آراء

كوكاسيات

برلمان البق

عبد العزيز كوكاس

“لما كان السياسي لا يعتقد بما يقول، فإنه يدهش كثيرا عندما

يصدقه الآخرون”                               شارل دوغول

لم ينطلق المسلسل الديمقراطي بالمغرب إلا مع فورة الفوسفاط، فالرفاه الذي تحدث عنه الراحل الحسن الثاني وهو يخاطب المغاربة بحماس “خصكوم تصرفوا، راه الفلوس إلا بقاو في اليد كيحركوا” أيام لم يكن للحريك معنى الموت الذي يحمله اليوم، يومها عمت الزيادات المضاعفة فئات اعتبرت مشتلا لأطر المعارضة المناهضة للسلطة السياسية. بعد الانقلابين، والمسيرة الخضراء، وفورة الفوسفاط الذي أحبطته السوق الهندية فيما بعد، انتقل المغاربة من أسلوب في العيش إلى آخر فرض بشكل حتمي تدبيرا مغايرا للثورة والثروة في آن، فانتقل الاتحاد الاشتراكي إلى إستراتيجية النضال الديمقراطي عبر نبذ النزوع الانقلابي، وفتح الحكم أشرعة السفينة المغربية نحو مرافئ الديمقراطية برياح على المقاس.

أصبح للمغرب مؤسسات، دستور، برلمان وجماعات ومنتخبون وحكومة.. إنها الخطوة الأولى نحو ديمقراطية المجاز… ومع الانتخابات جاءت نخب جديدة إلى البرلمان الذي برغم تزويره ظل يعكس طبيعة النخبة المغربية، وكان الملك الراحل يفكر دوما في فتح المزيد من مشهيات المسلسل الديمقراطي أمام مقاطع أساسية من النخبة…

بعد تجربة عقدين اكتشف الموظفون انتشار حشرة البق في كراسي البرلمان، هجوم كاسح للحشرة اللعينة على القبة التشريعية… وصل النبأ العظيم إلى الحسن الثاني، فأمر بتشكيل  لجنة تقصي الحقائق حول البق الزاحف وتمت دراسة الوضع، واستنتج الباحثون في سيرة بق البرلمان، أن سبب انتشار هذه الحشرة اللعينة يعود إلى أن نواب الأمة كانوا ينزلون في فنادق السويقة غير المصنفة حيث كل أنواع الحشرات، وأنهم كانوا ينقلون معهم البق إلى كراسي البرلمان، مما جعله يتناسل ويتحول إلى جيش جرار يقلق راحة نوابنا المحترمين، لذلك أمر الملك الراحل بتلك الزيادة المهمة في أجرة النواب ليشرفوا أمتهم، يومها كان البرلمان لا يجسد إرادة الأمة، لكنه يحمل بوادر مغرب يريد الدخول إلى مغامرة الديمقراطية لكن بدون أحزمة سلام تقيه ارتجاجات الطريق، ورغم إرادة التزوير انْسل إلى قبتنا نواب من العيار الثقيل امتلكوا جرأة تجاوز الأسلاك الكهربائية أحيانا، وظلت نقاشاتهم أشبه بالمناظرات التي تعكس مخاض مغرب يريد أن يتذوق عسل الديمقراطية المر، برغم الداء والأعداد… وكنا نتابع تدخلات نواب المعارضة الوطنية والديمقراطية بالكثير من الحماس، ولازالت القبة المحترمة تردد أرجاء صولات وجولات هؤلاء النواب.

اليوم زيد في أجرة النواب الذين أوكلوا لرفع الغمة عن سواد الأمة، لكن ليس بسبب البق/الحشرة، بل بسبب البق الذي يتحدث عنه المغاربة في صراعهم اليومي، ومع ذلك لم تعد جلسات نواب الأمة تشد أحدا، وفقد البرلمان الكثير من بريقه، ولم يعد غرفة تسجيل ولا سيركا للألعاب البهلوانية، حتى صرنا في وضع القائل: “ويلي من يوم ضحكت منه ولما صرت في غيره بكيت عليه”.

ثمة شيء ما فاسد في الدورة البرلمانية، ومستوى النقاش الذي تعرفه قبتنا يعكس نوعا من الضحالة لدى جل النواب، لكي لا يكون التعميم مسا ببعض الأسماء المنفلتة من عقلية القطيع، أسئلة هجينة ومكرورة يكتبها موظفو الفرق البرلمانية غالبا، بتسعيرات تواطأ عليها النواب والموظفون، وتسابق على جدولة الأسئلة في زمن التغطية التلفزية، لدرجة أن وزيرا سخر من نائب أحرجه بسؤاله بكون الله انتقم من البرلماني الذي قطع إعلان صلاة العصر مرور سؤال على الشاشة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق