ثقافة وفن

في حوار مع الباحث والأكاديمي المغربي د. إدريس جنداري

الأجندة النيوكولونيالية من مبدأ تقرير المصير إلى شرعنة الانفصال

تحولت الدعوات الانفصالية، عبر العالم، إلى إيديولوجية متكاملة العناصر، يتم الترويج لها كآلية جديدة يعتمدها الاستعمار الجديد لتصفية الحساب مع تاريخ المقاومة، الذي أرغم القوى الامبريالية الكبرى على الخضوع لإرادة الشعوب المستعمرة. ولذلك، نجد هذه الدعوات تنتشر، بقوة، في علاقة بالامتداد الإفريقي-الأسيوي الذي كان مسرحا للحركات الاستعمارية. وفي هذا السياق يحضر العالم العربي، في منظور الاستعمار الجديد، كخارطة متحركة لم يتم بعد رسم حدودها، فمنذ اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت العالم العربي على المقاس الاستعماري، منذ هذا التاريخ والمنطقة العربية تحت المجهر تواجه مخططات التقسيم.

وضمن هذا السياق، كان المغرب أكبر ضحية للمخططات الاستعمارية، قديمها وجديدها، فمنذ فرض السيطرة الفرنسية على الجار الجزائري سنة 1830 واستماتة المغاربة في الدفاع عن سيادتهم الوطنية وحماية حدودهم، منذ هذا التاريخ تحالف الاستعمار الاسباني مع حليفه الفرنسي لتقطيع المغرب وتجزيئه، كمرحلة أولى، لفرض السيطرة الاستعمارية الكاملة، فيما بعد. فقد فتت الاستعمار الفرنسي والاسباني الوحدة الترابية (..) للمغرب الأقصى الذي بقي وحده صامدا في وجه الاستعمار إلى سنة 1912 رغم سقوط كافة الأجزاء الأخرى من المغرب العربي تحت الاحتلال الأجنبي، ولكن تمديد استقلال المغرب كان على حساب وحدته الترابية.

وقد أدى المغرب ضريبة باهظة الثمن على استماتته في مواجهة القوى الاستعمارية، واستمر الأمر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال؛ حيث ظلت أجزاء شاسعة من التراب المغربي تحت الهيمنة الاستعمارية الاسبانية، سواء تعلق الأمر بالمدينتين السليبتين (سبتة ومليليه) وباقي الجزر، أو تعلق الأمر بالجنوب الغربي للصحراء المغربية، هذا الإقليم الذي لم يتم استرجاعه، ولو جزئيا، إلا سنة 1975. لكن هذا الاسترجاع ظل رهينة التوازنات الدولية والإقليمية المتصارعة التي زرعت لغما انفصاليا في الرمال المغربية، ما زال يهدد السيادة المغربية بالانفجار في كل حين.

وفي هذا الإطار نستضيف الباحث والأكاديمي المغربي الدكتور إدريس جنداري والذي سيفكك لنا عناصر اﻷطروحة الانفصالية كآلية مؤدلجة من الاستعمار الجديد من خلال كتابه ودراسته الاكاديمية والموضوعاتية القيمة “الأجندة النيوكولونيالية من مبدأ تقرير المصير إلى شرعنة الانفصال” و محور تطبيقي تم من خلاله تناول تجارب دولية و عربية كانت ضحية إيديولوجيا الانفصال، وصولا إلى التجربة الوطنية في علاقة بالصحراء المغربية، حيث تم التركيز على المستندات التاريخية و السياسية التي تؤكد مغربية الصحراء، مرورا بظروف تأسيس جبهة البوليساريو و علاقة ذلك بالمصالح الاستعمارية الإسبانية و التوسعية الجزائرية، وصولا إلى تناول السقوط المدوي لإيديولوجيا الانفصال في الصحراء المغربية من خلال تحول جبهة البوليساريو إلى الاستثمار في الإرهاب و التهريب بعد فشلها المدوي في منازعة المغرب لحقه في امتداده الصحراوي.

في هذا الحوار ولأول مرة سيتحدث لنا د إدريس جنداري عن هذا الموضوع من خلال دراسته لمبدأ تقرير المصير وشرعنة الانفصال ويعتبر د جنداري من أبرز الباحثين المغاربة والذي نشرت له مجموعة من الدراسات الأكاديمية في مجلات أكاديمية محكمة: كمجلة عالم الفكر ( مجلة فكرية) ومجلة وجهة نظر (مجلة سياسية) ومجلة اﻷزمنة الحديثة (مجلة فكرية ).وغيرها  كما أنه باحث مساهم في المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات وباحث مساهم في مركز مؤمنون بلا حدود للدراسات و البحوث.

كما أن له عدة إنتاجات فكرية من أبرزها المسألة السياسية في المغرب- من سؤال الإصلاح إلى سؤال الديمقراطية وكتاب من أجل مقاربة فكرية لإشكاليات الربيع العربي.

حاوره عبد الحي كريط

> في البداية نود، و من خلالنا القراء، التعرف عليكم و على الدوافع التي جعلتكم تختارون موضوع الأطروحة الانفصالية، كإيديولوجيا فرضها الاستعمار الجديد، كموضوع للتأليف، و ما علاقة مشكلة الصحراء المغربية بهذه الأطروحة/الإيديولوجيا ؟

< أولا، أتشرف بالتعامل مع جريدتكم التي تقدم تجربة إعلامية بديلة ورائدة، ومن خلالكم أتوجه بالتحية لقرائكم ومتابعيكم. بخصوص مساري البحثي، فأنا حاصل على شهادة الدكتوراه تخصص سوسيولوجيا الأدب من جامعة محمد الخامس بالرباط، لكني و بحكم الانفتاح المنهجي على مجال الدراسات السوسيو-ابستملوجية فقد قادني هذا الاهتمام إلى انفتاح آخر على مجال بحثي أثير لدى الدارسين الأنجلوسكسونيين، يتعلق الأمر بمجال دراسات ما- بعد الاستعمار التي تهتم بدراسة و تحليل الإرث السلبي الذي خلفته المرحلة الاستعمارية سواء على المستوى الرمزي من حيث ترسيخ عقلية التبعية والدونية لدى الشعوب التي كانت مستعمرة، و كذلك على المستوى المادي حيث لم يتم حسم مسألة الاستقلال في الكثير من الدول التي كانت مستعمرة. من هنا جاء انشغالي بالأطروحة الانفصالية التي تم ترسيخها من طرف القوى الاستعمارية لعرقلة استكمال الدول التي كانت مستعمرة لوحدتها الترابية. و يعتبر المغرب ضحية هذه الأطروحة، فبعد مسار نضالي ناجح قادته الحركة الوطنية بشراكة مع المؤسسة الملكية ضمن ما أطلق عليه ثورة الملك و الشعبـ، تمكن المغرب من انتزاع استقلاله سنة 1956 لكن هذا الاستقلال ظل ناقصا و لم يكتمل، حيث ظلت مجموعة من أجزاء التراب الوطني تابعة للاستعمار الإسباني بشكل خاص، منها مدينتا سبتة و مليلية و مجموعة من الجزر، بالإضافة إلى الصحراء الغربية التي انتزعها المغرب في إطار استكمال وحدته الترابية عبر تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975 و هذا ما لم يرق للمستعمر الإسباني الذي بذل قصارى جهده لاستعادة السيطرة الاستعمارية على هذا الامتداد الترابي المغربي. وهكذا استعان بمجموعة من العملاء الصحراويين الذين وظفهم، بتنسيق مع النظام العسكري الجزائري، من أجل خلق جبهة البوليساريو التي أنيطت بها مهمة استخباراتية قذرة تتجلى في منازعة المغرب حقه في الصحراء بدعوى تقرير مصير (الشعب الصحراوي)!

>بعد هذا التقديم الموجز لمساركم البحثي وعلاقته بإشكالية الكتاب، نود الانتقال بكم، ومن خلالكم بالقراء، إلى عرض موجز لكتابكم. ما هي خلفية اختيار العنوان؟ وما هي أهم المحاور التي تطرقتم لها في الكتاب؟

< بخصوص عنوان الكتاب ” الأجندة النيوكولونيالية من مبدأ تقرير المصير إلى شرعنة الانفصال: مشكلة الصحراء المغربية نموذجا” فهو من جهة أولى يستحضر الخلفية النظرية المؤسسة لإيديولوجيا الانفصال التي وظفتها القوى النيوكولونيالية من أجل تحقيق الاستدامة لمشروعها الاستعماري. وهو من جهة ثانية يستحضر الصحراء المغربية كنموذج لإيديولوجيا الانفصال ضمن مخططات الاستعمار الجديد (النيوكولونيالية اختصارا). أما بخصوص المحاور التي تطرق لها الكتاب فقد تم تقسيمها إلى محور نظري تم من خلاله عرض إيديولوجيا الانفصال ضمن مشروع الاستعمار الجديد. و محور تطبيقي تم من خلال تناول تجارب دولية و عربية كانت ضحية إيديولوجيا الانفصال، وصولا إلى التجربة الوطنية في علاقة بالصحراء المغربية، حيث تم التركيز على المستندات التاريخية و السياسية التي تؤكد مغربية الصحراء، مرورا بظروف تأسيس جبهة البوليساريو و علاقة ذلك بالمصالح الاستعمارية الإسبانية و التوسعية الجزائرية، وصولا إلى تناول السقوط المدوي لإيديولوجيا الانفصال في الصحراء المغربية من خلال تحول جبهة البوليساريو إلى الاستثمار في الإرهاب و التهريب بعد فشلها المدوي في منازعة المغرب لحقه في امتداده الصحراوي

> في كتابكم أشرتم إلى أن المغرب كان أكبر ضحية للمخططات الاستعمارية قديمها وجديدها، كيف ذلك؟

<هذه حقيقة تاريخية ومعطى سياسي لا جدال حوله، فنظرا لعمقه الحضاري وموقعه الجغرافي الاستراتيجي كان المغرب أكبر ضحية للمخططات الاستعمارية، قديمها وجديدها، فمنذ فرض السيطرة الفرنسية على الجار الجزائري سنة 1830 واستماتة المغاربة في الدفاع عن سيادتهم الوطنية وحماية حدودهم، منذ هذا التاريخ تحالف الاستعمار الاسباني مع حليفه الفرنسي لتقطيع المغرب وتجزيئه كمرحلة أولى، لفرض السيطرة الاستعمارية الكاملة فيما بعد.

وقد أدى المغرب ضريبة باهظة الثمن على استماتته في مواجهة القوى الاستعمارية، واستمر الأمر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث ظلت أجزاء شاسعة من التراب المغربي تحت الهيمنة الاستعمارية الاسبانية، سواء تعلق الأمر بالمدينتين السليبتين (سبتة و مليلية) و باقي الجزر، أو تعلق الأمر بالجنوب الغربي للصحراء المغربية، هذا الإقليم الذي لم يتم استرجاعه، و لو جزئيا، إلا سنة 1975. لكن هذا الاسترجاع ظل رهينة التوازنات الدولية والإقليمية المتصارعة التي زرعت لغما انفصاليا في الرمال المغربية، ما زال يهدد السيادة المغربية بالانفجار في كل حين.

> في أحد محاور كتابكم تحدثتم عن جبهة البوليساريو الانفصالية، والتي وصفتموها بأنها، في الاصل، تجسيد لطموح استعماري قديم للقوى الكولونيالية وأيضا تجسيد لطموح توسعي إقليمي تقوده الجزائر، كيف ذلك؟

< جبهة البوليساريو، التي تدعي تمثيلها لإقليم الصحراء المغربية، ليست في الأصل إلا تجسيدا لطموح استعماري قديم كان يسعى إلى عرقلة استقلال المغرب، كما تحضر كتجسيد لطموح توسعي إقليمي تقوده الدولة الجزائرية الوليدة والمسلحة بأساطير متعالية تسعى من خلالها إلى إثبات شخصيتها الوطنية. وإذا تجاوزنا هذا السياق الدولي والإقليمي، يجب أن نعترف بأن قادة البوليساريو هم، في الأصل، مواطنون مغاربة يمثلون أجندة لا-وطنية معادية، وذلك في انسجام مع تصورهم الثوري المعادي للأنظمة الملكية في العالم، هذا التصور الإيديولوجي الذي وجد من يحتضنه وينميه خدمة لأجندة استعمارية وتوسعية، لا تخدم قادة الجبهة الانفصالية بقدر ما يخدم أعداء الوطن الاستعماريين والتوسعيين.

>كلمة ختامية

< ختاما، أود أن أجدد شكري لجريدتكم على هذه الالتفاتة، ومن خلالكم أتوجه لقرائكم ولعموم المغاربة بخالص التهاني على الإنجازات الديبلوماسية الكبيرة التي يحققها وطننا في علاقة بامتداده الترابي الصحراوي، وذلك بعد ما انكشف زيف الأطروحة الانفصالية، حيث انفضحت القوى الدولية والإقليمية التي استثمرت، لعقود، في مشروع الانفصال الخاسر. اليوم، بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء و مسارعة مجموعة من الدول إلى فتح قنصليات تمثيلية لها بالصحراء المغربية، يجب على المغرب أن يستكمل وحدته الترابية من خلال التقدم إلى اللجنة الرابعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار بملف متكامل حول الثغرين المحتلين (سبتة و مليلية) و الجزر المحتلة، فالمرحلة تخدم مصالحنا بعد ما تعرض له الاتحاد الأوربي من أزمات تهدد وحدته، و بعد ما تعيشه إسبانيا من تحديات انفصالية داخلية و تحديات اقتصادية خارجية، كل هذا يحدث خلال مرحلة نحن الأقرب فيها إلى مصدر صناعة القرار الدولي في واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق