سياسة

هل نقض رئيس الوزراء غزل نسيج مبادرته بيده؟!

أمجد فريد الطيب

طرح رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك، يوم ٢٢ يونيو الماضي مبادرته (الطريق الي الأمام) والتي لاقت ترحيبا كبيرا من طيف واسع من السودانيين بإعتبارها لامست قضايا الإنتقال والمعضلات التي تواجه حركتها الي الإمام كما جاء في إسم المبادرة ذات نفسها. وبالأمس، ١٥ اغسطس ٢٠٢١، وبعد سبعة أسابيع من طرح المبادرة، أعلن رئيس الوزراء في مؤتمر صحفي عن تكوين الآلية التنفيذية لمبادرته. بغض النظر عن التأخير في إعلان أسماء أعضاء الآلية التنفيذية -وهي بطبيعة الحال تختلف عن آليات التنفيذ نفسها- والذي تجاوز المواقيت الزمنية التي وضعتها المبادرة لبعض بنودها -مثل تكوين المجلس التشريعي الذي حددت المبادرة ميقات شهر واحد من إعلانها – فإن ما تم إعلانه كان مجرد سرد لأسماء متعددة المشارب، دون توضيح لشكل وأدوات عملها والصلاحيات الموكلة اليها والمدى الزمني لعملها وما الي ذلك بما يتطلبه (تنفيذ) مهام وبنود المبادرة وكذلك فان طبيعة الأسماء في تكوين هذه اللجنة جاء بشكل ينقض غزل نسيجها في المقام الأول.

هدفت المبادرة حين طرحها الي مخاطبة حالة الخلافات والانقسام والشقاق العسكري / العسكري والعسكري / المدني والمدني / المدني. واحتفى بها الناس والتفوا حولها باعتبارها نقلت هذه النقاشات حول هذه القضايا الي العلن والي مكانها الطبيعي في الشارع، صانع هذا التغيير الذي انتج حالة الانتقال التي تمر بها بلادنا اليوم. ولكنها وعلى مدى السبعة اسابيع الماضية والتي تمخضت عن اعلان اسماء أعضاء آليتها التنفيذية، ظلت المبادرة محجوبة عن الناس، دون أي جهد جماهيري من الجهاز التنفيذي ورئيس الوزراء لفتح نقاش حول قضاياها مع الجماهير، او حتى توعيتهم حولها. وظلت اجتماعاتها تدور في الغرف المغلقة على عادة النادي السياسي المعتادة التي انتجت هذا الوضع في المقام الاول. ألتف الناس حول رئيس الوزراء حينما اعلن مبادرته، ظناً منهم بانه خرج عليهم اخيراً ليكاشفهم بما يدور ويشركهم في حله، في لحظة كادت تعصف بالبلاد نتيجة كل هذا الشقاق والاختلافات المتعددة، مستنصراً بهم لاستعادة ما انتزعه تغول مكونات الفترة الانتقالية الاخرى -الحكومية والسياسية- من سلطات الجهاز التنفيذي، فهل يا ترى خاب ظنهم؟

أعلن رئيس الوزراء تكوين الآلية التنفيذية من ٧١ إسم، معلنا منذ البدء أسماء رئيسها ونائب رئيسها ومقررها، وهو شكل غير طبيعي في تكوين مثل هذه اللجان ذات طبيعة المهام السياسية، والتي يتم إعلان عضويتها وترك هيكلتها ومناصبها التنظيمية لاختيار هذه العضوية بالتشاور والإنتخاب فيما بينهم، و والغرض البديهي من ذلك هو ضمان الحد الادنى من التوافق الديمقراطي بين هذه العضوية على توزيع المهام التنظيمية. ولكن واقع الحال في الإعلان عن هذه اللجنة بطريقته التي جاء بها -ان كان مقصودا- قد نحى الي الحفاظ على توازن قوى سياسي معين داخل اللجنة، بما يعكس انحياز ضمني الي بعض اطراف الكتلة الانتقالية المُراد تشكيلها، وهو الأمر الذي يتعارض بشكل قاطع مع هدفها الرئيسي في البحث عن توافق يعيد بناء الكتلة الإنتقالية، بحيث تجمع كل قوى الثورة والانتقال.

تم تكوين الآلية التنفيذية من ٧١ عضو، وهو عدد كبير جدا بما يستعصى الإتفاق بينه على أي خطوات (تنفيذية) -ناهيك عن تنفيذها- كما هو مرجو منها. واغلب الظن ان هذا التشكيل جاء نتيجة للرغبة في تمثيل الجميع، وهو اتجاه خاطئ تماما في مثل أهداف هذه المبادرة. فالمبادرة لاقت قبولاً واسعاً من قبل الشارع السوداني بإعتبارها مثّلت توجهاً مغايراً وطرحاً جديداً من قبل رئيس الوزراء لمخاطبة مشاكل النادي السياسي وحلها عبر أُطروحات جديدة من عنده تساهم بالدفع بقاطرة الإنتقال الي الامام، وليس مجرد وعاء تنظيمي جديد يمثل فيه الجميع -او من حضر-  بمختلف مشاربهم، وبغض النظر عن مواقفهم. فالمبادرة ببنودها السبعة التي طرحها رئيس الوزراء لم تكن مبادرة توافقية في تكوينها بقدر ما هي مبادرة إختراق لجمود الحركة السياسية في شقاقها من أجل البحث عن توافق تمضي به الفترة الإنتقالية الي الأمام. التوافق هنا كان ينبغي أن يكون نتيجة للأُطروحات والعمل التنفيذي الذي تقوم به هذه الآلية وليست مجرد تمثيل لأكبر قدر ممكن من الأفراد والتنظيمات من باب (الكترة في الجرجير) كما يقول المثل السوداني. وإلا فما الفرق بين هذه الآلية التنفيذية بشكلها الذي تم إعلانه بها وبين مجلس الشركاء او الإجتماع المشترك للحرية والتغيير ومجلسي السيادة والوزراء أو أى جسم تنظيمي في الدولة يضم كل الشركاء الحاليين في حكم المرحلة الانتقالية؟

التنظيمات والأجسام السياسية الكثيرة، التي امتلأت الآلية التنفيذية للمبادرة بتمثيلها، إنتزعت وجودها في الجهاز التنفيذي للدولة وفي هياكلها المختلفة بمبرر أنها الهيكل السياسي لعماد الفترة الانتقالية. وهو تبرير يؤخذ ويرد عليه، ولكن الشقاق فيما بينها وحالة التنازع المدني المدني كما وصفته مبادرة رئيس الوزراء حين طرحها، كان هو نفسه أحد أسباب طرح المبادرة في المقام الأول. وبالتالي فهي نفسها احد المستهدفين بالمبادرة بشكل مباشر، فبالتالي لا يمكن أن تكون جزءا من آلياتها التنفيذية.

أيضا حفلت الآلية باسماء كثيرة تمثل القيادات الأهلية والتقليدية ورياضين ومبدعين وما إلى ذلك. وهي عادة درجت عليها الأنظمة الشمولية في البحث عن قواعد اجتماعية لها بمحاولة ضم هولاء الي صفوف لجانها وهياكلها للإستفادة من شعبيتهم الجماهيرية. ولكن هل يحتاج د. حمدوك الي ذلك للدفع بمبادرة ذات طابع سياسي تقدمي يدفع بمهام الإنتقال نحو مجتمع مدني ديمقراطي حديث ؟! هذا الأمر هو بعض من إرث الشمولية في العقلية السياسية السودانية. فالقيادات القبلية التقليدية هي أحد هياكل الحكم المحلي غير السياسية على الإطلاق في السودان، ولذلك فهي صليح لكل السلطة، لأن غرضها الأساسي والوحيد هو تقديم خدمات لقواعدها من أي سلطة جاءت. وهذا لا يعاب عليها فهذا من طبيعتها، ولكن لذلك فهي لا يعول في صناعة أو تنفيذ أي مشروع سياسي ذو توجه محدد، مثل الإنتقال. لو قام إنقلاب عسكري غداً لكانت هذه القوى التقليدية في مقدمة مناصري السلطة الجديدة لكسب ما يمكن كسبه منها لقواعدهم. وهذا ما شهدناه في التاريخ القريب في أحداث ما بعد مجزرة فض الإعتصام. وأعتقد أن هذا الأمر هو ما أوقع تشكيل اللجنة في فخ أن تضم أسماء بعض من تماهوا مع الموتمر الوطني المحلول في فترة حكمه. وكذلك ما الذي يمكن أن يفعله الرياضيون أو المبدعون أو الشعراء أو غيرهم في مهام المبادرة السياسية المحددة، مثل إصلاح المؤسسة العسكرية، او توحيد مراكز القرار فيما يخص السياسة الخارجية أو تنفيذ وإكمال إتفاقيات السلام أو التوافق حول قضايا الإصلاح الإقتصادي و غيرها من بنود المبادرة التي تحتاج الي فعل سياسي تنفيذي (كما هو واضح في اسم الآلية التنفيذية نفسها)! حوّل هذا التكوين الآلية التنفيذية لمبادرة الطريق إلى الأمام إلى ما هو أشبه بحملة إنتخابية تهدف لحشد الدعم الإجتماعي كيفما أتفق بغض النظر عمّا تهدف إليه. وهو ما يجعل توصيفها أقرب إلى آليات الحوار الوطني التي حاول البشير مد أيامِه الأخيرة بها.

كذلك تجاهلت الآلية التنفيذية في تكوينها، أهم البنود والمبرر الأكبر لطرحها في ذلك التوقيت والمتمثل في حالة الشقاق العسكري العسكري كما وصفتها مبادرة رئيس الوزراء حينها. وقد نجح الطرح الإعلامي في ذاك الحين في تقليل حدة التوتر العسكري العسكري بين المكونات المختلفة. ولكن خلت هذه الآلية المعلنة من أي أسماء أو حتى أدوات عمل لمخاطبة ما يقتضيه مخاطبة جذور هذه المعضلة. سواء عسكريين سابقيين أو حاليين أو خبراء في هذا المجال أو حتى على الأقل ممثلين للمكون العسكري وهو أحد مكونات السلطة الحالية وكأنه غير معني تماما بهذه المبادرة أو تنفيذها! وأنها معنية بالجانب السياسي المدني فحسب وليس بشكل ووضعية وهيكلة جهاز الدولة ونظام الحكم بشكل متكامل! وهو أمر مستغرب بشكل كبير.

بشكلها الحالي فان مبادرة رئيس الوزراء قد نحروها او انتحرت، “لا فرق بين الرايتين”. ولكن الفترة الإنتقالية تبقى في منعطف كبير، والواضح من مسارها أنه ليس ثمة مخرج لإنقاذها غير الإسراع في تكوين المجلس التشريعي وبحسب توازن قوى أصيل يعكس الوضعية السياسية ليوم ١١ أبريل لحظة سقوط البشير. بحيث يضم جميع القوى الثورية ويسمح بإحتواء الصراع السياسي فيما بينها وفق قواعد العمل البرلماني، ويستطيع لعب دوره الفاعل في الرقابة والتقويم على جهاز الدولة التنفيذي وبقية هياكلها.

حفظ الله السودان وشعب السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق