خارج الحدود

“حل الدولتين” على حافة الهاوية

بيان عابد

في وقتٍ قريب، سينتهي الصراعُ العسكريّ الحالي بين إسرائيل وحماس، لكن هذه الجولة الأخيرة من المواجهات الإسرائيليّة الفلسطينيّة –الضرباتُ العسكريّة الإسرائيليّة في غزة، وهجمات حماس الصاروخيّة على المدن الإسرائيليّة، بالإضافة إلى تصاعد العُنف بين العرب واليهود– ستكون تشعّباتها عميقة وطويلة الأمد. وفوق هذا كلّه، لقد أدرك الإسرائيليون والفلسطينيون ومعظم المجتمع الدّولي أيضًا أنّ البحثَ عن حلّ ٍ سِلميٍّ للصّراع على وشك الانتهاء في المستقبل القريب.

الصراعُ الذي بدأ في أوائل شهر أيار لم يكن مخطّطًا له، لقد كان تتويجًا لخطواتٍ متنوّعة صغيرة ولكنّها مهمّة، ورغم ارتباطها ببعضها البعض، إلا أنّها لم تجعل العُنفَ أمرًا لا مفرّ منه. ومع ذلك، فإنّ المزيج بين الديناميكيّات السياسية المحليّة الإسرائيليّة والفلسطينيّة، والإخفاقات الدولية، والعلاقات المتدهورة بين الجانبين خلقت الظروفَ المناسبة لإراقة الدّماء.

ومع ذلك، بغض النظرِ عن نوعيّتها العرضيّة، فإنّ جولةَ العنفِ الأخيرة ستكون لها عواقب دائمة. ستخرج حماس من الصّراع أقوى، وستكون السُلطة الفلسطينيّة ورئيسها أضعف. أمّا بالنسبة للعنف بين عرب إسرائيل واليهود، فسوف يهدأ في نهاية الأمر، لكن فهم العرب للتمييز المنهجيّ سينمو، وسينمو معه الاعتقاد بأنّ البحثَ عن المساواة داخل إسرائيل عديم الجدوى من الأساس، كما أنّ الدور الرمزيّ للقدس سيتوسّع أيضًا، الدورُ الذي سيعمّق الأبعاد الدينية للصّراع. بالنّسبة للعديد من الإسرائيليين والفلسطينيين، فإنّ هذه التطوّرات تُمثّل العودة إلى مرحلةٍ قديمة من الصراع؛ فقد عزّزا الأسبوعان الأخيران الاعتقادَ بأنّ علاقتهما هي -مرّةً أخرى- وجوديّة وخاسرة، وأنّ الدبلوماسيّة لحلِّ النزاع لا طائل من ورائها، وأن العنفَ أمرٌ لا مفرَّ منه.

أَزْمَةٌ مُتَصَاعِدَة

المواجهة الحالية تتكشّف عبر أربعة مسارح. أدّى القصف العسكريّ  بين غزة وإسرائيل إلى تدمير البنية التحتيّة المدنيّة، ومقتل أكثر من مئتي فلسطينيّ؛ 30٪ منهم أطفال، وعشرة إسرائيليين، فقد أشعلت التوتُّرات العِرقيّة داخل إسرائيل أعمالَ  شغبٍ وعنفٍ طائفي لم يسبق لها مثيل بين العرب واليهود. إنّ الفلسطينيين والشرطة الإسرائيليّة والجماعات القوميّة اليهوديّة المتطرّفة والمستوطنين يخوضون مواجهات في القدس الشرقيّة؛ وذلك بشأن الوصول إلى الأماكن الإسلاميّة المقدّسة، والقيام بعمليّات الإجلاء المُخطَّط لها للأُسَر العربيّة من حيّ الشيخ جرّاح. وفي الضفة الغربيّة تصاعدت التوتُّرات بعد أن تسبّبت القوّاتُ الإسرائيليّة في مقتل أربعة متظاهرين فلسطينيين وإصابة العشرات في الثامن عشر من أيّار، وهو يوم احتجاج اجتاح المدن الفلسطينيّة الكبرى. ومع ذلك، لا تزال هناك توتّرات تحتويها الجهود المشتركة بين السُلطة الفلسطينيّة وإسرائيل.

لقد بدأت هذه الديناميكيّات بالتصاعد منذ أن قامت إسرائيل باجتياح غزّة في عام 2014م، وكانت تلك الحرب بمثابة نهاية لأي أمل حقيقيّ في التوصّل إلى صفقةٍ لإنهاء الصراع -كما كان يسعى وزير الخارجيّة الأمريكي آنذاك جون كيري للقيام بذلك، وبعد عام 2014م ساءت العلاقات بين الجانبين وتضاءلت إمكانيّة حلّ الدولتين تدريجيًا.

حل الدولتين

وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،

بعد توقيع معاهدات تطبيع علاقات مع إسرائيل في البيت الأبيض 15/09/2020

بدأ اليمين الإسرائيليّ في فَرْضِ نفسه، خاصّةً بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكيّة في عام 2016م، فسياسات ترامب شجّعت العديد من المحافظين الإسرائيليين على هذا، كما مهّدت الطريق لسياساتٍ متطرّفة مُعادية للفلسطينيين؛ حيث شرع المستوطنون الإسرائيليون بالتوسُّع في مناطق جديدة في الضفة الغربيّة، وأخذت إسرائيل بشكل روتينيّ تُصادر الأراضي الفلسطينيّة وتهدم المنازل على طول الطريق. بحلول 2019م/2020م بدأ العديد من الإسرائيليّين في المطالبة بضمِّ مساحات واسعة من الأراضي الجديدة دون منح حقوق متساوية للمواطنين الفلسطينيين، وما زاد الطّين بلّة هو أن العديد من الدول العربيّة بدأت أيضًا في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأبرمت في نهاية المطاف ما يُسمّى بـ “اتّفاقات أبراهام” في عام 2020م، ومع انحسار تضامُن الدول العربيّة مع القضية الفلسطينيّة، شعر الفلسطينيون أنفسهم بأنه يتمّ التخلّي عنهم أكثر فأكثر.

كانت هذه الضغوط واضحة بشكل خاصّ في القدس؛ فبعد اعتراف واشنطن في عام 2017م بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، زادت إسرائيل من وتيرة الضمّ غير القانوني، وكثّفت جهودها لتغيير الوضع الراهن في الأماكن المقدّسة في المدينة القديمة. قامت الشرطة الإسرائيليّة بتقييد وصول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، وحاولت إسكات الأذان، كما بدأت بمنح تصريحات دخول لعددٍ أكبر من اليهود الإسرائيليّين. وقامت السلطات بطرد سكان القدس الشرقيّة العرب من منازلهم، وبدأت بفرض أجندة قوميّة ودينيّة يهوديّة أكثر هيمنة في مختلف أنحاء المدينة.

أمّا في داخل إسرائيل نفسها، فقد قام الجناح اليمينيّ الأكثر جُرأة أيضًا باتّخاذ خطوات لتهميش المواطنين العرب الإسرائيليين، ويرى الكثير من هؤلاء المواطنين أنّ ما يُدعى بـ “قانون الدولة القوميّة” لعام 2018م (القانون الذي يُعلِن إسرائيل وطنًا تاريخيًّا للشعبِ اليهوديّ، ويُقِرّ اللغةَ العِبريّة بوصفها اللغة الرسميّة الوحيدة، ويؤكد أن المستوطنات اليهودية هي “قيمة وطنية”) ما هو إلّا وسيلة أخرى للتّمييز ضدّ عرب إسرائيل لصالح اليهود الإسرائيليين. بعد ذلك بسنتين، صَوَّتَ البرلمانُ الإسرائيلي على تعديلٍ كان من شأنه أن يُضيف المساواة للأقليات إلى القانون، مما يقلل من فرصة استخدامه لإضفاء الشرعيّة على التمييز القانوني ضد عرب إسرائيل. السّاسة اليمينيّون -من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو- يقومون بالتحريض بشكلٍ روتينيّ على الكراهية والخوف ضد عرب إسرائيل وممثليهم في الكنيست، والارتفاع الهائل في معدّلات الجريمة في المجتمعات العربيّة يؤدي دورَه في تعقيد مشاكل اجتماعية واقتصادية موجودة أصلًا.

طريق الصِّدَام

قبل أسبوعين، في السادس من شهر أيار 2021م، تصادمت أخيرًا هذه الديناميكيّات المتضاربة، الإسرائيليون والفلسطينيون والداخل الفلسطيني. كان السبب الأوّل والأكثر وضوحًا هو سياسات إسرائيل تجاه الأماكن الإسلاميّة المقدّسة في مدينة القدس القديمة ومعركتها الديموغرافيّة ضد الفلسطينيين في بقيّة القدس الشرقيّة المحتلّة. وقد مهّد هذا الطريقَ لمواجهات صغيرة خلال شهر رمضان بين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيليّة والمتطرّفين اليمينيين في البلدة القديمة؛ وذلك بسبب ما طرأ من تغييرات على الحرم الشّريف (جبل الهيكل) والوصول إلى باب العامود (بوّابة دمشق).

حل الدولتين

كانت هناك نُقطة أخرى بارزة وهي “حي الشيخ جرّاح” في القدس الشرقيّة. في نمطٍ يتكرر في جميع أنحاء المدينة المحتلّة، واجه العديد من السكّان الفلسطينيين إخلاءً وَشيكًا من منازلهم من قِبَل المستوطنين اليهود؛ فاحتشد سكان القدس الشرقيّة وآخرون من الفلسطينين والعديد من عرب إسرائيل ردًّا على ذلك، حيث قاموا بسلسلةٍ من الاحتجاجات المحدودة وغير العنيفة بصورةٍ أساسيّة.

وكان هناك حافزًا آخر للأحداث، وهو القرار الإسرائيليّ بمنع إجراء الانتخابات الفلسطينيّة، المزمع إجراؤها في 22 أيار في القدس. ظاهريًا،  وردًّا على قرار إسرائيل، قرّر عبّاس أن يلغي انتخابات رئاسة الوزراء الفلسطينيّة المقرّرة في شهر أيّار الماضي، ووعد بإجراء تلك الانتخابات فقط بعد موافقة الحكومة الإسرائيليّة على التراجع عن خطّتها الأصليّة. بَيْدَ أنّ هذا لم يُسفر إلّا عن مُضاعفة التوتُّرات الفلسطينيّة في الداخل. وقد رفضت جميعُ القوائم الانتخابيّة والمرشّحين الفلسطينيّين القرارَ تقريبًا، ومن بينهم حركة حماس. كانت أغلب الأحزاب تشكّ في أن الدافع الحقيقي وراء ذلك هو إدراك عبّاس بأنه سيخسر السباق وسيضطر إلى تقاسُم السيطرة على البرلمان مع ثلاثة منشقّين بارزين عن حركة فتح وهم: محمد دحلان ومروان البرغوثي وناصر القدوة.

كانت الشرارة الأخيرة لأحداث العنف الجارية هي عدم قدرة حماس على تشكيل تحالُف مشترك ضدّ إلغاء انتخاب عبّاس، رغم المعارضة الواسعة لها. وعلى الرّغم من أن حركة حماس تواصلت مع قوائم انتخابيّة أخرى للحصول على دعمها، لكن لم يرغب أي منها في أن يُنظرَ إليها على أنها من حُلفاء حماس، وهذا وجّهَ ضربةً قويّةً لاستراتيجيّة حماس على المدى البعيد.

ومع تعثُّر هذه الاستراتيجيّة، تولّت قيادة حماس المناضِلة زمامَ المبادرة. لقد أتاح تصعيد الشرطة الإسرائيليّة في الأقصى وعمليّات الإخلاء وشيكة الحدوث في حيّ الشيخ جرّاح الفرصةَ لتحقيق هدفين: الأوّل هو معاقبة عبّاس وجعله غير ذي أهميّة سياسية، والثّاني هو معاقبة إسرائيل على سياساتها المعادية للفلسطينيين في القدس الشرقيّة وقرارها وقف الانتخابات في المدينة. وفي تحقيق هذين الهدفين، سعت حماس إلى أن تثبت للفلسطينيين وغيرهم أنه عندما يهرب عبّاس من معركةٍ في القدس فإنّ حماس سوف تقف إلى جانب أهاليها. وفعلًا، كانت حماس على استعدادٍ لخوض الحرب في غزة للدِفاع عن المدينة وعن المسجد الأقصى. وفي نهاية المطاف، في 10 أيار، أصدرت حماس إنذارًا نهائيًّا، فإذا لم تقم إسرائيل بسحب أفراد شرطتها وجيشها من المسجد والشيخ جرّاح، فإنّ حماس سوف تقوم بالهجوم. وبعد دقائق من انتهاء المهلة، بدأت حماس باستهداف بلدات إسرائيليّة بصواريخ أُطلِقَت من قطاع غزة؛ ممّا أسفَرَ عن ضربات جويّة انتقاميّة من قِبَل إسرائيل.

آفاقُ السلام

لم تطلق حماس العنانَ للمواجهة الحاليّة، بل قامت باستغلال التوتُّرات المتصاعدة فقط لإثبات قضيّة استبدال عبّاس، ولقد أدّى قرار إسرائيل بإلغاء الانتخابات في القدس الشرقيّة وخطوة عبّاس اللاحقة لإلغاء العملية برمّتها إلى سلسلةٍ من ردود أفعال لم يتوقّعها أيٌ من الطّرفين. ولو كانت الانتخابات قد جرت كما كان مخطّطًا لها، لكانت المواجهات في القدس الشرقية قد اشتدّت، لكنّها بقيت غير عنيفة على الأرجح.

كيف ستؤثّر المواجهة الحالية على آفاق السلام على المدى البعيد؟ لقد تلقّى حلّ الدولتين ضربةً قاضية لدى الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية، ونظرًا للجهود الإسرائيليّة الرامية إلى تهميش عباس والسُلطة الفلسطينيّة، فلن يكون من السهل إبعاد الضفّة الغربيّة عن الصراع القادم أو حتى الصراع الحالي. أمّا عن التنسيق الأمني بين إسرائيل والسُلطة الفلسطينيّة، فلن يكون كافيًا لاحتواء النيران المتصاعدة. في ضوء الخطاب حول الضمّ، لن تكون هناك أي حكومة يمينيّة إسرائيليّة راغبة أو قادرة على تجديد العمليّة السياسيّة التي تتطلّب إجراء مفاوضات مع قيادة “السُلطة الفلسطينيّة”، حتى ولو اتّخاذ خطوات تدريجيّة صغيرة.

الانتخابات والإصلاحات السياسية هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل النظامَ شرعيًّا وخاضعًا للمُساءلة، والذين يرفضون الانتخابات -لأنّ عباس سوف يخسر، أو لأن العملية قد تُضفي الشرعية على حماس- عليهم أن ينظروا في العواقِب؛ فتجاهُل المشكلة وإبقاء حماس مُحاصَرة في قطاع غزّة ليس حلًا.

ينبغي ألّا يكون هناك وَهْم بشأن دور المجتمع الدوليّ هنا. في أحسن الأحوال، الدول العربيّة وغيرها من الدول -من بينها واشنطن- لا تستطيع أن تُساعد في إدارة الصراع إلّا بجعل الوضع الرّاهن مُستدامًا، غير أنّها لا تملك القدرة ولا الإرادة السياسيّة لإجبار إسرائيل على احترام القانون الدوليّ، ولا دفع عبّاس والسُلطة الفلسطينيّة لاحترام معايير الحُكم الرّشيد. رغم صعوبة الأمر، يجب على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يفعلوا ذلك بأنفسهم.

د. خليل الشقاقي

(٭ عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق