آراء

غوايات

ما وراء الخطايا

عماد البليك

منذ تلك البذرة الأولى للخطيئة، وما زال الإنسان إلى اليوم محمولاً على ذلك الإثم؛ يفكر في تجاوزه إلى خلاص أبدي فيعجز، حين يجد نفسه دوما في مواجهة الآلام والعثرات والخوف من مجهول غامض.

وكأنما كانت تلك الجنة هي المكان الذي تحرر فيه الإنسان من الإثم والعذابات، ثم أطل على الأرض، المحدود؛ الذي قيّده وجعله مسجوناً إلى الضمير والأخلاق والقيم.

ولكن هل كان هناك بدون تلك الأشياء؟

هل كان يمشي بلا ضمير؟

بلا خلق بلا قيمة؟

لا.. كانت موجودة، لكنه لم يكن يفكر فيها أو ينتبه لها أو لم تكن مثار سؤال في كينونة وجودها، ثم إذا ما كانت الخطيئة فكّر فيها، أدركها، وبدأ في تلمسها وعرف معنى العذاب.

وكأنما حياة الكائن البشري هي ذلك الطريق الذي عليه أن يمشيه، مكتوباً عليه، قدرياً، أو فيه بعض من خياراته الذاتية، وفي نهاية الأمر لابد من التدرب على المشيء، القيام ثم السقوط.. ثم تكرار المحاولة إلى درجة ما، ومن ثم الانتقال إلى خبرات أخرى في علاقة الإنسان بالعالم من حوله.  فطبيعة العقل البشري تقوم على المداومة والاستمرار في ابتكار الخطايا والعمل على حلها أو التخلص منها للانتقال إلى خطيئة جديدة.

أكبر خطايا الإنسان هي التوحش الذاتي والعذابات الناتجة عن الأنا والعلاقة مع النفس، حين يجد المرء حقيقته في سجنه الذاتي، في كلام نفسه لنفسه علّه يجد المعنى ثم يقف عاجزاً لا يقدر على اختراع الطريق وحده، فقد خلق الإنسان لكي يكون ابن المجموع لا الفردانية الموحشة.

وعلى الجانب الآخر من الطريق، فإن التوحش مطلوب أحياناً.. لكن بمعناه الإيجابي لا السلبي.

التوحش الذي يجعلك تحاسب نفسك بأن تكون قاسياً معها بعض المرات؛ لا متسامحاً، مروضاً لها لا تاركاً لها على علاتها، بحيث تصبح أنتَ، أنتَ، من خلال التمرين الدائم على فعل الحياة الحقيقي. تلك الحقيقة الغامضة واللانهائية والتي لا يمكن لكائن أن يحدد شكلها الهلامي.

هي سيرة الإنسان في هذا العالم. الإنسان العارف والفنان والمجنون. والإنسان العادي والذي يظن أنه لا يبصر سوى محدود ما حوله، ففي كل الأحوال هناك عالم آخر يكون علينا أن نستقبله ونسير نحوه.. كون عميق وغريب وغامض. مجموعة من المعادلات الذهنية والاستطرادات المستمرة لمعنى أن يكون للحياة من صيرورة أبدية تغذي الذات الإنسانية.

هكذا هي فكرة الحياة قائمة على ذلك الغموض الغريب الذي يجعلنا دائما نغامر من أجل أن ندرك المعنى، منذ أن كانت لحظات العذاب الأولى، لكن هل أدركناه؟

أو هل سوف ندركه ذات يوم من الأيام؟

الإنسان ومنذ أن كان في بطن أمه يعاني لوعته وغرابته، يظن بخروجه للحياة أنه قد تحرر، ربما كان الرحم رمزية لتلك الجنة، في حين أن الحياة هي الحياة في كل الأحوال، سيكون علينا أن نتعود على لعبة المشي والسقوط، بأن نصبح كائنات وفق إرادة ما حولنا، مقيدين بقوانين الفيزياء والطبيعة والمجتمعات، سنحاول الخروج، سنقفز ثم نسقط.

لكن علينا أن نجرب، ألا نعرف اليأس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق