آراء

كوكاسيات

دَفَنَنَا الماضي

عبد العزيز كوكاس

قال كارل ماركس: “إن الذي لا يتخلص من ماضيه، يكرره بشكل كوميدي”، وفي صيغة أخرى إن الأحداث تقع لأول مرة في التاريخ بطريقة تراجيدية وحين تتكرر تحدث بشطل كوميدي، وكان الزميل حسن نجمي يردد: “إن الموتى الذين لا ندفنهم جيدا، يعودون إلينا في صورة أشباح”، هل امتلك ماضينا كل هذا السحر الذي به يهيمن على مساحات شاسعة من يومنا وغد أبنائنا أيضا؟ لا مجال للشك في ذلك، برغم فتحنا للجنة للمصالحة مع ماضينا، وعلى الرغم من أن نِصْف تركيبة المجتمع هي من الشباب الذي يتطلع بقوة أكبر إلى المستقبل، فإن ما تحفل به الساحة اليوم، لا علاقة له بالمستقبل ورغبتنا في الانعتاق نحو آفاق أرحب، يبدو كما لو أن هناك قدراً يشد أقدامنا إلى الماضي البائد وبسلاسل من حديد، يأسرنا الماضي وتغوينا سراديبه، نجد متعة فائقة في عدم الانسلال من ظلاله، يقوم كتعويض عن خوض غمار حاضرنا وصنع مستقبل أبنائنا، حتى لنبدو كلنا غارقين في السلفية حتى قُمَّة رأسنا.

في خطَب الزعماء، كما في تحاليل النخبة ورؤاها، نجد أن الماضي قد دَفَنَنَا قبل أن ندفنه كما طمح إلى ذلك المبدع الراحل عبد الكريم غلاب، كيف نفسر استمرار سلطة الماضي وغوايته السحرية علينا؟ هل لأننا نحس كأمة سرق منها تاريخها وزُوِّر أرشيف ذاكرتها ونحاول أن نستعيده اليوم بعنف أقوى لتحقيق توازن مشتهى، فيما نسترجع الذاكرة التي هُرِّبت منا، نصبح أسيري هذه الذاكرة، وبقدر ما ندق باب الماضي الذي ظل موصداً في وجهنا، فإننا أصبحنا اليوم ننتقم من ذات الماضي الذي نسترده بعد عقود الأسْر.. لذلك يسكننا ماضينا ويعمينا عن الفعل المؤثر في حاضرنا والتوجه نحو غدنا بثقة، جل ما يكتب بيننا على امتداد كل هذا الوطن العربي مسكون برائحة الذاكرة والحنين، بإشكالات وأعطاب الماضي، الذي يظل يطاردنا… 

لقد أضحينا مغرمين بالتفسير السيكولوجي للأحداث والوقائع، وأصبح ماضينا مجالا خصباً للإقامة المريحة، زعماؤنا مشدوهون لاستعادة بطولة وأمجاد الماضي، المعتقلون منا في سنوات الجمر يبدو كما لو أن أرواحهم لم تنفك من قيد الأسر، ولازالت ذاكرتهم متحجرة خلف الأسوار.. لا تكفي سرقة التاريخ من طرف السلطة ومحاولة استعادته لتفسير دفن الماضي لنا نحن الأحياء على هذه الأرض، الآن وهنا… لست من الذين ينادون بطي صفحات الماضي دون أن تقرأ، لكن لست ممن يستهويهم الغرق في الماضي، هروبا من مواجهة أسئلة الحاضر وقلق المستقبل، لكني على رأي ساطع الحصري حين قال: ” يجب علينا أن نتخلص من نزعة الانشغال بالماضي كثيرا، وأن نقلع عن الالتفات إلى الوراء دائما، فلا يجوز أن نحاول تبرير مساوئنا بنقائص أسلافنا الأقدمين، ولا أن نسعى لإلقاء مسؤولية نكباتنا على عاتق تاريخنا القديم”.

على هذه الأرض ما يستحق أن نعيش لأجله، ولأبنائنا والأجيال القادمة واجب علينا أن نعدهم لزمن غير ما خلقنا له، فأكبر خدمة نسديها لهم هي أن نحصن بلدنا من أن يعيد تكرار ما حدث بالأمس… فهل نستطيع الخروج من أسر ماضينا للتوجه نحو المستقبل؟ مع اعتذاري المسبق لكل الذين لا زالوا يحملون جراح الماضي كالوشم على أجسادهم وذاكرتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق