خارج الحدود

في أزمة اليسار المغربي

الحزب الاشتراكي الموحد في المغرب

علي أنوزلا

    

يعيش اليسار المغربي أزمة بنيوية عميقة ليست وليدة اليوم، لكن مظاهرها تطفو على السطح مع اقتراب كل موسم انتخابي، من خلال الانشقاقات التي تضرب صفوفه الممزّقة أصلا. جديد هذه الانشقاقات التي هزّت الحزب الاشتراكي الموحد، قاده الغاضبون من تصرّفات رئيسة الحزب التي أعلنت من طرف واحد خروج حزبها من ائتلافٍ كان مكونا من ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، كانت تسعى إلى توحيد قوى اليسار في المغرب، لكن فترة “إنضاج” فكرة الوحدة المأمولة استغرقت سبع سنوات عجاف، ما بثّ اليأس في نفوس الرفاق، ودفع زعيمة أحد هذه الأحزاب إلى الانسحاب، ما أثار عليها غضب أعضاء من حزبها فأعلنوا انشقاقهم عنها. وبدلا من توحيد ثلاثة أحزاب، أصبحنا اليوم أمام أربعةٍ ممزقةٍ تنضاف إلى الأحزاب التقليدية المشكلة لليسار في المغرب. وما يجمع اليوم بين هذا الشتات من المكونات الحزبية اليسارية معاناة هذه الكيانات من أعطاب بنيوية عميقة، تجعل الحديث عن أحزاب اليسار في المغرب مقترنا بسمة الأزمة التي تلازم اليسار المغربي منذ وجد في ستينيات القرن الماضي، وتطور إلى أكبر تيار مجتمعي في سبعينياته، عندما كان هذا اليسار يشكل العمود الفقري لأحزاب المعارضة ونقاباتها في المغرب.

وحتى في عز سنوات قوة اليسار في المغرب، ظلت الانقسامات تنخر صفوفه، ويطبعه التشرذم. ويكاد يكون تاريخ اليسار في المغرب هو تاريخ نزاعاته وانشقاقاته، وأغلب الكيانات المنتمية اليوم إلى اليسار، باستثناء حزب النهج الديمقراطي، الراديكالي، خرجت من ضرع الحزب نفسه، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي انشقّ هو نفسه عن “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، المنشق عن حزب الاستقلال، الذي كان يريد أن يختزل إرث الحركة الوطنية في تنظيمه الحزبي. هذا التاريخ من الانشقاقات المستمرّة أثر على حضور أحزاب اليسار الذي ظل محدودا في إطار المشهد السياسي المغربي، وداخل بنية مجتمع محافظ. وقد انعكس هذا على أداء أحزاب اليسار عموما التي أصبحت خارج دائرة الصراع حول السلطة، الأمر الذي عكسه تراجعها اللافت في الاستحقاقات الانتخابية، بحيث لم تحصل سبعة أحزاب منها تشارك في الانتخابات سوى على 34 مقعدا برلمانيا في تشريعيات 2016، ويتوقع أن تحصل على نتائج أقل في انتخابات سبتمبر/ أيلول المقبل، لعدة أسبابٍ مرتبطة بهذه الأزمة المزمنة التي يعاني منها اليسار.

وداخل الساحة السياسية المغربية اليوم يمكن أن نميز بين ثلاثة أصناف من اليسار تمثلها أحزاب اليسار الحكومي التي فقدت الكثير من هويتها اليسارية الكلاسيكية، وتماهت مع خطاب الأحزاب المحسوبة على السلطة في المغرب، حتى أصبحت رديفة لها في السلوك والممارسات، وأحزاب المعارضة اليسارية من داخل المؤسسات. وهذه، على الرغم من محافظتها على الخطاب اليساري، إلا أنها لم تطوّره ليواكب تحوّلات المجتمع المغربي، وأصبحت ممزقةً ما بين نخبوية فكرها وشعبوية خطابها، وأحزاب اليسار الرافض للمشاركة داخل المؤسسات يتبنّى فكرا راديكاليا لم يعد يجد له صدى كبيرا داخل البنيات التقليدية التي كانت تتبنّى هذا الفكر في أوساط العمال والطلاب.

وعموما، أزمة اليسار في المغرب أكبر من كونها تنظيمية، وإنما هي أزمة فكر وأزمة مشروع، أدخلتها في حالة من الجمود، وأدّت إلى عزلتها داخل المجتمع، وحدّت من تأثيرها داخل المشهد السياسي، كرّسته نتائجها الهزيلة التي تتراجع من استحقاقٍ إلى آخر، في مقابل صعود التيار الإسلامي الحامل لمشروع سياسي ديني يجد له صدى كبيرا داخل المجتمع، تعكسه نتائج الاستحقاقات التي بوّأته الصدارة في انتخابات 2016، وتطرحه منافسا قويا في الانتخابات المقبلة.

أزمة اليسار في المغرب هي أيضا انعكاس للأزمة العالمية للفكر اليساري الذي تراجع في مواقع كثيرة، لعدة أسباب، أبرزها فكره النخبوي وأيديولوجيته الكلاسيكية التي لم يعرف كيف يطوّرها بما يجعلها تواكب التعبيرات الجديدة التي أفرزتها المجتمعات الاستهلاكية في الغرب، أو تلك الموجودة أصلا داخل المجتمعات المحافظة في دول كثيرة. وفي الحالة المغربية، يصعب اليوم الحديث عن فكر يساري لدى الأحزاب المحسوبة على هذا الفكر، باستثناء حزب النهج الديمقراطي الذي حافظ على نظرة كلاسيكية للفكر اليساري، باتت متجاوزة حتى داخل أعرق الأحزاب اليسارية في العالم. وفي المقابل، تحوّلت الأحزاب اليسارية المتبقية إلى وكالات انتخابية تمنح “التغطية” الانتخابية للأعيان وتجار الانتخابات، وفي الحد الأدنى بقيت الأحزاب الصغيرة داخل صفوفها مجرّد نوادٍ فكرية تمزّقها الانشقاقات والنقاشات التي لا تنتهي حول تجديد الفكر اليساري الذي لا يتجدّد، وعن وحدة الصف اليساري الذي لا يتحد.

لا يجادل اليوم كثيرون، بمن فيهم المنتمون لأحزاب اليسار أو المحسوبون على الفكر اليساري في المغرب، في وجود أزمة عميقة تنخر هذا الفكر، وتمزّق صفوف الأحزاب المحسوبة عليه. ويكاد لا ينقص التشخيص لمعرفة أسباب الأزمة، فإذا كان من مزايا لأصحاب الفكر اليساري قدرتهم الكبيرة على “التحليل الملموس للواقع الملموس”، كما تقول الأدبيات الماركسية، لكن نادرا ما تتم ترجمة هذا الشعار في الممارسات اليومية لأصحاب هذا الفكر من أجل إحياء صداه داخل الجماهير الشعبية، وإعادة الوهج لإشعاعه الفكري الذي أعطاه بعده الإنساني وانتشاره العالمي، فالعالم ما زال في حاجةٍ إلى فكر يساري يبشّر بالعدالة الاجتماعية، ويعد بصون كرامة الإنسان والحفاظ على حقوقه وحرياته، وأكثر من ذلك إلى خطاب يساري قادر على تحريك نبض الجماهير التي يتجه إليها، ويقنع العقول التي يخاطبها، ويخدم المجتمعات التي يدّعي النضال من أجل تطويرها وتنميتها.

(٭ عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق