ثقافة وفن

فيلم Cléo From 5 To 7… أزمةُ الهوية الضّائعة والذات المختبئة في المرآة

بواسطة سِوار قوجه

في مجتمعٍ يرتكزُ على «الصورة» والهوية الذاتية التي انحصرت في صورة «سيلفي» وما يراه الآخرون على مواقع التواصل الاجتماعي؛ نحن عرضة في هذا المجتمع لتفكّك الهوية وتعويمها.

لقد أصبحت هوية الذات عبارة عن سلعة في عالم أضحت فيه صفة «المؤثِّر» مهنةً حقيقية وليست صورةً بلاغية فحسب. وما يزيد الطين بلّة، أن النجاح في هذا العالم يعتمد على امتلاك ما يُدعى بالأصالة!

تأخذنا آنييس فاردا -الأم الروحية للموجة الفرنسية الجديدة– في تحفتها: كليو من الخامسة إلى السابعة، في رحلة معقّدة من الاستحواذ والتخلّي والعثور على الهوية الضائعة.

إلا أن  فيلم Cléo from 5 to 7 لآغنيس فاردا كثر من مجرد احتفاء بامرأة شابّة في بحثها عن ذاتها. لا تقتفي فاردا في فيلمها أصل استبداد المرأة والاستخفاف بها فقط، وإنّما تطرح مُرافعةً كاملة ضدهما وتغالِب تشييئ المرأة وضياع أناها في متاهة المرايا. وغداة صدوره عام 1962، كان الفيلم جزءًا من حركةٍ عامّة لتعزيز دور المرأة شملت هوليوود وأوروبا.

الهوية والاغتراب

دائمًا ما نجد في أعمال العديد من مخرجي الموجة الفرنسية الجديدة نوعًا من الاغتراب الذي يأتي يدًا بيد مع الخيبة، وعلى عكس النظرة التشاؤمية في أعمال معاصريها، ترى فاردا الاغتراب على أنه طريقة لاستحقاق ذواتنا؛ طريقة تمنحنا الأمل وتحررنا مهما تعاظمت الشكوك. ففي استلام كليو زمام حياتها وامتلاكها لحرية تشكيل صورتها الخاصة فهي تخرج من قوقعة الشخوص في أفلام مثل The 400 blows لفرانسوا تروفو و Vivre sa vie لجان لوك غودارد.

تقول آنييس فاردا: «لطالما أردت في أفلامي أن أدفع المتفرج إلى رؤيةٍ أعمق؛ ما خلف ماهية الصورة. ما أرغب فيه ليس تقديم مادة مرئية وإنما تلقين المتلقي فن الرؤية.»

تترافق الهوية مع نوع من المجاز في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين. وفي فيلم فاردا، يرتبط إدراك الهوية وتحقيق الذات مع كلٍّ من البصر والبصيرة.

قُدِّمت ثيمة «الهوية المنبعثة» على امتداد فصول الفيلم وأطروحاته الأسلوبية. فقد عُنيت آنييس في المقام الأول برواية الحكاية. يعطي فعل البحث عن الهوية الفيلم ثيمة أفلام اكتشاف الذات والاغتراب مثل أفلام أخرى من الموجة الفرنسية الجديدة. لكن، وعلى عكس فيلم Vivre sa vie الذي ينتقل فيه غودارد بين العرض والسرد على طريقة برتلود بريخت، تميل فاردا في طرح فصول فيلمها بصورة مباشرة إلى لتدليل على رحلة كليو في بناء هويتها الخاصة.

يفتتح فيلم Cléo from 5 to 7 مشاهده في بيت قارئة للتاروت عند الساعة الخامسة حيث تنتظر كليو نتائج الخزعة التي ستؤكّد إصابتها بمرض السرطان، ويستمر حتى السابعة في رحلة نحو استحقاق كليو لهويتها الضائعة. التُقطَت كروت التاروت في المشهد الافتتاحي بعدسة ملونة، في دلالة إلى الحقيقة بوجهها العاري، بينما التُقطَت حياة كليو وواقعها بالأبيض والأسود. هنا تثير فاردا نوعًا من التشويش في نفس المشاهد وتدفعه للتساؤل: لمَ أُشبِعت بعض اللقطات لونيًّا بسخاء بينما باقي الفيلم بالأبيض والأسود؟

يحاكي هذا التشوش بحث كليو عن علاج شافٍ لكلٍّ من مرضها العُضال وهويتها الضائعة وقيمتها الذاتية.

لمَ انشغلت كليو في هذا اليوم الربيعي المتألق وفي ساعات لقاء الأحبة في باريس -من الخامسة إلى السابعة- بنتائج فحوصاتها الطبية؟ لمَ تعتنق كليو شهرتها وتتنصل منها في نفس الوقت؟

يمدُّ هذا التباين والتشويش في المشهد الافتتاحي حوارًا بين التوقعات والنتائج، بين الواقع والخيال الذي يناشد كليو ويشغلها ويشغلنا طيلة مدة الفيلم.

الذات المختبئة في المرآة

يحفل فيلم Cléo from 5 to 7 بالمرايا والانعكاسات حرفيًّا ومجازيًّا. المرايا التي تتمحور حول كيان كليو وانعكاسها ونظرات الآخرين لها والقَدَر الذي نقابله وجهًا لوجه كرؤية انعكاسنا في المرآة.

يوضّح جاك لاكان في مؤلَّفه التحليلي «طور المرآة» ؛ أن هويتنا هي مجرد مجاز بحت تختبئ خلفه المادة الحقيقية لأنانا. ويمكننا تحليل ثيمة المرآة في الفيلم إلى ثلاث محطات:

الأنا في المرآة:

ترخي العديد من الهويات ظلالها على عاتق كليو؛ المغنية وملكة الجمال والحبيبة والرفيقة ولا يمنحها أي من هذه الهويات الاكتفاء أو السكينة. وفي خضم كلّ تلك الزوايا والنظرات أضحت كليو مشوشة وغير واثقة من ذاتها الأصيلة الحقيقية. يبدأ الفيلم مع قارئة التاروت التي تزفّ لكليو خبر موتها، فما كان من كليو في محاولة لتطمين نفسها سوى أن تنظر إلى انعكاسها في المرآة. فالمرآة تقدم لها صورة ثابتة عن ذاتها، تهرب إليها لإيجاد الطمأنينة. جمالها هو ضمانها وركيزتها التي تُشعرها أنها على قيد الحياة. تقول كليو: «القبحُ هو الفناء.» فانعكاسها في المرآة يُصادق على وجودها.

في بيت قارئة التاروت تقف أمام مرآة البهو التي تعكس صورة وجهها عديدًا من المرات وتضيق صورتها مع كل انعكاس. تعكس هذه اللقطة وجهة نظر كليو المحدودة، هي غارقةٌ في ذاتها ونرجسية.

كليو بحد ذاتها عبارة عن مشهد أو صورة؛ تُرى لكن لا تَرى، فقد أعمتها أناها المزيفة. هي شيء وليست جزءًا فاعلًا في حياتها الخاصة. تُعامل عند تجوالها في الشارع بوصفهاأقنومًا جميلًا، وفي البيت تجد نفسها محاطة بأصدقائها وخادمتها التي تقدِّسها والتي تحاكي دور الأم في حياتها. كليو طفلةٌ أبدية مدللة وما زالت حبيسة رحم المرآة. لكن على وقع أغنية تأبينية تحرِّض الكثير من الارتكاسات العاطفية تغادر كليو بيتها لتبدأ المرحلة الثانية للمرآة.

النظارة السوداء:

عند مغادرة كليو لمنزلها تغير ثوبها المكشكش وترتدي ثوبًا داكنًا بسيطًا وتتخلص من وصلات شعرها. لقد تخلت عن الزيف. يرى الجمهور للمرةالأولى كليو الحقيقية، ومن هنا ستبدأ رحلتها نحو فهم ذاتها واكتشافها.

تتابع كليو رحلتها في طرقات باريس وتختلط مع العامة. هنا وللمرة الأولى لم تعد قبلة الأنظار التي كانتها في المحطة الأولى. لا يعيرها أي شخص الانتباه، الآن هي مجهولة تمامًا ومختبئة خلف نظارتها السوداء.

ومع محاولة كليو سلخ نفسها عن ذاتها المزيفة تكشف الانعكاسات مع تقدم الفيلم ذاتًا غنية ومتعددة الوجوه. لم تعد كليو مركز الاهتمام حتى في انعكاس صورتها. في هذه المرحلة كانت انعكاساتها مشوهة ومشتتة تشي بالتباس هويتها. وعندما تدرك كليو ضياع انعكاسها بين الجماهير يعتريها الخوف وقد تحطمت فكرتها القديمة المشوهة عن أناها.

تقرر كليو في النهاية اعتناق ذاتها عديدة الوجوه هذه عندما ترمي المرآة وتشهد انعكاس وجهها في مرآتها المحطمة. أثارت هذه النقطة اهتمام ساندي فليترمان لويس في كتابها «الرغبة من منظور آخر: النسوية في السينما الفرنسية» والذي ناقشت فيه سينما فاردا: «يبدو تطور كليو في الفيلم كرحلة من قوقعة النرجسية والإدراك المؤلم للغياب وفقر الذات نحو تقبُّل الموضوعية الذاتية الضرورية في هيكلية كل المناحي الثقافية.»

سترتحل كليو عن ذاتها القديمة المثالية -كيان مكتمل تمامًا- نحو فرد مشتت يوجد بين جموع من الأفراد المشتتين. أي ستكتسب أصالتها الخاصة.

وبتعبير لاكان؛ لم تعد كليو مقتنعة بكمالها وانسلخت عن حياتها الماضية. فبالنسبة للاكان، اللحظة التي ينظر فيها الطفل إلى انعكاسه في المرآة هي اللحظة التي يطوّر فيها ما يُعرف بالذات، وقبل هذه المرحلة لا يرى الطفل ذاته بوصفه فردًا على الإطلاق وإنما يوجَد كتابع متوحِّد مع محيطه. وفي سعيه إلى تشكيل أناه قد يختل مفهومه عن الذات الأصيلة. ويصر لاكان أننا نعيش حياتنا منسلخين متناسين هويتنا الحقيقية. تمثل هذه العلاقة الجديدة التي يكونها الطفل بين الشكل والجوهر الصراع بين الحقيقة والمجاز. أدركت كليو أزمتها وعليها الآن أن تبرمج انمساخها وتلد نفسها بنفسها.

تصل هذه المرحلة إلى ذروتها عند لقاء كليو صديقتها دوروثي التي تعمل عارضةً في أحد الدور الفنية. تشخُص كليو ببصرها بانشداه إلى وضعيات جسد صديقتها، فدوروثي خالية من الهموم ولا تخشَ انكشاف ذاتها الحقيقية على محراب الفن. وذلك في تضاد حاد مع صورة كليو المصطنعة، إذ لا تتحدد الهوية بنظرات الآخرين واهتمامهم وإنما بفهم الشخص لذاته وللآخرين. وعند اعتراض كليو على فكرة العري بأن أناها ستبدو عارية، تجيبها دوروثي بالقول: «إنهم ينظرون إلى ما خلف المادة المحددة لأناي، إلى أقنوم أو فكرة كما لو أني لست موجودة.»

لقد وصل دور كليو كرائي/ناظر إلى ذروته، والآن خلعت عنها نظارتها السوداء.

الأنا في مرآة الآخر:

المحطة الثالثة والأخيرة في رحلة كليو تأتي عند لقائها بالجندي أنطوان. نظرة أنطوان إليها نقية وخالية من الخبث أو الابتذال ومليئة بالبراءة واللطف. يراها أنطوان ذاتًا مكتملة. وللمرة الأولى ندرك أن كليو أكثر من مجرد طفلة مدللة وإنما امرأة مثقفة وذكية وواثقة. وقد أكملت دائرة الولادة ووصلت رحلتها إلى خواتيمها بفضل نظرة واحدة ودودة.

تتشارك مع أنطوان رابطة ليست رومانسية أو جنسية بالضرورة وإنما رابطة من الألفة تقوم على كينونتيهما. المزاج العام لهذا الفصل خفيف؛ فاللقطات طويلة وحركة الكاميرا بطيئة في التقاطها لكليو وأنطوان سويًّا في حميميتهما المتنامية.

يناديها أنطوان باسمها الحقيقي -فلورنس- وبدورها تتكشف كليو عن وصولها إلى نوع من التصالح مع ذاتها. وحتى تأطير المشهد وزوايا الكاميرا تُظهر المساواة بين هذين الكيانين البشريين. تظهر اللقطة الأخيرة كلًّا من كليو وأنطوان جالسين على مقعد في متنزه يحدقان إلى انعكاس ذاتهما في الآخر. هنا تنظر كليو إلى الآخر وليس أناها وتدرك أن قيمتها تتحدد بفهمها لهذا الآخر وتواصلها معه. وتشير فليترمان لويس: «بتقبّل حتمية الموت، تتقبّل كليو هدايا الحياة. وبتقبّل أناها، تتعلم تقبّل الآخر.»

لا يوجد أي نوع من أنواع المرايا أو الانعكاسات في هذا الفصل، فعندما غنت كليو في المتنزه ورقصت قامت بذلك لأجل نفسها، فقد غاب النّظَّار عن المكان.

أنهت كليو رحلتها من الأنا الممسوخة والمحاطة بالانعكاسات والنظرات إلى كيان مكتمل يتمتع بالصفاء والعذوبة في علاقته بالآخرين. كيان مكتمل وقادر على تحمل الاغتراب ولعنة الوجود خارج مرآته.

العالم لم يتغير، لكن كليو قد تحولت تمامًا. تقول لأنطوان: «يبدو خوفي قد تلاشى، أنا الآن سعيدة.»

وحتى إن لم يُحسَم قَدرها ولم يُأكّد فقد فتح لها أبواب الحب والأمل والسكينة. فتح لها باب مستقبل بعيد عن السجن المبتذل للحياة اليومية والقوقعة الأبدية للذات.

(نقلا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق