ثقافة وفن

الإنسان الحائر بين العلم والخرافة

(عن فيلم البيضة والحجر)

جواد كوفي 

“إن المحاجات العقلانية تفشل عندما تقع في صدام مع المشاعر والعواطف…لذلك تستمر الخرافات لقرون رغم تناقضها مع أبسط حدود المنطق „ الطبيب والمؤرخ غوستاف لوبون.

يؤثر الخوف على العقل الإنساني بطرق قاهرة و لا يفرق داخل المجتمع بين مثقف أو جاهل، لهذا يفرض سلطته و يلبس النفوس كلما حضر لحظة ضعف الذات أمام مصائب الدهر التي لا تترك للبشري إلا الإيمان و الاعتقاد بالوهم و الخرافة، حتى كان أول ما فسر به العقل العالم و ظواهر الطبيعة هو الأسطورة والسحر، و نسب كل الخوارق إلى القوى الخفية، التي يمكن أن يتصل بها إنسي عن طريق الطلاسم و التعويذات أو ابتهال صاحب كرامة، الذي يمكنه في لحظة من الزمن أن يقلب المحال حقيقة ويبسط المغلول ثم يفك المعقد.

الخرافة والسحر، كذلك الفن والعلم أبناء العقل البشري الذي رغم سيرورته في الزمن وتراكم معارفه وكشفه، لا يزال سجين أنماطه الأولى من التفكير التي يصعب الفصل بينها، حيث يتداخل ويتفاعل بعضها مع بعض.

منطق الخرافة كمنطق العلم بمعنى من المعاني، كلاهما فكر يمضي بنا نحو تأسيس منظور يتجدد للطبيعة والإنسان على السواء، نحاول من خلاله فهم الكون وكشف أسراره التي لا تزال غامضة بشكل كبير إلى حدود اليوم. ولا أظن أن السعي والشغف إلى الكشف سيتوقف معنا نحن رغم ما يعتقد البعض” أننا في زمن الكشف الكبير زمن العقل والعلم”.

العودة الى تاريخ السنيما العربية سيجعلنا نتوقف عند سنة 1990 حيث سينتج فيلم اعتبره تحفة فنية لم تأخذ منا الاهتمام الذي تستحقه. فمن تتبع أحداث الفيلم بروية وتوقف على عمقه الفلسفي

والفكري حيث يتفاعل البعد الاجتماعي بالنفسي بالاقتصادي ويظهر-بضم الياء- جليا تأثير الوعي المباشر على المعتقد والسلوك عند الأفراد. إنه مكر اللغة التي تحمل الوهم كالريح وتضمن له البقاء السرمدي.

البيضة والحجر للكاتب الكبير محمود أبو زيد وإخراج علي عبد الخالق ومن بطولة الفنان الراحل أحمد زكي وممدوح وافي ثم الفنانة معالي زيد.

الفن كالطب يشخص فيه المبدع أمرض المجتمع ويقدمها بطابع أكثر جرأة حتى يعرف الفرد حجم المعاناة أو البؤس الذي تعيشه الجماعة.

إن الفن بهذا المعنى يضع الذات أمام مسؤولية ثقيلة اتجاه شبيهها الآخر، كمصدر لبداية التغيير  والإصلاح أو كوريث وحارس للجهل والفساد.

كذلك فيلم البيضة والحجر يجعلنا في حيرة وتردد بين العلم والخرافة حيث يبدأ بمشهد غرفة فوق سطح عمارة يشاع أنها مسكن جني روضه “مولانا” صاحب الكرامة وأغلق الغرفة بعد إن استغلها لمدة في الدجل والشعوذة ثم هاجر صدفة على أمل العودة.

منذ ذلك الحين والسكان يقدمون النذر كل جمعة، وفاء بالوعد واتقاء شر العفريت بالغرفة المعلومة، لكن صاحب العمارة اعتبر الأمر (استمرارية إغلاق الغرفة ثم تقديسها من طرف السكان والخوف منها) وصمة عار بجبين الدولة والمجتمع وعلامة على انهيار التعليم وسيطرة الخرافة والجهل بالإضافة إلى ضياع مدخوله الشهري منها.

لهذا قرر فتحها بقوة القانون مصحوبا بمحضر القضاء الذي انتصر للعلم والعقل وكذا حضور السلطة لتأمين المالك من السكان الذين رفضوا الأمر باعتباره فتحا لأبواب جهنم عليهم…

  لكن ما إن هم الرجل بفتحها وبمجرد كسر القفل حتى انطفأ النور في عينه وصرخ -أمام ذهول الأمن وهلع السكان- “لم أعد أرى شيئا…”

“إن الإيحاء في جوهره هو تثبيت فكرة معينة في الذهن”، بهذه الجملة استطاع (مستطاع) أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع أن يسكن في الغرفة ويتغلب على الخوف ثم يستعمله لصالحه ممسكا بالعلم

والخرافة على السواء، متخليا عن كل مبادئه الفلسفية التي عمل جاهدا على نشرها والاعتقاد بها لحدود أنه خسر عمله دفاعا عنها كأستاذ للفلسفة ورمزا للنور والعقل.

لكنه الآن أصبح (مولانا) الجديد والأكثر حضورا وقوة في مجتمع مريض بالوهم وإرادة الخرافة في مجتمع مصر على الدجل، مجتمع يكون فيه الأفراد سواء، المثقف كالجاهل والمتعلم كالأمي.

توسل مستطاع لأجل ذلك بالعلوم الإنسانية التي خبرها جيدا (علم النفس وعلم الاجتماع وكذا تأملاته الفلسفية وخبرته بطرق ميلاد وصناعة الخرافة) فأضحى يلعب بالبيضة والحجر واستحال من التحضير للدكتوراه في أفلاطون إلى دجال يحضر الجن والعفاريت.

” فويل إذن للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون” جملة يسوقها مستطاع لصديقه الوحيد(توالي) لأجل تبرير هذا القفز على المبادئ وإعلان عن بداية اللعب بالبيضة والحجر. 

الفيلم يجعلنا نكتشف القدرة الخارقة للجسم الإنساني على الإيحاء والتقمص وكذا سذاجة العقل الذي يقبل الأشياء ببساطة حين تلبس لباس الخوف وتتسربل بالدين والخرافة مع القليل من العلم حتى ولو كانت خارج المحسوس والمنطق.

إنه العلم كامتداد للخرافة والدجل وإنها حيرة الإنسان المسكون بالغموض والمتحسس لليقين.

-يقول أستاذ الفلسفة (مستطاع) للمتعلمين في الفصل إن التكيف الاجتماعي هو عملية ملاءمة إمكانيات الفرد لإطار البيئة الاجتماعية المحيطة به.

ليبادره أحد المتعلمين بسؤال: ماذا يفعل الإنسان إذا فسدت البيئة؟

-يجيب الأستاذ: إذا فسدت البيئة فلابد للإنسان أن يحتمي بعقله لينجو من الفساد –يجعله المسيطر على شهواته والمتحكم في رغباته-

البيضة والحجر كعمل مفكر فيه جيدا، حيث يمرر رسالته بقوة ويؤكد دور الفن في التشخيص، لا العلاج، كاشفا لنا الطرق الناعمة للسيطرة والاستغلال الذي تكرسه وتفرضه الفئة المتحكمة في آليات إنتاج الوعي الجمعي للناس (الدين- الإعلام- المدرسة – السوق …) مما يسهل قيادة الجمهور والتحكم في رغباتهم وقدراتهم العقلية على وعي الحق وكذا المطالبة بالعيش الكريم وفي نفس الوقت يكشف الحيرة الكبيرة وحجم القلق الوجودي للإنسان الذي يفكر في العالم داخل مجتمع الخرافة.

البحت في الخرافة هو مغامرة استكشافية في المعلوم المجهول و محاولة جادة للنفاذ إلى عمق فكر الأجداد وفهم  قوة مخيلتهم  التي كلما  تأملنا قدرتهم الهائلة على  توحيد المنشطر وإضفاء المنطق على المحال و النظام على المنفلت، كلما ألزمنا أنفسنا الوقوف وجوبا احتراما ثم دراسة وبحثا في  كل ما يصلنا عنهم  من معتقدات و عادات و تقاليد .

معتقد الأجداد وتمثلهم للعالم لم يكن يوما ما هامشيا أو ساذجا، بل محكما يسعى إلى تحقيق ما نسعى نحن له اليوم؛ وهو التناغم بين الواقع والفكر وكذا الخروج من قلق الوجود الذي يلبس العقل الإنساني مند الوعي الأول بالذات، و لا يزال هذا الباعث والقلق ينتاب كل إنسان أصيل يعي إنسانيته

وتميزه عن باقي الكائنات يريد أن يعيش لا أن يحيا فقط.

لهذا يكون فتح النافذة عن التاريخ الإنساني من خلال الخرافة والعلم، نافذة ليس الغرض منها التسلي أو مخاطبة العاطفة، بل أكثر مما نبتغي منها وهو تحفيز الفرد على الدهشة والتساؤل ووضع معتقداتنا وتصوراتنا في ميزان التاريخ.

لربما ما نعيشه اليوم ونتقاتل لأجله، قد يصبح مجرد أسطورة وخرافة بالنسبة لأجيال الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق