سياسة

سفينة بَوْح

(فوبيا) إحباط ما بعد الثورة ...!

هيثم الفضل

من الطبيعي أن تُسيطِّر الأحلام الوردية على (خيالات) الذين كانوا طيلة حياتهم يتمنَّون ويترقَّبون سقوط الإنقاذ البائدة  وعودة عهد الحريات والسلام والعدالة ودولة المؤسسات ، ومن الطبيعي أيضاً أن يُسيطر الإحباط عليهم بعد انتصار ثورة ديسمبر المجيدة إذا كانوا من الذين لا يُحسنون (تقدير) حجم الخسائر التي وقع فيها الوطن وإنسانهُ المنهك بالظلم الجور والعدوان طيلة ثلاثون عاماً من النهب والتخريب والخبل السياسي ، صحيح أن أغلبهم لم يكٌن يتوقَّع أن تزدهر الحياة وتينع ثمارها بعد يوم أو يومين من تولي الحكومة الانتقالية مهامها ، لكن ما لم يخطر على بالهم أن تستغرق مسيرة الإصلاح وإعادة البناء سنوات عدة ،  من وجهة نظري الشخصية أنها لن تكون مُجدية بأية حالٍ من الأحوال إذا قلَّت عن العشر أعوام ، حتى تطمئن القلوب على قُدرة الحزب أو الأحزاب الفائزة في الانتخابات المُرتقبة على إدارة بلاد فيها قدر (معقول) من المؤسسية والشفافية والموارد الإستراتيجية القابلة للتطوير والإنماء والقادرة على حماية البلاد والعباد من الأطماع الإقليمية والدولية التي لم يشجعها للتدخُّل في بلادنا سوى اتساع رقعة الفقر والجهل وغياب البنيات التحتية اللازمة لانطلاق التنمية المُستدامة.

في علم النفس هناك أنواع عُدة من (الفوبيات) أو الاضطرابات النفسية المُتعلِّقة بما يُعرف بـ (الخوف الرُهابي) ، ومن ضمن هذه الفوبيات التي تُعُد مرضاً نفسياُ مُشخَّصاً ولهُ الكثير من العلاجات ، ما يعرف بفوبيا  (إحباط ما بعد تحقيق الأهداف) ، فالمبالغة في تصوٌّر أشكال ومضامين لما يمكن أن يحدث من (تغييرات سعيدة) بعد الحصول على (الأماني) ، يقودُ إلى حدوث حالة من الإحباط المودي إلى الاكتئاب ، والتي على ما يبدو الآن أنها أصبحت حالة مرضية (جماعية) أصابت كل الذين يقعون تحت نفس الظروف والملابسات ويُعانون من ذات (الخيالات) المُسرفة في التفاؤل ، هذا النوع من الفوبيات تم تشخيصهُ عبر حالات فردية كثيرة ، من ضمنها ما يُعرف (بفوبيا إحباط ما بعد الرجيم) ، فكثيرٌ من المرضى الذي كانوا يعانون السِمنة وزيادة الوزن عندما التزموا نظاماً غذائياً صحياً ومارسوا الرياضة بعزيمةٍ وصبر حتى حققوا أمانيهم ووصلوا إلى وزنهم المثالي ، أُصيب بعضهم باكتئاب إحباط ما بعد الرجيم ، لأنهم كانوا قد (بالغوا) عبر تصوُّراتهم في (تخيُّل) أشكال ومضامين (غير واقعية) للسعادة المُتحصَّلة ولحجم التغييرات الإيجابية التي ستحدث في حياتهم حال حصولهم على ما يتمنَّون ، غير أنهم تفاجأوا بأن تلك السعادة كانت أقل من تصوُّراتهم بكثير ، فأصيبوا بفوبيا  إحباط  ما بعد الرجيم ، فامتنع بعضهم عن تناول الطعام حتى أُدخلوا المشافي وأطلق بعضهم العنان لشهيتهم نحو الطعام فعادوا إلى ما كانوا عليه من سِمنة وأسوأ.

علينا أن نقي أنفسنا من فوبيا إحباط ما بعد الثورة ، بتناول المزيد من جرعات (واقعية التعامل مع الأحداث) ، وأن نؤمن بأن اليوم بلا شك أفضل من الأمس ، وأن غداً أكثر إشراقاً وعطاءاً وأملاً ، فكل الشعوب التي أعادت بناء بلدانها بعد الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا ، ما من شواهد في مسيرتها التنموية ما يدل على توقُّفهم للنظر إلى (الخلف) أو إلى الجزء الفارغ من الكوب بالنظر إلى حجم التحديات التي كانت تحيط بمسيرة نضالهم ومثابرتهم من أجل إعادة بناء دولة لم تُخلِّف فيها الحرب شيئاً سوى الرماد والأنقاض والجثث المُكدَّسة في الشوارع.

بصريح العِبارة …!

ما لا يمكن تصديقهُ بالمُطلق ، أن بعض قيادات الجيش لا تعلم أو غير مُتيَّقنة من كون كل الانتقادات والمطالبات الرامية إلى إجراء إصلاحات في المؤسسة العسكرية لا تستهدف بالضرورة والمنطق الجيش السوداني ووجودهُ وقُدراتهُ وإنجازاتهُ التي لا تُخطئها عين حصيف ، وأن السودانيون بما فيهم (العامة) لن يساوموا مهما بلغت بهم سِمات الغباء واللا وطنية على أن يمَس أمنهم الإستراتيجي وأسباب بقاء دولتهم عبر إضعاف الجيش ، فضلاً عن أن حدود (العمالة) وإن بلغت أعلى سِماتها لا يمكن أن يخطر على بال الذين يرتادون مٌستنقعاتها التخطيط لتفكيك الجيش السوداني والتشكيك في قُدراته القتالية والطعن في إيمان منسوبيه بالتزاماتهم تجاه الوطن والمواطن ، كل ما سبق لا يمكن أن يفوت على تلك المجموعة من قيادات الجيش التي تحاوِّل عبر أبواب عُدة (تجريم) و(تحريم) الحديث عن إعادة هيكلة القوات المسلحة وإصلاحها و(إفراغها) من ما (أُقحم) فيها من (مآرب) سياسية وآيدلوجية عبر آلة التمكين الجائرة في عهد الإنقاذ البائدة ، ومن ثم إعادة صياغة عقيدتها عبر (احتكار) مواطن الولاء فيها فقط للوطن والمواطن ، والمصالح الإستراتيجية والأمنية المُجرَّدة من أية (منافع) جانبية يمكن أن يجنيها أيي توجُّه سياسي أو آيدلوجي أو ثقافي أو إثني.

على بعض القيادات في الجيش السوداني وبعض أجهزته الإعلامية ، أن يبذلوا جهداً في إعادة صياغة ما يربطهم (بالمواطن الديموقراطي) من وشائج الاحترام المتبادل عبر (الاندماج) في مفاهيم ومبادئ الثقافة الديموقراطية التي سُتبنى عليها دولة السودان الجديدة ، فالأصل في المبدأ الديموقراطي (الانبساط المُطلق) لحرية الرأي ما لم يمس هذا الحق المصلحة العامة أو يُعرِّض البلاد والعباد إلى مخاطر منظورة وماثلة وقابلة للإثبات ، وستظل القوات المسلحة واحدة من مؤسسات الدولة الخاضعة لاحترام حق المواطن السوداني في أن يُدلي بآرائه فيها حُراً بلا قيد ولا شروط إلا فيما يمس المصلحة الوطنية ، والدولة المدنية تعتمد بالأساس في ممارستها للحكم الديموقراطي على (إمكانية) الانتقاد والكشف عن السلبيات والمشكلات عبر اتساع دائرة التعبير على المستوى العام وبالخصوص على مستوى الصحافة والإعلام بكافة أشكاله ، ولا (خط أحمر) يمكن أن يُعتمد كاستثناء لهذا المبدأ سوى تعرُّض المصلحة الوطنية للمخاطر ، ومن باب أولى أن تكون سُمعة ومكانة وخصوصية القوات المسلحة السودانية واحدة من تلك (المصالح الوطنية) الإستراتيجية التي لا يمكن التفريط فيها أو المخاطرة بإضعافها والإضرار بمصالحها المهنية.

عليه فإن كل تلك الأفكار التي يسوِّق لها بعض العسكريون عن أن المناداة بإعادة هيكلة الجيش وإصلاحهُ من الداخل بعد سقوط الإنقاذ البائدة هو محاولة لتفكيك الجيش وزعزعة قُدراتهُ وإشانة سمعتهُ ، لا يمكن تصنيف (مُردِّديها) بغير اعتبارهم خلايا تنظيمية للمؤتمر الوطني داخل الجيش أو خارجهُ ، ما زالت تحاوِّل بلا استسلام إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والولوج بالوطن إلى المُستنقع المُظلم من جديد ، وكما أن الوطن لا يمكن أن تقوم له قائمة بدون الجيش ، فإن الجيش بلا (إجماع) وطني شامل ومُطلق وقادر على خلق (التفاف) جماهيري موحَّد حولهُ ، سوف لن تستقيم قُدراته المهنية ومبادئه الوطنية والأخلاقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق