آراء

القبول بالآخر المُختلِف شرط أساسِي للديمُقراطية ..

نضال عبد الوهاب

أولاً دعوني أعترف لكم أنه مُنذ فترة طويلة نسبياً هنالك قضيتان مركزيتيان تشغلان تفكيري بشكل شبه دائم .. وهما قضيتي الديمُقراطية و التغيير في بلادنا.

وهُما قضيتان مُرتبطتين ببعضهما البعض بشكل تلقائي .. حيث لا يُمكن تصور أن تكون لدينا دولة ديمُقراطية من غير حدوث الكثير من المُتغيرات .. فحركة التغيير نحو الديمُقراطية والتقدم تستلزم عمل دؤوب و مُستمر لا يعرف اليأس أو التوقف.

من نعم الخالق العظيم علينا أننا نشأنا في وطن طابعه الأساسي هو الاختلاف والتعدد .. و لعل الجميع يتفق أننا برغم وجود هذا الثراء المُتباين والمُتعدد في كُل شئ ، في المناخات و جغرافيا السُودان و إنسان السُودان ، في إثنياته وقبائله ولغاته ولهجاته و أديانه و سحناته و ثقافاته ، إلا أننا لم ننجح بالوصول بهذا الاختلاف إلي درجة من القوة تجعلنا نتحول إلي دولة مُتطورة و حديثة ونحن نمتلك كُل مقومات النجاح ، من ثروات إلي عُنصر بشري و موارد وحضارة .. وتحولنا بفعل الفشّل في إدارة أنفُسنا إلي دولة فقيرة وضعيفة و مُمزقة تنتشر فيها الحُروب والصِراعات، و يرزح الجهل والمرض و التخلف علي أجزاء كبيرة منها .. وأصبحت مطمع لدول أخري إقليمية ودولية للاستفادة من ثرواتها ومواردها الكبيرة.

سنوات عديدة مُنذ استقلالنا الباكر في أفريقيا و نحن نتراجع بدلاً عن التقدم .. ولعل الصِراع حول السُلطة وتحويل دفتها أغلب تلك السنوات إلي الحُكم الديكتاتوري العسكري ساهم بشكل كبير وواضح في تراجعنا الكبير هذا وتخلفنا .. لم يُتاح لنا البدء والاستمرار في طريق الديمُقراطية وبناء الدولة الحديثة فيه والاتفاق علي شكل ونظام حُكم ومشرُوع وطني سُوداني باستطاعته إنهاء كُل الأزمات التي نتجت في الصِراع حول السُلطة والثروة والموارد في السُودان كُل تلك السنوات.

لم نستفيد من تجارب الآخرين من الذين مروا بظروف أسوأ منا بمراحل كدول وشعوب وبرغم ذلك نهضوا و أصبحوا قوي كُبري في كُل العالم في أوروبا وأمريكا وآسيا وحتي إفريقيا.

وكل هذا لم يحدث لهم صُدفة .. غيروا طريقة تفكيرهم .. استفادوا من أخطائهم .. تمسكوا وآمنوا بضرورة التغيير للأفضل .. أنتجوا وعملوا لأهدافهم بكُل عزيمة وإرادة واجتهاد فنجحوا.

الديمُقراطية التي تطورت في أوربا وأمريكا والتغيير الذي حدث لمجتمعاتهم و اقتصادهم ونظامهم التعليمي والصحي وكُل شيء حدث برُغم وجود ذات مشاكل التعدد والاختلاف بين مكونات دولهم وشعوبهم، وبرغم حدوث الحُروب الأهلية الطويلة والتي امتد بعضها لقرون كما حدث في أوروبا.. حروب دينية و سياسية وإثنية .. قُتل خلالها ملايين البشر و دُمر كُل شيء.

ولكن ماذا حدث .. لم يبدأ التغيير والتطوير والانتقال لما نراه اليوم لديهم إلا بقبولهم لبعضهم برغم الاختلاف بينهم .. و توحدوا والتفوا فقط حول دولهم بشكل جماعي ، ونظموا وصاغوا الدساتير التي تضمن مُساواتهم في الحقوق والواجبات .. و احترموا القوانين و تساوي الجميع أمامها من رأس الدولة إلي أدني وظيفة أو عامل لا فرق .. اتجهوا لتنمية بلدانهم بمراعاة تكافؤ الفرص والعمل علي ذلك فتغير كُل شيء تدريجياً .. أصبحت الديمُقراطية والحُريات وحقوق الإنسان هي الشيء الذي يستهدفه الجميع في تطور دولهم ومجتمعاتهم ..  كان المفتاح الأساسِي لكل هذا التغيير هو القبول بالآخر المُختلف، لولا هذا المبدأ لظلت أوروبا إلي الآن في حُروب أهلية ومُنقسمة ، ولما صارت مُتحدة كما اليوم .. وكذلك أمريكا التي كانت تنتشر فيها ظاهرة الرقيق ثم الحروب الأهلية بسبب التفرقة العُنصرية والاستعباد من البِيض للسّود وبين الشمال الغني والجنوب الفقير فيها .. لم يتغير كُل هذا إلا بعد أن تغيرت العقلِيات والأفكار أولاً ثم جاء القبول بالآخر كي يستمر التعايش السلمي ثم أتي الدستور الوطني والقوانين و الحُريات وحقوق المواطنة لاحقاً، ليتفرغ الجميع لبناء الدولة مع وجود الصراع السياسي نعم لكنه محكُوم بالمبادئ والقوانين الديمُقراطية.

واقع السُودان المأزوم اليوم وكُل هذا التناحر والصِراعات في سعينا نحو الديمُقراطية واستدامتها ونحو السلام واستدامته ونحو التنمية واستدامتها ونحو الاستقرار والتطور والتقدم كُل هذا لن يحدث إن لم نقبل ببعضنا البعض كسودانيين أولاً ونقبل بالاختلاف فيما بيننا .. آن لنا جميعاً أن نتواضع لهذا المبدأ والشرّط الأساسي لنمضي في عملية التغيير للأفضل لبلادنا .. لم ولن تنفعنا الصِراعات والتناحر و الأنانية.. أفراد و مواطنين عاديين و قوي سياسية .. النزاعات التي تحدث، والحروبات مصدرها الأساسي هو عدم قبول اختلافنا والآخر المُختلف. ليست هنالك قبيلة أفضل من قبيلة ولا إثنية تعلو علي أُخرى، ولا سحنة علي سحنة ولا لغة ولهجة علي أخرى، ولا حِزب سياسي علي آخر إلا بما يقبله الشعب منه ديمُقراطياً .. لا تفرقة بسبب دين أو مذهب .. لن نخلق تعايش سِلمي حقيقي وتغيير إلا بقبول الآخر المُختلف كشرّط أساسِي للديمُقراطية ولإحداث التغيير في السُودان للأفضل ووقف كافة النزاعات والحرب والصِراعات.

سُودان ما بعد الثورة يستلزم التواضع والعمل المشترك بيننا جميعاً لهدف مصلحة بلدنا في التقدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق