
المغاربة وجائزة الطيب صالح العالميّة للأبداع الأدبي
أن يفوز ثلاثة من أبنائه بجائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي فليس ذلك بمحض الصُّدَف. سوف تقوم صحيفتنا المدائن بوست في الأعداد القادمة من خلال نافذة حوار بالتعريف بهم وبأدبهم. من عجيب الصدف أن ابن حارتي الأستاذ أحمد فاروق التقى بهم ثلاثتهم بالخرطوم وعرفهم عن كثب وأجزل الشكر على أدبهم الجمّ، وحبهم لوطنهم وتقديرهم الفائق لأهل السودان، الذي يرتبط بالمغرب ارتباطا وثيقا منذ آلاف السنين. كما حدثني عن براعتهم في تطويع اليراع ولوحاتهم التشكيليّة البديعة في نظم الكلم وكانت سعادتي لا توصف بأن حظيت على أرقام هواتفهم الجوالة وشرعت لا ألوي على شيء إلا والتواصل معهم. منذ أول وهلة لم يقف البعد في حيز المكان والزمان حاجزا بيننا فانطلقت القلوب والأقلام والرسائل الصوتية تسطر وتتحدث في أجواء تزملها المودة والمحبة. لا سيما أنني بادرتهم محدثا إياهم بلسانهم المغربيّ المبين فكانت دهشتم بيّنة وسعدوا بي وسعدت بهم وتجابدنا أطراف الحديث «نداكرو» عن حيواتهم في ديارهم و»سالينا الحوائج» وها أنتم ذا تقرؤون عنهم في مدائن المعرفة في طيّات هذا العدد الفائز الأول في الرواية مولاي عبد الباسط زخنيني وفي الأسبوع الماضي حاورنا المبدع مولاي السعيد الخيز. ولنا رجعة للسيد عبد الباسط أيضا في الحوار لجزء ثان.
اللهم احفظ المغرب وأهله من البلاء والغل والحسد ووطد أواصر صداقتنا معه ومع أهله، فأهل بلاد النيلين يُكنُّونَ لبلاد الأطلس من المحبة أوفرها ومن المودة أصدقها. والله على ما أقول شهيد.
عبد الباسط زخنيني
الفائز الأول بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع (الرواية) 2/٢
حاوره: د. محمد بدوي مصطفى
معرفتي بك وقراءاتي لبعض أعمالك الجميلة في الفترة الوجيزة، ومكالماتنا وحوارتنا، حتى ولو أنها كانت سريعة، تلقائية، متشعبة عكست لي صورة بديعة للكاتب عبد الباسط، وحتمت عليّ أن أطرح بعض الأسئلة التي ربما تجول بدخيلة القراء، منها:
> ما هي القراءات التي دعمت يراعك وإبداعه في مسيرة سردية، روائية قاصّة لا تقل عن العشر سنوات؟
< تختلف قراءاتي بين ما هو فلسفي، اجتماعي، تاريخي وأدبي. وفي وسط كل هذا تأخذ الرواية حصة الأسد وتتنوع بين ما هو أمريكي، جنوب أمريكي، أسيوي، عربي وحتى إفريقي جنوب الصحراء. لكن إضافة إلى هذه القراءات بالعربية هناك قراءات بالفرنسية وقد تركت هي الأخرى أثرا بالغا على كتاباتي. حتى أن القراءات الفرنسية سبقت العربية زمنيا، أي أن التحول كان من الفرنسي إلى العربي. وهذا التزاوج شكل ربما امتيازا ليس متاحا لأي كاتب مما أغنى تجربتي.
> أذكر لنا مؤلفات سحرتك أقلامهما وما بها من تصوير روائيّ أو قل تشكيلو-سرديّ؟
< طبعا لكل قارئ ريبيرتوار من الكتب التي قرأها، لكن هناك كتب تظل عالقة بذهن هذا القارئ ترفض أن تمحي نظرا لشدة سحرها. بالنسبة لي الروايات التي سحرتني لروعتها كثيرة لكني سأذكر بعضا منها فقط دون أسبقية لإحداها عن الأخرى وهي كالتالي: الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، الماضي البسيط لادريس الشرايبي، الرسام تحت المجلى لافونسو كروش، أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، الجميلات النائمات لسوناري كاواباتا، شيكاغو لعلاء الأسواني، سر الصبر لجاستن غاردر، ليلة القدر للطاهر بنجلون، الغريب لالبير كامو، أكادير لمحمد خير الدين، مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، وشرق المتوسط لعبد الرحمان منيف.
> ماذا عن الرواية السيكولوجية في كتاباتك: الصراعات النفسيّة التي تنعكس بصورة أو أخرى في مجتمعاتنا العربيّة المتمزقة؟ الدين والدولة، الدين والعلمانية، الاباحيّة وبعض أشكالها، الخ.
< أذكر هنا جملة أظن أنها من رواية سباق المسافات الطويلة لعبد الرحمان منيف. الجملة هي : ” الشرقي مليء بالعقد”. العربي في مجتمعاتنا يجد نفسه ممزقا بين تشكيلة من عدة عوامل يصعب تعايشها منها الدين والدولة، الدين والعلمانية، الدين والجنس، أحلامه وصعوبة تحقق هذه الأحلام وعوامل أخرى. وهذا ما يشكل رجات متتالية لنفسية هذا العربي تنتهي في أحيان كثيرة بمجموعة من الأعطاب، من الاختلالات والاضطرابات النفسية التي تفقده توازنه. نسبة الاشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية من مجموع السكان في بلد كالمغرب مثلا مخيفة والأمر نفسه ينسحب على باقي الدول العربية. فأمراض كالاكتئاب مثلا أصبحت شائعة جدا لدرجة أصبحنا نتحدث معها عن مرض العصر، ناهيك عن القلق، التوتر، الانفصام، الاضطراب ثنائي القطب وأمراض أخرى. الوضع مقلق حقا، ولعل درجة خطورة هذا الوضع هو ما دفعني لأولي الجانب النفسي من شخصياتي عناية خاصة. فأنا أتعقب هذه الشخصيات، أحاول تشخيص تعقيداتها النفسية كما يشخص طبيب المرض قبل التفكير بعلاجه، أتابع مصيرها بقلق وكأني وصي عليها. أرسم لها صورا قاتمة لكنها تنتهي في الغالب نهايات سعيدة إيمانا مني بأن الغد لا بد أن يكون أفضل.
> هناك موروث جبّار للكتاب الألمان (على سبيل المثال – غوته وريلكه) عن الشرق، هل فكرت يوما ما في كتابة رواية تدور أحداثها بين أوروبا والشرق، وهل فكرتم في رواية تاريخية تجبدون فيها خيوط الماضي وتضعونها في صحن بديع لقرائنا العرب؟
< سؤالك هذا يحمل شطرين، بالنسبة لاحتمال كتابتي لرواية تدور أحداثها بين أوروبا والشرق أعلمك أني فعلت بالفعل، يتعلق الأمر برواية “الغراب” فهي تدور بين فرنسا والمغرب وتطرح مسألة الهوية لكن في قالب أعتقد أنه أكثر تجريبا. بالنسبة لفرضية أن أكتب رواية تاريخية فأنا لم أفكر بها أبدا، لكن هذا لا ينفي احتمال أن أفعل ذلك في المستقبل، من يدري.
> يقال إن الرواية نص موسوعي يسعى إلى تمثيل ما يعتري الوجود من أنساق ثقافية وسياسية واجتماعية، كيف يعزز عبد الباسط مدونته النصية بالانفتاح على مختلف الحقول المعرفية لتعزيز خطابه الروائي من أجل تمثيل ناجع لقلق هذا الإنسان؟
< تختلف الحقول المعرفية التي أستعين بها لتعزيز نصوصي من رواية إلى أخرى حسب ما تتطلبه كل رواية ففي “القمر الأخير” مثلا استعنت بالفلسفة وعلم النفس والموسيقى والشعر. أما في “موسم سقوط الأوراق الميتة” فاستعنت بفن الرسالة، بالتشكيل، المذكرات، الأسطورة، والثقافة الشعبية. وفي “الأبيض والأسود” استعنت بالمسرح، بالحكاية الشعبية وحتى بالنكتة. عموما فمسار الشخصية والتوجه العام الذي تنهجه الرواية هو الذي يحدد نوع الحقل المعرفي الذي قد أتوسله لتقريب القارئ من هذا القلق الوجودي التي يعتمل في دواخل شخصيات رواياتي.
> على إثر حديثك عن التوجه العام للرواية باعتباره محددا لطبيعتها المرجعية، هل ينطبق ذلك على المسار الكتابي للنص، أي أن توجه الحكي يسير دون برنامج سردي معدّ سلفا في إبداعك الروائي؟
< لا ليس تماما فأنا أرسم بوضوح تام معالم روايتي، وأحدد الخطوات التي عليها اتباعها والمسار السردي الذي سأسلكه. أذكر جملة لبورخيس يقول فيها: ” الكاتب الجيد هو الذي حينما يكتب الجملة الأولى من كتابه يكون قد فكر بالجملة الاخيرة”. هذه بالضبط هي الاستراتيجية التي أعمل بها. أحدد الفكرة أولا، أتركها تختمر لفترة طويلة، أخطط للشكل وللتوجه الذي سيتخذه النص، عندما أكون قد أعددت جيدا كل هذا حينها فقط أشرع في الكتابة.
> تعد الفكرة جوهر العمل الروائي، باعتبارها البذرة التي تتشكل عملا سرديا سويا، من أين يستل عبد الباسط زخنيني الخيط الأول لإنتاجه الإبداعي لممارسة فعل النسج الحكائي؟
< أحرص حرصا شديدا على أصالة الفكرة في أعمالي، أكثر من ذلك أكاد أجزم أن الفكرة أهم ما يميز نصا عن غيره. أما المعين الذي أستل منه الفكرة التي أبلورها لتصبح عملا روائيا متكاملا فهو متنوع وطريف في بعض الأحيان. حدث وأن حولت حدثا عابرا (un fait divers) إلى رواية. أخذت مقطعا من سيرة شخص مغمور في حديث روتيني وحولتها إلى فكرة، بل حدث وهذا هو الطريف وأن حولت حلم أحد أقاربي الى نص طويل من مئات الصفحات. وقد يكون حدثا عثرت عليه بين أسطر جريدة أو مقطعا صغيرا في عمل أدبي أو فني لم يوله صاحبه أدنى اهتمام وجدت فيه مشروع رواية على الأبواب.
> إلى أي حد تسعفك هذه الالتقاطات الخلاقة في مساءلة إشكالات الإنسان في ارتباطاته الوجودية والمجتمعية بمختلف أبعادها؟
< أولا يجب أن نتفق أن هذه الالتقاطات ليست أي التقاطات. فأنا لا أتلقف أي شيء وإلا وجدت في أي حدث يقع أمامي، أقرؤه أو أسمع به فكرة لرواية جديدة. لدي آلية انتقائية، آلية فرز تمكنني من عزل ما يناسب اختياراتي. ثانيا فأنا لا آخذ هذه الومضات (هكذا تبدو لي في البداية، كومضة ضوء) كما هي، بل أطورها، أعطيها أبعادا أخرى، أبعادا فلسفية نفسية اجتماعية ثم أحصر كل هذا في دائرة وجودية مليئة بالشك بالقلق وبالأسئلة المحيرة.
> تسريدك لهذه الالتقاطات يتسم في مجمل أعمالك الروائية بالتكثيف على مستوى البنيات الحكائية، خاصة الزمان والمكان، كيف تفسر هذا الاقتصاد في السرد؟
< نعم يتسم تسريد هذه الالتقاطات بالتكثيف على مستوى البنيات الحكائية في أعمالي. من بين ما أؤاخذه على بعض الروائيين هو سعيهم غير المبرر إلى حشو أعمالهم ببعض المقاطع السردية الزائدة كالإفراط في الوصف أو إعادة مقاطع بأكملها بعد عدد معين من الصفحات حتى تتسم أعمالهم السردية ب “البدانة” وكأن كل ما يهم هو عدد صفحات هذا العمل أو ذاك. بالنسبة لي الأمر مختلف، نعم أعمد إلى التكثيف، أعمد إلى قول القليل حتى أتيح لهذا القارئ مجالا ليفهم منه الكثير. لا أعطي القارئ نصا جاهزا في كل شيء، أترك له نقطا بيضاء عليه ملؤها حتى أضمن قدرا من التفاعل مع النص.
> في مقابل هذا التكثيف الفعال للزمان والمكان، نسجل في أغلب رواياتك نزوعا نحو تعدد الشخوص، إلى حد يمكن أن نصف معه أعمالك بروايات البطولة الجماعية (الأبيض والأسود)، ما دلالة هذا الاختيار؟
< أعتقد أن ما فرض هذا التعدد في الشخوص وهذه البطولة الجماعية في ” الأبيض والأسود” على وجه الخصوص هو الفكرة المطروحة في الرواية: مجموعة غير متجانسة من الأشخاص يجتمعون صدفة في مكان وزمن ضيقين مع حدث عجيب هو أن الخير غادر أرواحهم جميعا تاركا إياهم وجها لوجه مع شرورهم. طبعا في حالة كهذه لم يكن بينهم بطل خير أو حتى منقذ قد يستحوذ على مساحة سردية أوسع. كانوا كلهم متشابهين، على قدر سواء من الشر. ماذا فعل السارد هنا؟ نقل للقارئ تحركات وأفكار كل شخصية دون أن يغفل ما كان يستعر في داخلها وذلك بحصص متساوية.
> من الأسس التي ينبني عليها فعل التسريد لديك نجد ذلك الاستناد على التقنيات البصرية في نقل الحدث المتوسلة أساسا بالمشهدية، والأسلوب السينمائي، كيف تفسر ذلك؟
< بالتأكيد أعتمد كثيرا على التقنيات البصرية في نقل الحدث لاجئا بالأساس إلى المشهدية أو التصوير المشهدي والأسلوب السينمائي. أعتقد أن هذا نابع بالأساس من اطلاعي على السينما وتأثري بها، هذا من جهة، من جهة أخرى يعود هذا لإيماني بأن هذه التقنية تقرب القارئ بصورة جيدة من الحدث، أكثر من ذلك فهي تجر هذا القارئ حتى يصبح جزءا من هذا الحدث. وكما ابتكر السينمائي الفرنسي ألكسندر أستروك يوما مصطلح “الكاميرا- قلم” معبرا عن استعارته للكاميرا ليعبر بها كما لو أنه يعبر بكلمات على ورقة. أعبر أنا بالمقابل بكلمات وكأني أعرض على القارئ صورا متحركة.
> في استشرافك لزمن ما بعد كورونا، كيف تتوقع انعكاسات هذا الوضع على الإبداع مستقبلا؟
< بداية أتوقع أن تكون هناك عدة أعمال سردية تتخذ من هذا الوباء موضوعا لها، أعتقد حتى أن عدد هذه المحاولات سيكون كبيرا لدرجة الابتذال. أعتقد أيضا أننا سنشاهد أعمالا استشرافية تتوقع مزيدا من الفيروسات بأعراض مختلفة أو كوارث طبيعية أو بيئية. أعتقد أننا سنقرأ أعمالا تدعو إلى إعادة النظر في الإنسان، أعمالا تسحب الثقة من هذا الانسان الذي كان يُعتقد إلى حين قريب أنه سيد الكون.
خاتمة:
سعدت بكم يا سيدي عبد الباسط ووقفت عدّة مرّات أتأمل في دهشة وتعظيم محتوى هذا الحوار. حقيقة إنه من الحوارات التي ستترك دون أدنى شك أثرا بالغا في دخيلتي الصحفية لما احتواه من قوّة في التفصيل الدقيق واكاديمية بالغة في التحليل العميق لماهيّة الرسالة السرديّة خاصة أو “الحكاية” على وجه العموم. أعجبتني فلسفتكم “الزخنينيّة” ورؤاكم في “جذب” (على سبيل الاصطلاح الصوفيّ) الموضوعات بعالم “القصة”، انتقاء الرصين منها، هضمه، اختزاله، خلقه وترجمته في ثوب زخنينيّ فريد “واثق الخطوة يمشي مرحاً”! والمدهش أكثر أنني الآن واثق ثقة راسخة أنني لو فتحت أيما نص وبدأت أقرأ واسترسل بين جنباته فسوف أتبين بإيمان وثقة أن هذا هو يراع نجيب، وذاك قلم توفيق، وتلك ريشة رضوى، ذاك فسطاط الطيب وهذا الذي أمامي – لن أغباه – هو يراع زخنينيّ باسطيّ مبين. فروحك يا مولاي بوقعها توقّع (إمضاء) وتوقّع (موسيقى) مسار هارموني النص وذلك بجدارة. براڤو!
في الختام أود أن أشركم يا سيدي عبد الباسط ولي معكم – بإذن الله – كرّة أخرى. أتمنى لكم وأسرة صحيفة المدائن بوست كل التوفيق والسداد في مسيرتكم الأدبية.




