سلايدرسياسة

فرنسا والتوجّه العرقي والمنطق المتقاطع

عمر المرابط

مهما تحدّثنا عن فضائل الديمقراطية الغربية، وعن أجواء الحرية والكرامة التي يعيشها سكانها مقارنة مع دول العالم الثالث، فلا أحد ينكر حقيقة وجود فوارق اجتماعية كبيرة بسبب النظام الرأسمالي الجشع الذي يجعل طبقة من المواطنين على هامش المجتمع، بسبب تعطّل آلية المصعد الاجتماعي التي تسمح بالخروج من أزمة الفقر والهشاشة، ومن ضيق الحياة وضنكها.

ويزيد الطين بلة، عندما تضاف عوامل أخرى تزيد من مآسي هذه الطبقة، فتتعرض لمزيد من البؤس والمعاناة والتمييز السلبي، علاوة على العوز والحاجة والحرمان، عندما يراكم أبناؤها الانتماء في آن واحد إلى عدة أصناف مستضعفة، وهذا ما يتحدّث عنه مفهوم “المنطق المتقاطع”. وهو مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والفكر السياسي، ويشير إلى حالة الأشخاص الذين يعانون، في الوقت نفسه، من عدة أشكال من التمييز العنصري أو الطبقي أو الهيمنة أو التحامل في مجتمعاتهم، بسبب نوعية الجنس (النسوي غالبا)، إضافة إلى الانتماء العرقي أو الديني أو الثقافي، وكلما زاد الانتماء زادت المعاناة. وقد صاغت هذا المصطلح، في أواخر الثمانينيات، الحقوقية الأميركية كيمبرلي كرينشاو، في أعقاب الحركة النسائية السوداء (Black feminism)، وهو يبرز، بوضوح، المعضلات الاجتماعية والهوياتية التي يواجهها ضحايا هذا التمييز في الفضاء العام.

للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رأي آخر في الموضوع، ففي تصريح للمجلة النسائية إيل، (هي باللغة العربية)، بمناسبة انعقاد الندوة العالمية للأمم المتحدة في باريس عن حقوق المرأة، يوم 30 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، اعتبر هذا المفهوم سيئا وغير صالح، لأنه يُحدث شروخا داخل المجتمع الفرنسي، لأنه، حسب قوله، يعيد الفرد إلى هويته وخصوصيته، ويختزل الإنسان، ويضفي عليه الطابع الأساس بناء على عِرقه فقط، ما يؤدي إلى التعاظم التدريجي للتوجه العرقي الذي بات يتحكّم في المجتمع، في إشارة واضحة منه إلى مراكز الأبحاث الفرنسية التي أعطت الصدارة في دراساتها للأطروحات والمواضيع عن إشكالات الانتماء الهوياتي.

وقد أثارت تصريحات ماكرون غضب رابطة SOS Racisme، المناهضة للعنصرية، والتي اتهمته باستهداف المناضلين، عوض أدائه واجبه في محاربة العنصرية ومكافحة التمييز. والحقيقة أن التوجه العرقي الذي تحدث عنه بدأ يقوى في فرنسا على أرض الواقع، بمنطق الرجل الأبيض القوي الذي يتعامل مع الغير بدونيةٍ لا تخفى، أما منطق التقاطع فإنما هو مرآة تعكس، للأسف، هذا الواقع المزري. وبموقفه الجديد هذا، يؤكد الرئيس ماكرون توجهاته اليمينية، وتخليه عن مواقفه التقدّمية السابقة التي دفعت عديدين من المتعاطفين مع اليسار المعتدل في فرنسا للتصويت له في الانتخابات الرئاسية السابقة، ففي سنة 2017، وخلال حملته الانتخابية، صرح قائلا: “نساء الضواحي يراكمن الصعوبات والحواجز في طريقهن”. وفي سنة 2018، استعمل المنطق نفسه الذي ينتقده اليوم بطريقة ماكرة، واستخدمه مطيةً، حين دفن مشروع النهوض بالضواحي، والذي أنجزه الوزير السابق جان لويس بورلو بتكليف منه، واستقبله وشكره على عمله، ثم أضاف “ليس من المنطقي أن يتبادل اثنان من الذكور البيض تقريرا وخطة، وهما لا يعيشان في هذه الضواحي”، وهكذا مات المشروع.

تتّضح تجليات التحوّل الإيديولوجي لماكرون كل يوم، فقد اعتبر، في التصريح نفسه، المواطنة مكسبا لا يولد مع الإنسان، وكأنه يريد نفيها عن جزءٍ من المواطنين، والمقصود منهم معلوم، مؤكّدا أن أسباب الفوارق الاجتماعية لا يمكن تصنيفها حسب نوع الجنس ولون البشرة فقط، مضيفا “يمكنني أن أقدّم لكم شابا أبيض، ويواجه أيضا صعوباتٍ هائلة، لأسباب مختلفة، للعثور على وظيفة”. وإذا كان هذا صحيحا في حق الرجل الأبيض، حين انتمائه للطبقة المهمّشة، فكيف بغيره ممن ينتمون إلى الفئات المهمّشة الأخرى!

كلام يظهر مدى تخبّطه في فهم مسألة الأقليات وتفهمها في محاولةٍ لنفي وجودها تماما، وهو التمادي نفسه الذي سار عليه أسلافه. وهنا نذكر أن فرنسا من الدول التي لم تصادق على “الميثاق الأوروبي للغات الإقليمية أو لغات الأقليات”، معتبرة ذلك متناقضا مع المبادئ الدستورية وعدم قابلية الجمهورية الفرنسية للتجزئة، ومتعارضا مع مبدأ وحدة الشعب الفرنسي، والاستخدام الرسمي للغة الفرنسية، بينما صادقت عليه أكبر الدول الأوروبية في أواخر القرن الماضي.

تأبى فرنسا الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي الموجود بداخلها، متنكرة له، بل وضاربة بذلك حق الأقليات الإثنية واللغوية التي تعيش على التراب الفرنسي منذ آلاف السنين، مثل شعوب مناطق الباسك وبريتانيا وكوريسكا. وإذا علمنا هذا، اتضح جليا أنه، من باب أوْلى، أن ترفض مطالب احترام التنوع الديني والخصوصيات الثقافية الصادرة عن الوافدين الجدد من أبناء المهاجرين العرب والأفارقة والمسلمين.

قد يقول قائل إن مواقف الرئيس الفرنسي يمكن تصنيفها في إطار التسويق الإعلامي السياسي، وتأتي في خضم التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي يُظن أن التنافس فيها سيكون منحصرا بين أقطاب اليمين واليمين المتطرّف. وبالتالي، هي فقط مواقف انتهازية أكثر منها مواقف مبدئية، تفضح تموّجات ماكرون الراقصة لإغراء فئةٍ من الناخبين، لكننا عندما نرجع إلى الماضي ندرك أنها مواقف ثابتة للدولة الفرنسية، وغير متقلبة بتقلب الرؤساء والحكومات، وفي الماضي دروس وعبر.

(٭ عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق