سلايدرسياسة

روسيا تصدم مصر والسودان في مجلس الأمن … ماذا جرى في الكواليس؟

محمد حسين أبو الحسن

الأسبوع قبل الماضي، حذرت روسيا على لسان الرئيس فلاديمير بوتين من أنها ستقصف أي سفينة حربية تابعة لحلف “الناتو” تقترب “مجرد اقتراب” من شاطئ القرم. لذلك غرت أفواه ملايين المصريين والسودانيين، وهم يتابعون جلسة مجلس الأمن الدولي، الأسبوع الماضي، حول سد النهضة، عندما جاء الدور على المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا، فألقى كلمة اعتبرها كثيرون انحيازاً ضد المصالح المصيرية لدولتي المصب، وتبنياً للادّعاءات الإثيوبية؛ بل إنه حذر من استخدام القوة، في ظل تلويح القاهرة بالخيار العسكري؛ لمنع “التهديد الوجودي” الذي يمثله السد على النيل الأزرق شريان حياة الشعبين … عشرات الأسئلة أثقلت عقول المصريين وقلوبهم، حول ما اعتبروه “صفاقة روسية” جارحة، وهم الذين عوّلوا على أن تكون موسكو مناصراً لوطنهم، فماذا حدث يا ترى في كواليس تلك الليلة، وإلى أي اتجاه تقود المؤشرات؟

مكانة عاطفية

تتمتع روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي السابق بمكانة عاطفية، لدى جموع الشعب المصري. لم ينسوا أنه في عام 1956 هدد الاتحاد السوفياتي بقصف عواصم أوروبية إن لم ينسحب العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) من قناة السويس وسيناء، فانصاعت القوى الاستعمارية للمطلب السوفياتي (والأميركي) وانسحبت، بينما خرج جمال عبد الناصر بطلاً قومياً ذا شعبية طاغية، بين المصريين والعرب ودول العالم الثالث. راهن عبد الناصر على التنافس بين الأقطاب في عالم ذاك الزمان، بالمثل في معركة السد العالي المشروع الأهم عالمياً في القرن العشرين … كان للسوفيات دور مشهود بتمويل السد وبنائه الذي بات ملحمة وطنية عابرة للأجيال، يحمي مصر من الفيضانات ويوسع الرقعة الزراعية. كما أمد الاتحاد السوفياتي الجيش المصري بمنظومات أسلحة متطورة، بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967، ما مكّنه من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف أقوى خط دفاعي ومعه أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.

وكان الرئيس الراحل أنور السادات قد استبق الحرب بطرد الخبراء السوفيات من مصر، ثم عقد اتفاق سلام مع إسرائيل، بوساطة حصرية أميركية، وانخرطت القاهرة الساداتية في مطاردة النفوذ السوفياتي في إفريقيا، عبر “نادي السفاري”، تحديداً في إثيوبيا. أيضاً دعمت الجهاد الأفغاني ضد الغزو السوفياتي، بأوامر أميركية وتمويل خليجي، وكان ذلك من أسباب زوال الاتحاد السوفياتي.

للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقولة شهيرة: “إن أكبر خسارة منيت بها روسيا في تاريخها هو انهيار الاتحاد السوفياتي”. شكلت لحظة الانهيار عقل بوتين، ورسّخت عقيدة الانتقام لديه لكرامة روسيا ممن أهانوها. وفق هذا التصور، ينظر البعض في روسيا إلى السياسة المصرية بريبة، بسبب “التجربة الساداتية” مع الاتحاد السوفياتي؛ من دون تعويل كبير على إمكانات تطور العلاقة إلى حد الشراكة الاستراتيجية، برغم أن موسكو رحبت بالإطاحة بحكم جماعة “الإخوان”، بعد ثورة 30 حزيران (يونيو)، ودعمت القاهرة، وصولاً إلى إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي، عندما كان وزيراً للدفاع ترشحه للرئاسة من موسكو. وكان فلاديمير بوتين أول رئيس لدولة كبرى يزور مصر بعد انتخاب السيسي.

الآمال الكبرى

علّقت روسيا آمالاً كبيرة باستعادة حضورها في مصر والإقليم، لا سيما مع تدهور علاقات القاهرة مع الغرب. رغبت روسيا في حيازة موطئ قدم “استراتيجي” في الشرق الأوسط وإفريقيا ارتكازاً إلى مصر، قدمت لها منظومات أسلحة متطورة، مثل: مقاتلات “ميغ – 35″ و”سوخوي – 35” وصواريخ “إس-300″… وزودتها بالقمح، وملايين السائحين واستثمارات في محور قناة السويس المحطة النووية بالضبعة في صفقات بعشرات مليارات الدولارات، واستوردت منها منتجات زراعية وصناعية، لكن عودة الدفء للعلاقات الأميركية – المصرية، في عهد دونالد ترامب، وسقوط طائرة الركاب الروسية بعملية إرهابية في سيناء 2015، وعدم رغبة القاهرة في التماهي مع موسكو في ملفات الإقليم، ألقى بظلاله على علاقات الدولتين.

يحترم نظام بوتين خصومه الذين يمتلكون أنياباً ومخالب يمكن أن تؤذي المصالح الروسية حال اختلف معهم، فهناك أكثر من صديق ربما يكون الأقرب إلى مواقف روسيا لكنه بلا فاعلية. لا يؤمن بوتين إلا بالقوة، لظروف تاريخية وموضوعية، يذهب بعض النخبة الروسية إلى أن القاهرة لا يمكنها أن تكون مصدر إرعاج لموسكو فتخشاها، وليست لديها جائزة تقدمها؛ فتنجذب إليها. يؤكد ليونيد سافين المفكر السياسي الروسي أنه لم يعد لدى القاهرة شيء إضافي تأمل موسكو فيه، أو تخشى منه، في ثنايا المعادلات الراهنة في الإقليم.

وفي تفسير ذلك يوضح الدكتور عاطف معتمد خبير العلاقات المصرية – الروسية أن الروس راقبوا ما يجري في مصر، وتأكدوا أن العلاقات المصرية – الأميركية أو المصرية – الأوروبية أقوى من العلاقات المصرية – الروسية، وأن شيئاً لم يتغير تقريباً منذ زمن السادات. وهو ما انعكس على خطاب المندوب الروسي في مجلس الأمن. بدت روسيا منحازة لإثيوبيا، على الرغم من أن العلاقات المتنامية بين موسكو والقاهرة والخرطوم، لا يمكن مقارنتها بنظيرتها مع أديس أبابا. اللافت أن النخب الروسية تتعاطف مع القاهرة، وقد شبّه الكاتب الروسي ميلوسلاف يانوبولسكي، مساعي إثيوبيا لبناء السد، من دون اتفاق مع مصر والسودان، بالسياسة العدوانية للحكومة الأوكرانية تجاه سكان القرم، عبر بناء سدود تحرمهم من حقهم في المياه.

تدرك روسيا أنها لا تملك وصفة لحل الخلاف بين أطراف سد النهضة، مصر تفضل الوساطة الأميركية – الأوروبية، وإثيوبيا لا ترضى إلا بالاتحاد الأفريقي الذي تسيطر عليه، بوصفها دولة المقر، وفي كل الأحوال لا تمتلك موسكو بعد نفوذاً يمكنها من فرض رؤيتها لحل صراع معقد مثل سد النهضة. وقد حاولت التوسط في الأزمة خلال القمة الروسية – الأفريقية، في سوتشي عام 2019، لكنها لم تجد آذاناً صاغية من الطرفين، لذلك سواء أيدت موقف القاهرة والخرطوم أو أديس أبابا، فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً، ولكن اتخاذها موقفاً منحازاً لإثيوبيا، قد يكون في المقام الأول “ورقة ضغط” على كل من القاهرة والخرطوم في قضايا تهم موسكو بشدة، مثل ليبيا وسوريا وغاز شرق المتوسط والتسلح والقواعد أو التسهيلات العسكرية، وفرملة اندفاعة مصر وكذلك السودان صوب الحضن الغربي.

حجر الزاوية

ومن الجائز أن يكون موضوع القاعدة العسكرية الروسية على ساحل البحر الأحمر في السودان “حجر الزاوية” في الانحياز الروسي إلى إثيوبيا، فقد تم الاتفاق على إقامة هذه القاعدة منذ أيام البشير، بيد أن الحضور الأميركي القوي في الخرطوم حالياً، ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم إسقاط 90 في المئة من ديونه الخارجية في مؤتمر باريس، والدعم الغربي للمرحلة الانتقالية، ما جعل السودان يحاول التنصل من إقامة القاعدة الروسية على أراضيه؛ الأمر الذي أغضب موسكو التي رأت أن حلم القياصرة منذ بطرس الأكبر، في الوصول إلى مخفر أمامي؛ حيث المياه الدافئة ومنابع النفط، للمرة الأولى في تاريخها، يكاد يتبخر بعدما شرعت في تحقيقه، ومن هنا يمكن فهم لماذا بادرت وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي إلى زيارة موسكو، بعد جلسة مجلس الأمن.

تتلمس روسيا خطاها إلى قلب أفريقيا والبحرين المتوسط والأحمر والمحيط الهندي، تتنافس مع بقية اللاعبين، لا سيما أميركا ودول أوروبا والصين والهند وتركيا، استثماراً لثروات القارة السمراء البكر، يرى الكرملين إثيوبيا أرضاً ممهدة للحضور الجيوسياسي الروسي، وورقة ضغط على مصر والسودان في ملفات أخرى، يصعب على موسكو انتظار خروج الدولتين من الفلك الأوروأميركي، وفي المقابل تستغل الجفاء الأميركي مع أديس أبابا بسبب جرائم حرب إقليم تيغراي، لتكسبها إلى صفها، وقد بدأت شركة روس آتوم، مفاوضات مع الحكومة الإثيوبية، لبناء محطة نووية ومشروعات للسكك الحديدية والزراعة والتسلح، ولا وجه للدهشة هنا، إذ تتصرف روسيا – بوتين بكل براغماتية، لا تفهم إلا لغة المصالح، تؤمن بأن لكل شيء ثمنه… الدفع في مقابل الدعم، وإلا فلا!

(٭ عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق