكون في إمكاننا قط تأصيل العطاءات الفكرية التي يقدمها، أو بالإمكان أن يقدمها قطاع آخر من فكرنا العربي المعاصر الذي يدعوا إلى الحداثة والتجديد، إنه باستعادة العقلانية النقدية التي دشنت خطابا جديدا في الأندلس والمغرب، مع ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، وبها وحدها، يمكن إعادة بنية العقل العربي من داخل الثقافة التي ينتمي إليها، مما يسمح بتوفير الشروط الضرورية لتدشين عصر تدوين جديد في هذه الثقافة”.

وبالمحصلة تتمركز أطروحة الجابري، حول نقده العقل العربي راجيا من وراء ذلك تحقيق الحداثة ولا يتأتى له هذا الأمر إلا بتدارك التأخر التاريخي الذي نعانيه انطلاقا من استدعاء العقلانية النقدية، كشرط ضروري وأساسي للتطور الدينامي والإيبستمولوجي، والثقافي، تكون منتجة للحداثة في مختلف المجالات…وبالتالي فالحداثة حسب تصور الجابري هي حداثة قائمة على تحديث التراث وأي سعي للتحديث خارج هذه القاعدة هو ضرب من العبث.

أما عن أهمية هذا النقد الذي يمارسه الجابري على العقل العربي، فإنه يعتبره أول الخطوات الضرورية لأي مشروع إصلاحي نهضوي وكل مشروع يقفز على هذه الخطوة، فمآله الفشل واجترار التخلف، لا محالة بل يعتبر هذه الممارسة النقدية، موضوعا كان يجب القول فيه منذ مائة سنة، فنقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة، وهل يمكن بناء نهضة بغير عقل ناهض عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورآه، إذ على الرغم  من كون إصلاحيي عصر النهضة قد تفطنوا إلى ضرورة التسلح بالعقل والنقد في مواجهة تحديات العصر، إلا أنهم لم يدركوا أو لم يعوا أن سلاح النقد يجب أن يسبقه ويرافقه نقد السلاح، لقد أغفلوا نقد العقل وانشغلوا بمضامين تستمر في إحياء نفسها باعتبارها مجرد نتائج لآليات جامدة، غير متجددة ومن هذا الواقع ينطلق الجابري في مشروعه النقدي، وهي نفسها الفكرة نجدها عند زميله العروي الذي لخصها في، “يعتبر المدخل الضروري لكل إصلاح حقيقي وهو الانطلاق مما نعاني منه يوميا ومن الشعور الملح والمؤلم بالإصلاح، أي بالتجديد حقا أي الهدم والبدء مجددا”.

> في اشكالية الحداثة والتراث تطرقت إلى فشل الخطاب الفلسفيّ في بلورة تصور حقيقي لفهم التراث على ضوء الحداثة فهو حسب رأيك خطاب يتجاهل، القطاع العقلاني في التراث، ويستنجد بما فيه من قطاع لا عقلانيّ، كما يرتبط بأكثر الجوانب لا عقلانية في الفكر الأوروبي المعاصر، كيف ذلك؟

الجواب عن هذا الإشكال بسيط جدًا خاصة إذا انتبهنا إلى حياتنا اليومية كم هي مليئة بصنوف عديدة من اللامعقول مما يجعلنا نطرح سؤال إشكالي يكشف بوضوح مفارقة العقل الإسلامي، أو لا يكون العقل الموروث الذي نتصوره ونرثه ونعتز به هو بالذات أصل الإحباط؟

لقد كان سؤال العروي هذا مشروعا نظرا للأدلة التي وقف عليها، وهي أدلة تؤكد ما نعيشه اليوم، وهو ما دفعنا لاستدعائه في هذا المقام ، نظرا لصعوبة توضيح مفارقة العقل الإسلامي كما تقدم به العروي بالقول ” إن تطبيق ذلك العقل المفترض لذينا  يؤدي في الغالب الأعم إلى نتائج محبطة، بمعنى أن المسلك الذي يفرضه علينا العقل كما نتصوره يقودنا إلى عكس ما تمليه علينا المصلحة البينة الواضحة والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى في تاريخنا الحديث في الحرب، في السياسة، في الاقتصاد، في التربية، في الحياة العائلية، أمام هذه النتائج السلبية المتجددة والمتوجة بالاستعمار والتبعية والتخلف نتعجب ونقول: هذه مفارقة، ثم نذهب، ونبحث عن الظروف والأسباب والدوافع…هي لعبة تستهوينا ولا نكاد نسأم منها منذ أكثر من قرن ومما يجعلنا نفهم، أن العقل الموروث الذي لطالما تصورناه، بإطلاق ونعتز به هو في الحقيقة أصل الإحباط والتخلف…

ويضيف العروي في موضع آخر، ما كنت لأكتب في هذا الموضوع، لو عدنا نعني بالعقل، في آن ما نعتقده ونقول، ما نفعل وننجز، كان ذلك حلم زعماء الإصلاح ولا يزال إلى يومنا هذا حلما غير محقق.

لأننا لحد الآن يمكن القول إننا لم نتجاوز الحداثة كإشكالية، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نعيد التفكير في إشكالية استيعاب الحداثة ضمن دائرة الصراع القائمة في وطننا وفي العالم؟

لكن يمكن طرح السؤال على هاته الشاكلة إن صح التعبير: كيف تحل إشكالية الموقف من التراث، في ظل تنامي الأطروحات الداعية إلى نوع من النصية الجديدة الرافضة للغرب؟ كيف يمكن إذن إعادة بناء هذه الإشكاليات، في ضوء مستجدات حاضرنا الفكرية والتاريخية العامة؟

لا شك أنها أسئلة تعكس لنا مسألة أساسية وهو أن التغير في التاريخ لا تحكمه حتميات مطلقة ومغلقة قدر ما تؤطره معطيات يصعب حصرها، ومعنى هذا في نهاية المطاف أن معارك الحداثة في التاريخ المغربي والعربي ما تزال متواصلة وأن حسمها لا يمكن رهنه، بمواقيت وأزمنة محددة.

تتجلى أهمية البعد التاريخي عند عبد الله العروي في البعد الراديكالي الذي يروم بلوغه بدفاعه عن ضرورة التعلم من درس الحداثة الغربية، إنه لا يتهادن وهو يدعوا في نصوصه إلى التخلص من أوزار الماضي العقائدية والفكرية، لمصلحة الحضارة الذي يعتقد بكونيتها المستقبلية، بناءً على حسابات ومؤشرات واقعية، ولعله في هذه النقطة بالذات يبحث عن النجاعة، ويرسم أدوارًا محددة لعلاقة المثقف بالتاريخ.

> هناك فقرة في كتابك أثارت فضولي وقلت فيها أن إشكالية العروي لا تكمن في التراث ذاته وإنما مع الكائنات التراثية كذلك أو ما يسميه العروي بأعداء الحداثة، ذلك الفريق الذي يدعو إلى رفض الحداثة باعتبارها لعنة ارتبطت بالاستعمار والحرب..، كيف يمكن فهم هذه الإشكالية من خلال تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة؟

< الاختيار بين النموذج الغربي والعربي، هذا السؤال باث غير مسؤول لأن هذا الاختيار أعدم بشكل ميكانيكي في الوقت الذي انصدمنا فيه بالنموذج الحضاري الغربي. لذلك نختار الحداثة أو لا نختارها أو نختار الأصالة أو لا، سؤال بات غير مسؤول مطلقا، لأن من الناحية التاريخية كدول عربية كما هي مشكلة الآن، لم تضع نفسها يوما في مسألة اختيار النموذج الذي يناسبها، لقد فرضت الحداثة نفسها علينا كدول مستعمرة نموذجا  يحتذى به في كل صغيرة وكبيرة بمعنى في كل تمفصلات الحياة الواقعية، منذ التوسع الاستعماري في القرن 19م أو القرن 20م وذلك من خلال كما يقول الجابري، التنظيم العقلاني في الشؤون الاقتصادية وأجهزة الدولة والعدالة الاجتماعية…لقد فرض الغرب نفسه علينا بوسائله، لذلك حسب الجابري فقضية الأصالة والمعاصرة هي قضية واقع جديد فرض نفسه علينا وبالتالي أصبحنا نعيش نوع من الازدواجية عصية على الفهم قطباها هما الغرب على مستوى الواقع الفعلي.

> لماذا برأيك لازالت محاولة أو إعادة قراءة النص التراثي العربي ودراسته يفتقد إلى المنهاجية الموضوعية وغير متحررة من الأوهام والتفسيرات الخاطئة والمخلة؟

< لأننا على المستوى النظري لازلنا نفكر بعقلية مرتدة إلى السلف الصالح، كما يقول الجابري، لذلك كانت الحداثة الاستعمارية منذ ميلادها الأول من داخل التربية العربية، تستنبت كل أشكال تطورها تدريجيا بتحديث هذه الدول المستعمرة في الفلاحة والصناعة والإدارة والثقافة وبالتالي كرست النموذج الذي يمكن أن يرتبط بسهولة مع الرأسمالية ما بعد الاستعمار، لهذا حسب الجابري لم تستطيع الحركات الثورية التحررية أن تحقق نهضة لدول ما بعد الاستعمار وحسب اعتقاده، لا يرتد الأمر إلى عائق ذاتي وإنما إلى عائق خارجي يكمن في دول الاستعمار نفسها، التي ربطت بلدان العالم الثالث بمراكز الهيمنة في أوروبا والنتيجة تبعية شاملة في كل تمفصلات الحياة.

> مفهوم القطيعة اﻹبستيمولوجية تتقاطع بين العروي والجابري من أي زاوية تناولت هذا الموضوع؟

إن الجابري ما اهتم بالإيبستمولوجيا كأبستمولوجيا في حد ذاتها وإنما اهتم بما يخدم مشروعه، فكان أوجه اهتمامه إلى نحو الابستمولوجيا الفرنسية بداية ونحو مفكرين ابستمولوجيين محددين ونحو مفاهيم إبستمولوجية مخصوصة.

< ما يمكن قوله أن الهاجس الابستمولوجي لم يشكل هدفا في حد ذاته، بالنسبة للأستاذ الجابري بل اتخذ طابعا إجرائيا، ووظيفيا يعامل من خلاله الاشتغال على مشروع نقد العقل العربي وهو المشروع الذي استهدف النظر في الآليات المنطقية والمعرفية التي أعملها العقل العربي القديم، مما يؤسس بذلك لإمكانية إعمال منهج النظر الابستمولوجي أو البحث عن النظم المعرفية التي أسست العقل العربي.

فاعتماد الجابري للآليات والمفاهيم والوسائل الابستمولوجية كان توظيفا إجرائيا لتحليل بعض القضايا المتعلقة بالتراث الفلسفي، الأمر الذي جعل مفاهيم الإشكالية الابستمولوجية تظهر عناصر مؤسسة ضمن الإشكالية التراثية. حيث يترجم هذا الاهتمام من طرف الجابري تبيئة مفاهيم إبستمولوجية داخل التراث، بأهمية استيعاب الفلسفي للعلوم، فالفلسفة حسب الجابري كانت تستند دوما إلى علوم عصرها لتستوحي منها قضاياها ومبادئها. وقد رأى بذلك الجابري أن هناك رؤية موجهة سواء في العرض أو التحليل أو النقد، رؤية تستمد مقوماتها ومؤشراتها من الفكر التقدمي المعاصر، الفكر الذي يكرس العلم والمعرفة العلمية، لخدمة الانسان وتطوير وعيه وتصحيح رؤاه.

أما تجربة التحديث عند العروي تقتضي بشكل نهائي القطع مع التقليد، الذي يعتبر لحظة تكرارية، تتوخى استعادة أمجاد الماضي.

وبالتالي يمكن القول، أن المشروع الثقافي البديل الذي يقترحه العروي يبنى على أساس فكري تاريخاني يؤمن بقدرة الانسان على الابداع تجاوزًا للتقليد، مما يساعد على الانفتاح على مكاسب الحداثة كما بلورها الغرب الأوروبي الحديث والمعاصر، حيث أن تجربة التحديث التي يتعين على المجتمعات العربية أن تمر منها تتطلب أساسا القطع مع منطق التقليد والذي يشكل لحظة تكرارية لمشروع الفكر السلفي.

وعلى هذا الأساس أعيد الفكرة التي سبقت الإشارة إليها وتعتبر المحفز الحقيقي لهذا العمل المتواضع، حيت تعتبر المدخل الضروري لكل إصلاح حقيقي، حسب العروي وهو الانطلاق مما نعاني منه يوميا ومن الشعور الملح والمؤلم بالإصلاح، أي بالتجديد حقا أي الهدم والبدء مجددا.

> كلمة ختامية

< ما أود الإشارة إليه، أن فكرة البحث في هذا الموضوع لم تكن اعتباطية وإنما جاءت نتيجة قراءات لمثقفي الفكر العربي المعاصر وحتى لا أدخل في تفاصيل هذا الاختيار والميول للأستاذين العروي والجابري سأكتفي بعبارة قرأتها في نصوص الأستاذ العروي وأنا تلميذة البكالوريا وشكلت منعتق فكريًا لي وكانت الحاسمة في اختياره عن غيره، وهي أن دعاة السلفية الذين يؤمنون بابتعادنا عن النص الديني ، يقول لهم “إن المجتمع الأبعد عن العقل، أي أوربا الغربية، هو الذي تمكن من تحقيق الممكن، في حين أن المجتمع الأقرب إلى العقل نظريا، أي الإسلامي هو الذي توقف عند آخر عقبة، كانت تفصله عن اكتشاف عالم جديد، مما يحيل أن انعدام إعمال العقل وتوظيفه توظيفا نقديا يجعل يقينه حاصل قبل النظر”. وهي الفكرة الجريئة التي دفعتني إلى التوجه بالحفر في أفكار هذا الرجل إيمانا مني بدعوة متواضعة للإصلاح في واقع متناقض كعالمنا العربي ولو من خلال محاولة بسيطة في إعادة فتح النقاش في أفكار مفكرين من طينة العروي والجابري.

مما يكشف من جهة، قدرة الشخص على الفهم الجيد لمشاكل الواقع العربي وللذهنية العربية، ولجرأته على نقده الصريح للأستاذ الجابري مما خلق حوارا رصينا مكملا لأفكار الهم الإصلاحي ومشاركا فيه إيجابيا أكثر من تقويضه لأفكار زميله الجابري. فجرأة العروي تظهر في طرحه الفكري ضمن ما يمكن تسميته بالنقد الثقافي للتاريخ والسياسة والنماذج والأنماط الثقافية والأطر الذهنية الواعية واللاواعية التي تتحكم في مسارات الثقافات والمجتمعات، ومن هنا جاء تركيزنا على هذه الشخصية المفكرة لقدرته الرصينة على صياغة نمذجة لأنماط المثقف في المجتمع العربي من الفقيه إلى المثقف التقني، إلى السياسي وهي الصياغة التي تحكمت في اشتغال المثقفين المغاربة والعرب على صورة المثقف في المجتمع الحديث.

أخيرا ما أدعوا إليه بلسان العروي هو ضرورة إعادة النظر مرة أخرى في الانخراط الفكري في تاريخ لم نصنعه ولكننا مطالبون اليوم أكثر مما سبق على فهمه واستيعابه لنتمكن من الانفتاح على الانسانية في بعده الشمولي الكوني، إيمانا مني العميق بتجاوز التقليد الذي يجعلنا معاصرين من الداخل دون أن يتمكن عقلنا من إدراك المآل الذي انتهينا أو سننتهي إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق