ثقافة وفن

عالمية وشمولية بين الخط واللون

التشكيلي المغربي خالد بيي (الجزء الأول)

كنزة العلوي

“أمام ارتجاج الحروف ذات البعد الحركي على القماش تتحرر الأجساد الانسيابية من كل الإكراهات فهي تنفتح على رقص تعبيري وعلى حالة جدبه وكأنها تحمل في مسالكها الشخص المتواجد أمام العمل. من انصهار الحرف مع القماش يولد الإحساس بالاطمئنان والغبطة الأمر الذي تتيحه المشهدة المركبة بشكل عميق. في رحابة القماش، تقبض العين على هده الأشكال المنفردة البارزة أحيانا و المضمرة أحيانا لكنها مغايرة دائما. التخطيطات تعلن عن ذاتها بدفة متميزة باستقلالها الشامل عن فضائها الصباغي. فهي تمارس سيادة خاصة و لا تخضع لأية قاعدة صارمة. رسم صباغي، الحر وفية، تصميم غرافيكي، تصميم داخلي، تعشيق الزجاج، فن متعدد الوسائط ….خالد بيي يمارس كل هده التخصصات على نحو خاص. عندما ننظر إلى أعماله عن قرب، نستشف في كل حيز جانبا من خصوصياته المتنوعة، حيث عرف هدا الساحر جيدا كيف ينهل من الروافد. تحت فرشاة الفنان يصبح الحرف علامة، رمزا، و شخصية كاملة تمارس نجوميتها على القماش.التخطيطات أكثر جاذبية و نورانية. هاهنا، يصبح الحرف العربي متساميا و متباهيا بذاته. جمالية جديدة تنشأ من أنامل هدا المهندس الحر وفي الذي يساءل كل الإمكانيات”.

“اللغة التشكيلية لدى الفنان المبدع خالد بيي تتميز بالقدرة البليغة على الإفصاح عن حياة الأشكال و الألوان من خلال تعميق معالجة النور في بعده الصوفي. إننا هنا بصدد لغة تصويرية تمتح من عدة أصول مرجعية

تحيل على العناصر الزخرفية العربية الإسلامية و تستلهم الأشكال المختزلة و الألوان الموحية.

إن خالد بيي يؤسس مسلكه التشكيلي المتعدد على العلامات البصرية و الحروفية العربية، مع إبراز جماليتها

الباطنية و أبدالاتها الشكلية اللا نهائية. إنه يبحث عن سبل لغة تصويرية جديدة تستثمر الحروف كعلامات شدرية

وفق تركيبة إيقاعية متعددة المقامات. إن همه الجمالي هو منح الحرف العربي حرية و حركية محملة برمزية تخيل من الناحية المرجعية على طقس النور الهارب للمعنى الروحي للكلمة.

إن الفنان بيي شاعر الحرف و العلامة،حيث ينطلق من النصوص الشدرية لأعلام الفكر التنويري مستثمرا إياها كنموذج بصري و كمتن تشكيلي للتعبير عن مختلف المعاني الموحية المرتبطة بفن التخطيط وللرمزية العربية متعددة الأصوات”.

***

خالد بيي من الفنانين المبدعين المعاصرين بالمغرب الذين خبروا أسرار الحروف والكلمات في معانيها الصوفية والشعرية والحكمية، باحثا عن الجمال الجليل إلى جانب الجمال التشكيلي. انشغل منذ سنوات تكوينه الأولى بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء بمساءلة كل الخامات، وتجريب كل العوالم التعبيرية والسنائد الفنية، فكانت الحصيلة سلسلة متكاملة ومتآلفة من الأعمال الإبداعية التي تمتح من ذاكرة التراث العربي الإسلامي بكل مقاماتها ومعالمها البصرية النموذجية.

تمكن هذا الفنان بموهبته المبكرة أن يؤثث فضاءات تصويرية مجازية للكائن والكيان، ولعوالم الواقع والمتخيل، جامعا بين أقانيم الإدراك والإحساس، والحقيقة والتصور في حضرة العلامات الحروفية الشذرية والانسيابية. إن الأجواء البصرية التي يقدمها لنا خالد بيي لا تشتغل، فقط، على البناءات الحروفية الحركية، وإنما تترجم، أيضا، فيض أحاسيسه الوجدانية، وملكته التخييلية، حيث يتأمل المتلقي الجمالي الحس الصوفي لفكرة “الجمال والجلال” وما تستدعيه من تجليات وإشراقات على مستوى اللون والشكل والتركيبة.

يوظف خالد بيي في منحوتاته الرمزية كما في لوحاته التعبيرية مبدأ التجزيء والتشذير، مفصحا عن بلاغة عميقة في إعداد العمل الفني وإنجازه، إلى جانب التحكم البصري في بنياته وإبدالاتها، هو المبدع بصيغة الجمع الذي جاء من عمق الجنوب المغربي (أخص بالذكر أكادير) محملا بهمومه الإبداعية المتعددة، ومثقلا بطموحاته الفنية التي تتسع للعالم.

سبر خالد بيي أغوار الهندسة الروحية والبنائية للحرف، وصاغ بأسلوب تشكيلي شبه تجريدي الطبيعة الموحية للشكل في تماهياته المتنوعة مع العناصر الأربعة للكون (الماء، والهواء، والتراب، والنار)، موظفا بلاغات المحو و الإثبات، والكثافة والشفافية، والنور والعتمة، والعلامة والرمز، فكأن به يتعقب ما وراء البنية الحروفية، طالقا العنان لملكات الذهن الخالص، وللمخيلة الجامحة.

تختزل تجربة هذا الفنان “الكيميائي” بعض مقامات التفكير بالفن، إذ تمكنت من استلهام ثوابت وتحولات الحرف العربي، وطرحها داخل مادة وتركيبة العمل الفني، وجعلها، بالتالي، موضوعا أثيرا لإنتاج “التصور” في سياق تعبيري رمزي ينم عن سلاسة في التلوين المتناغم، وعن حنكة في توليف التشكيلات الحروفية وتكثيفها وفق ما يوحى به نبض اللحظة على طريقة الانطباعيين الحالمين بالقبض على النور الهارب.

خالد بيي مهندس المسافات الحروفية التي تدعونا إلى رؤية ” الصورة” “مكانية” و”زمانية” في الآن معا، ذلك أن التركيبة الذهبية للعمل الفني تخترق تضاعيف العنصر الحروفي برمته لتنهض كفضاء بصري مستقل يغلب فيه الشكل على المحتوى بدون حجاب أو مواربة. إنه يتجاوز البعد الجنيني للإعداد قصد مشهدة الشيء واللاشيء معا في أحوال إشراقية شبيهة بومضات “الما بين” و”الما بعد”. أليس الأمر احتفاء بالأثر لا محوا له؟ ألسنا بصدد التصور الفكري لحياة الحروف وتمثلها البصري؟ أليس الأمر شبيها، أيضا، بلعبة المرايا وانعكاساتها وبتداعيات الخيال المركب؟

عبد الله الشيخ (ناقد فني: أستاذ تاريخ الفن بالمدرسة العليا للتصميم والفنون البصرية بالدار البيضاء (المغرب)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق