سياسة

جنوب السودان… كأنه لم يكن استقلالاً

خاض جنوب السودان حربين أهليتين راح ضحيتهما ملايين الأشخاص، حتى كان الطلاق الرسمي مع الشمال في 9 تموز (يوليو) 2011. لكن فرحة سكان الجنوب بالاستقلال لم تدم كثيراً بفعل النزاع على السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار، وهما من قادة الحرب ضد الشمال.

وخاض الرجلان حرباً أهلية أوقعت مئات آلاف القتلى وملايين المشردين، وحالت دون تحقيق أي من مشاريع التنمية، واضطرت الأمم المتحدة إلى فرض حظر على تصدير السلاح إلى جوبا بينما قادة الحرب الأهلية يخضعون لعقوبات أميركية وأوروبية.     

وبعد مضي ثلاثة أعوام على اتفاق سلام هش بين سلفا كير ورياك مشار، لا يبدو أن أي نقلة نوعية قد تحققت على طريق وضع البلاد على مسار التنمية أو بما يشجع الدول الأجنبية على الاستثمار في منطقة تحوز ثروة نفطية ضخمة، كان في إمكانها أن تغير مجرى حياة السكان.   

وبعد عشرة أعوام على الاستقلال تظهر أرقام المؤسسات الدولية أن جنوب السودان يرزح تحت وطأة كارثة اقتصادية واجتماعية وانقسام سياسي لا فكاك منه.    

ومنذ اتفاق السلام سنة 2018، انخفض انتاج النفط إلى نحو نصف ما كان عليه تقريباً قبل الحرب. وبينما كان من المتوقع أن ينمو إجمالي الناتج الداخلي إلى 7.9 في المئة العام الماضي، تباطأ ذلك جرّاء فيروس كورونا وتواصل عدم الاستقرار، على رغم أن التضخّم انخفض كثيراً عن ذروة عام 2019 عندما بلغت نسبته 170 في المئة.

ويعاني جنوب السودان أيضاً من الفساد، بحسب منظمة الشفافية الدولية، التي تضعه في المرتبة 178 من 180 على مؤشرها.

ولا تنتهي المعاناة عند هذا الحد، إذ تضع هذه الظروف جنوب السودان في المرتبة 185 من بين 189 دولة على مؤشر التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة.

ويواجه أكثر من 60 في المئة من السكان الجوع الشديد جرّاء تداعيات الحرب والجفاف والفيضانات.

ويعيش أربعة من كل خمسة من سكان جنوب السودان البالغ عددهم 11 مليوناً في «فقر تام»، وفق بيانات البنك الدولي للعام 2018.

لم يفعل سلفا كير ورياك مشار شيئاً لتغيير هذا الواقع المزري. والحرب الأهلية يمكن أن تتجدد في أي لحظة، بينما بدد صراعهما السياسي-القبلي (الأول ينتمي إلى قبيلة الدنكا والثاني إلى قبيلة النوير)، آمال السكان بالحد الأدنى من العيش الكريم أو جني فوائد الإستقلال.   

وفي 11 نيسان (أبريل) 2019، يتذكر العالم كيف جثا البابا فرنسيس على ركبتيه ليقبل قادة زعماء جنوب السودان الذين استقبلهم في الفاتيكان، كي يحضهم على عدم العودة إلى الحرب الأهلية.

لكن هذه اللفتة البابوية لم تؤثر كثيراً لجهة جعل قادة جنوب السودان يضعون خلافاتهم جانباً ويلتفتون إلى خير الناس. وقبل أيام وعد البابا بزيارة جنوب السودان في حال تحقق تقدم على صعيد المصالحة والبدء في انتشال هذا البلد من مآسيه.

الصراع على السلطة الذي يستبد بسلفا كير ورياك مشار، يبدو أكبر من أن تعالجه مناشدة البابا أو العقوبات الدولية. وعبر مجلس كنائس جنوب السودان عن مرارة الناس في عشرية الإستقلال بقوله: «ليس هناك الكثير للإحتفال به».   

نعم، أبتلي جنوب السودان بنزاع دموي لا يقل مأسوية عن صراعه السابق للانفصال عن الشمال. قبل عشرة أعوام كان  عنوان الشكوى، اضطهاد الحكومات الشمالية وممارسة التمييز بحقهم. وها هم اليوم يعانون الأمرين على أيدي زعماء لا يمكن وصفهم إلا بأنهم أمراء حرب أكثر منهم رجال دولة.   

إنها عشرية ضائعة، نهشتها أطماع ضيقة وداسها سباق المكاسب الشخصية والأنانية الفردية باسم الدفاع عن حقوق هذه القبيلة أو تلك.    

( نقلا عن النهار)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق