آراء

مسار الحضارة

عماد البليك

لكل ما يدور حولنا في هذا العالم طبقتان، ما هو مرئي وما هو غير مرئي، أو غائب. عالم الشهادة وعالم الغيب. الوعي واللاوعي. يبدأ الإنسان في استكشاف الحياة من خلال الحضور، ومن ثم يبدأ في الإدراك بأن وراء عالم الحضور، يكمن عالم آخر، فيه تمثلات لم يكن له أن يختبرها أو يعرفها من قبل، وتكون المعرفة الإنسانية طريقاً متواصلاً نحو التبصر والمزيد من الوعي والإلمام بالحياة والعالم.

هناك من يتوقف في أول الطريق، وهناك من يواصل إلى اللحظة التي يكون فيها فاعلاً في هذا العالم، مكتشفاً أو مخترعاً أو مبدعاً، يعمل على تشكيل الإضافة أو الإبداع الذي يجعل لهذا الكون دلالة جديدة، وهذا لا يحصل بشكل مجرد إلا من خلال وعي النواميس السرية لحركة الوجود والأشياء، أي أن تحلل الذات وترى ما لا يراه الآخرون، بأن تنفذ في طبقات العلم والمعرفة والأشياء.

يستطيع المبدع أو المخترع أن يعيد تركيب العلاقة بين الأشياء العادية ليرسمها أو يضعها في علاقات جديدة، غير مسبوقة، بحيث يوجد لها كذلك وظائف جديدة، وهذا السلوك في أبسط صوره إلى أن يتعقد يُشكّل ما يعرف بمسار الحضارة أو التحضر، أي القدرة على التوليف وإعطاء صورة جديدة للعالم من حول الإنسان.

في إنماط المعرفة الحديثة يتربى الإنسان على أسلوب المدرسة والمنهج ووعي المفاهيم والقيم، كيف يمكن أن يكون فاعلاً في حياته؟ كيف يمكن له أن يشكّل قيمة مضافة للعالم لا خصماً عليه؟ وهذا يتم بناء على الأنظمة التربوية والتعليمية وكافة المؤسسات التي يوجدها المجتمع وتحضر بها الدولة ككيان له دور في صياغة الإنسان، ومن قبل ذلك القيم الخالدة والأخلاق والتربويات العلية والأديان.

هذه الحركة باتجاه تنميط الإنسان أو الكائن البشري ووضعه في كينونة الوعي المستمر، بحيث يصبح فاعلاً في إطار معين من النظام، هي محصلة لحقب طويل من المسار البشري، عبر التاريخ، من اختراع النار إلى العصر الحديث، حيث كل معرفة جديدة هي محاولة لتوصيف العالم ووضعه في قوالب تعمل على تعريفه ووعيه في مسار محدد. وإذا كان ذلك جيداً ويصب في النظام والمؤسسة وزرع المفاهيم الواحدة للكل، إلا أنه مع مرور الحقب يحدث أيضا العكس تماما، بحيث تصبح عملية الحضارة والإبداع والإضافة لها مسار عكسي في هدم المؤسس له، وهنا ينشأ صراع الحيوية الحضارية، ما بين أن يبقى هذا ويفنى ذاك، ما بين قيمة جديدة وأخرى قديمة، ما بين المرئي واللامرئي مجدداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق