سياسة

امتحان الديمُقراطية ما بين تُونِس والخرطُوم وواشنطُن

نضال عبد الوهاب

أعادت أحداث ٢٥ يوليو في تونس والقرارات التي أعلنها رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وتوليه لمهام السُلطة التنفيذية ريثما يتم إعلان حكومة جديدة، وإعفاؤه لرئيس الحكومة الحالية هشام المشيشي، أعادت هذه القرارات الجدل حول الديمُقراطية كنظام للحُكم والحفاظ عليها مُمارسة وسلوك ومبادئ ومؤسسات.

كان الرئيس التُونسي قد أعلن للشعب التُونسي هذه القرارات بعد الاحتجاجات والمظاهرات العنيفة من الشعب التُونسي في ذكري عيد الجمهُورية التُونسية.. وقام مُتظاهرون غاضبون بعمليات إحراق وتكسير لعدد من مقار دور حزب حركة النهضة (الإسلامي) ، و قاموا باحتجاز رئيس مجلس النواب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أمام البرلمان في سيارته ، كما قام الجيش والشرطة بمنع النواب من دخول البرلمان تنفيذاً لقرارات رئيس الجمهورية ، أعلن قيس سعيد أنه لم يقُم بانقلاب كما تم الترويج له من البعض ، وأنه لم يخرُج عن الدستور وصلاحيات رئيس الجمهُورية المُنتخب من الشعب بتطبيقه فقط لنص المادة (٨٠ ) من الدستور في حالة حدوث خطر داهم علي البلاد ووحدتها وأمنها القومي ، وعدّ ما حدث في ٢٥ يوليو بعد مظاهرات الشعب وما سبقته من أحداث وعمليات إرهاب بحسبه ، بالإضافة للوضع الصّحي في البلاد والانهيار الصّحي بسبب تفشي الكورونا ومعدلات الوفيات اليومية كأعلى دولة في أفريقيا والمنطقة ، كذلك الأوضاع الاقتصادية وتفشي البطالة وحالات الفسّاد المتورط فيها بحسب رئيس الجمهُورية أعضاء في البرلمان والحكومة .. كُل هذا عده قيس سعيد تحت بند الخطر الداهم الذي يُهدد تونس، وأنه عملاً بالدستور وبعد مشاورة رئيس الحكومة وإعلام ومهاتفة رئيس مجلس النواب قام باتخاذ قراراته تلك.

رفضت النهضة وثلاثة من الكُتل البرلمانية وهي ائتلاف الكرامة والتيار الديمُقراطي وكُتلة قلب تونس تلك القرارات بالإضافة لأحزاب أُخري واعتبرتها انقلابا وخروجاً عن الشرعية ولا تتوافق مع الدستور، بينما أيدتها فقط كُتلة الشعب.

وكذلك أحدثت القرارات حالة من الترقُب والانزعاج لعدد من الدول الخارجية، كألمانيا وإيطاليا، وصدرت بيانات من الإتحاد الأُوربي والأمم المتحدة والجامعة العربية في ذات الوجهة دعماً لاستقرار تونس وضرورة الحِوار والتهدئة، وصرّحت الولايات المتحدة في تعليق من المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن ما حدث في تونس لا يُعد انقلابا وأن الولايات المتحدة تُراقب الوضع.. وكذلك خرج بيان باسم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بعد مُهاتفته للرئيس التُونسي أنه قد حثّ الرئيس التُونسي على احترام حُقوق الإنسان ومبادئ الديمُقراطية وأن الولايات المتحدة ستقف مع تونس في أزماتها كصديق. 

بقراءة لكامل المشهد في تُونس ومنذ ما عُرف بثورة الحُرية والكرامة في ١٧ ديسمبر ٢٠١٠ ، فقد تغير الوضع في تُونس باتجاه الديمُقراطية في بداية ما عُرف بثورات الربيع العربي وقتها ، وتمّ تغيير الدستور في ٢٠١٤ بعد الاستفتاء عليه ، وأُقرّت الدولة نظام الجمهُورية والبرلمان ، وفق رئيس للجمهورية مُنتخب من الشعب له صلاحيات تتعلق بالسُلطة التنفيذية ، و يمثل البرلمان السُلطة النيابية والتشريعية ، بالإضافة لوجود القضاء و المحكمة الدستورية ، ظلّت حركة النهضة في الفعل السياسي التُونسي مُنذ الثورة ، وتمتلك أغلبية حالية بي ( ٥٤ ) مقعد برلماني ، شهدت تُونس طوال الفترة ما بعد الثورة صِراعات داخلية للقوي السياسية فيما بينها ، وصراع ما بين النهضة والرئاسية ، ومُصالحات ، و أيضاً صراعات داخل البرلمان التُونسي ، واتهامات بالعمّالة والتكفير ، و صُنفت حركة النهضة كذراع للإخوان المُسلمين ، كما طالتها اتهامات بالفساد وعمليات التربح لنوابها و وزرائها ، و طالتها تُهم الوقوف وراء عمليات إرهابية ، وأن وزارة الداخلية فككت عدد ٣٣ خلية إرهابية بتُونس مع وجود العديد من الخلايا النائمة لاتزال ، كذلك وجهت لها اتهامات صريحة بالضلوع في التخطيط والتنفيذ عبر كادرها السّري لاغتيال كُلاً من اليساري شُكري بلعيد و المُعارض القومي التونسي محمد الإبراهيمي في ٢٠١٣ لكليهما ، كما أن حركة النهضة تُواجَه باتهامات مُحاولات نشر خطاب التكفير والكراهية والتطرف ، كما أنها نفسها أي حركة النهضة قد حدثت بها أزمات تنظيمية داخلية وانقسامات ، تقدم فيها عدد من القيادات بمجلس الشُوري وقيادات شابة ونسائية بالاستقالة ، وكل هؤلاء اتهموا رئيس حركة النهضة بالدكتاتورية ومحاولات التوريث و البقاء لأطول فترة وبتحويل التنظيم لتنظيم ديكتاتوري مُستبد لا تُمارس فيه الديمُقراطية .

أيضاً كامتداد لأزمة تُونس كانت تنشب صِراعات ما بين رئيس مجلس النواب الغنوشي ورئيس الجمهورية قيس سعيد، حاول الرئيس تخويل كُل الصلاحيات التنفيذية له تصريحاً بالقول للعودة لدستور بورقيبة ١٩٥٩ وعمل استفتاء شعبي عليه، الأمر الذي وجد مُعارضة باعتباره عودة للسُلطة الديكتاتورية وانقلابا على الديمُقراطية ما بعد الثورة.

كُل هذا يوضح بجلاء أن الديمُقراطية بتُونس ظلت تُعاني وتُصارع وأن هنالك مُحاولات مُستمرة لاختطافها وتشويهها أو تحييدها أو استغلالها أو حتى الانقلاب عليها!  ونقول صراحة وبوضوح أن ما تم من قرارات لرئيس الجمهورية هو انقلاب علي الديمُقراطية و الدستور التُونسي ، إذ أن الفقرة (٨٠ ) والتي أعلن قيس سعيد الاستناد عليها تُقر صراحة ونصاً حتي في حالة الخطر الداهم بوجوب الانعقاد الدائم لمجلس النواب وهذا مالم يتم إذ تم تجميده لمدة ٣٠ يوماً ، وكذلك تنص بشرط إعلام المحكمة الدستورية وهذا أيضاً لم يتم وبمشاورة رئيس مجلس النواب وهذا لم يتم إذا تم إخطاره بالقرارات هاتفياً وليست مُشاورته ، وكذلك ، وبحسب المادة (٨٠) يجب عدم توبيخ الحكومة ورمي اللوم عليها علانية ، وهنا نجد الرئيس قد خالف ذلك برمي اللوم علي الحكومة ونشر اتهامات بالفساد مقرونة برفع الحصانة عن النواب تمهيداً للمُحاكمة وهذا من صميم أعمال السُلطتين التشريعية و القضائية .

إذاً الرئيس وعكس ما يقول فهو قد خالف الدستور التُونسي ، ولا نعلم كيف فات هذا علي حكومة الولايات المُتحدة لتُصرح عبر البيت الأبيض أن ما حدث لا يُعد انقلابا أو خروجاً علي الديمُقراطية ، وكذلك تصريح وزير الخارجية الأمريكي بمناشدة رئيس تُونس بالمحافظة علي مبادئ الديمُقراطية وحقوق الإنسان بدلاً عن إدانة واضحة لما تمّ من سلوك ضد الديمُقراطية ومؤسساتها وتعدِّي من الرئيس علي الدستور التُونسي ، كُلنا يذكر ما تمّ من الغوغاء جماهير الحزب الجمهوري بتحريض ومساندة مباشرة وغير مُباشرة من ترامب يوم ٦ يناير ٢٠٢١ بمبني الكابيتول ، بعد أن رفض ترامب الديمُقراطية وحاول التشكيك فيها و ما نتجت عنه الانتخابات الأمريكية ، وإتهام الديمقراطيين وبايدن بتزويرها وسرِقتها ، ونداءه لنائبه بإعاقة العملية الديمُقراطية ورفضه الاعتراف بفوز بايدن، شهدنا جميعاً وكُل العالم مُحاولات تغويض الديمُقراطية في أكبر بلدانها الولايات المُتحدة ، وشهدنا كيف أدان جميع الحادبين عليها في أمريكا بمن فيهم بعض الجمهُوريين وكُل مؤسسات الدولة والحزب الديمُقراطي ما حدث ، ودافعوا عن الديمُقراطية ومؤسساتها ، والموقف العظيم من الجيش الأمريكي الذي حاول ترامب استمالته للانقلاب عليها ، فدافعوا عنها دفاع الأبطال وحموا مؤسساتها ومنشآتها وعلي رأسها مبني البرلمان الأمريكي ، فكيف تري الإدارة الأمريكية الحالية من الحزب الديمُقراطي أن نواب البرلمان التونسي يُمنعَّون من دخوله بواسطة الجيش ويتم تجميدهم من قبل الرئيس ولا يُدينون هذا الموقف أو يشجبونه ! .. هذا عار في تقديري ولا يواءم مع مبادئ الديُمقراطية، وخلط مُخِّل وموقف لا يُشبه الديمُقراطية ولا الديمقراطيين.

كذلك على السُلطة المدنية في الخرطُوم والسُودان وكُل القوي السياسية فيه التعلُم من هذا الدرس في ضرورة التمسُك بالديمُقراطية، وفي العمل على ترسيخ ديمُقراطية حقيقية، وممارستها كسلوك داخلي لكل القوي المدنية والحزبية والسياسية، واحترام بنود الدستور الحالي مُمثل في الوثيقة الدستورية، مروراً بالتحول الكامل نحو الديمُقراطية داخل مؤسسات الدولة السُودانية، فالديمُقراطية هي الحل وهي مُستقبل كُل الدول والشعوب المُحترمة والمُتحضرة. 

نأمل أن يتمسك الشعب التُونسي بالديمُقراطية وأن يرفض المتطرفون واللاديمقراطيون والفاسدون من خلالها وبها وليس بسواها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق