سياسة

سفينة بَوْح

حُسن الظن المؤقَّت!

هيثم الفضل

أنا على قناعة تامة لا ينازعها الشك ، أن الثقافة الجمعية للشعوب قابلة للتغيير والتبديل والتعديل ، بسبب تأثير (سلوكيات) وتوجٌهات الحكومات ، خصوصاً إذا كانت هذه الحكومات شمولية ويُسيطِّرعليها إتجاه آيدلوجي وفكري واحد ، كما يدعم ذلك أيضاً توفَّر شرط بقاءها وتشبُّثها بالحكم أزماناً طويلة ، تماماً كما كان أمر الإنقاذ البائدة ، فالفساد الحكومي على مستوى مؤسسات الحكم السياسي والإداري وما يكتنف إجراءاتها  وقراراتها ومعاملاتها من تجاوزات تتصادم مع مباديء العدالة والمساواة وإيفاء الحقوق لمستحقيها ، هو من بابٍ آخر (دعوة) صريحة لعامة الناس و(توجيه) واضح المعالم للمجتمع ، لتبَّني وممارسة مُجمل الإختلالات الأخلاقية والقيِّمية التي (تتسِق) مع مظهر ومضمون حركة الفساد  بكافة أشكالها داخل منظومة الدولة ومؤسسات القطاع العام والخاص ، لتنساق في النهاية نحو التأثير السلبي على كافة المُعاملات التي تجري بين العامة أياً كان شكلها ومضمون ، كما أنها سوف تتراءى واضحة في أساليب ومناهج تحليل الوقائع والحُكم على الأشياء.

فمن شدة فُقدان الناس ثقتهم المبدئية في رجُل السلطة ، أصبح كل ما يمكن أن يُشير إلى نزاهته وإنحيازه للعدالة والتواضع وعدم الإلتفات للمصالح الشخصية ، هو بـ (الضرورة) حالة من (التمويه) المُتعمَّد للتغطية على فسادٍ ما ، قد تكون فرضية وجوده تحتمل إلى حدٍ بعيد عدم المثول في الواقع ، فالوضع النفسي العام لرجُل الشارع المُنهك بصعوبات الحصول على ضروريات الحياة ، فضلاً عن ما تم إختزانهُ في الوجدان الجمعي فيما سبق من فسادٍ غير مسبوق وظُلم إجتماعي غير مطروق ، يدفع الناس (قسراً) إلى إفتراض سوء النوايا ، وإعتبار كل مسئول وصاحب سُلطة (مُتهَّم حتى تثبت براءته).

والشواهد كثيرة على منصات التواصل الإجتماعي ووقائع (ونسات) المدينة ، فإن زار حميدتي البرهان للتهنئة بالعيد ، فسَّر الناس ذلك بمحاولة توافُّق بين العسكر والدعم السريع للإلتفاف على مشروع إندماج كافة الجيوش في قوة عسكرية وطنية واحدة ، وما من دليل على ذلك ، وإذا قرَّر مبارك أردول مدير عام شركة الموارد المعدنية تنزيل مبدأ تواصل القيادة الإدارية مع الكوادر الدُنيا في الشركة إلى أرض الواقع عبر قيادة حافلة الترحيل الخاصة بصغار الموظفين يوم الأحد الماضي ، إعتبر البعض ذلك نوعاً (التذاكي) و(المُبالغة) في الترويج  لوصف نفسهُ بالتواضع ، وإن تحدَّث رئيس الوزراء عن أهمية (وحدة داعمي الثورة) من المؤمنين بمبادئها وشعاراتها (كمؤشِّر) إستراتيجي لنجاح مُخطَّطات التغيير والخروج من عُنق الزُجاجة ، فسر بعضهم ذلك بأنه دعوة صريحة (لمصالحة) مع المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.

نحتاج إلى الكثير من الوقت الذي يتيح لنا قدراً (معقولاً) من التجارُب في التعامل مع الكثير من الوقائع (خارج) إطار ذاكرتنا المليئة بمرارات الماضي، حتى نستوعب مبدأ التفكير الإيجابي ، والإنطلاق من بؤرة التفاؤل وحسن الظن ، فمثلما يرى البلجيكيون إستخدام رئيس وزرائهم الدراجة الهوائية للوصول إلى مكتبه كل يوم شيئاً عادياً وطبيعياً بل (واجباً) ومن الضرورة أن يكون ، أتمنى أن يأتي يوم على السودانيين أن يؤمنوا ولو من باب (حُسن الظن المؤقَّت) أن قياداتهم ونافذيهم وأصحاب السلطة في بلادهم على قدرٍ لا يقبل الشك (مبدئياً) من النزاهة والتواضع والعفة والإنحياز للعدالة والقوانين والأنظمة ، وأن الإستثناء والوضع غير الطبيعي هو أن يكون بينهم فاسد ومُعتدٍ على حقوق ومُكتسبات المواطن والوطن.

أظُنها غير مُجدية …!

الخطة الإسترتيجية الكبرى التي تعمل عليها فلول الإنقاذ البائدة الآن ، والمُتمثِّلة في (توسعة) تداوُّل الشائعات المتواترة عبر وسائل التواصل الإجتماعي وبعض الصحف التي تشاركهم أضغاث أحلامهم حول إحتمالات ما أسموه (بمصالحة) مع الإسلاميين من غير المتورِّطين في جرائم مٌثبتة ، ما هي إلا إشارة إلى بدأ إعمال ما يُسمى (بالخطة البديلة) والتي تنبني فكرتها في باب الصراعات والحروب على إحتوائها دائماً على ما يمكن أن يقضي على الأخضر واليابس أوسياسة الأرض المحروقة ، وهي في ذات الوقت إشارة إلى إعتراف الفلول بوقوعهم في مستنقع (اليأس) الذي لا فكاك منه من ناحية إستعادة ثقة الشعب السوداني في حسن نواياهم ، أو من ناحية (تصديق) مكوِّنات الحكم الإنتقالي بمافيهم العسكر (برؤيتهم الإستراتيجية الجديدة) لما يمكن أن يُسمى (تواثُق) أو (إتفاق) مبدئي حول مستقبل البلاد والخطوات الواجب إتخاذها لإيصالها بر الأمان والمعتمدة بالأساس على تهيئة البنية الإقتصادية التحتية وتنزيل إتفاقيات السلام إلى أرض الواقع ، فضلاً عن توحيد وإعادة هيكلة الجيوش ، ثم أخيراً إقامة إنتخابات نزيهة وحُرة يؤمها كافة (المؤمنون) بحتمية إقرار نظام ديموقراطي مُستدام في السودان.

ولما كانت الآيدلوجية الأساسية التي تقف عليها مباديئ حركات الإسلام السياسي وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين على كافة مسمياته حول العالم ، مشروطة بحُكم فهمهُم القاصر للكتاب والسُنة بـ (حتمية) دعم (الآحادية) في الفكر والثقافة والدين خصوصاً حول معالجة منهج الحاكمية وتداوُّل الحكم ، يصبح من اليسير على أقل الناس إطلاعاً في مجريات العمل السياسي تمييز (التضاد) الفطري والمبدئي والمنطقي الذي يتنازع عبرهُ الإسلام السياسي مع فكرة التداول الديموقراطي للسلطة والحكم في السودان ، فهم قبل شيء يؤمنون (بسيادة) الثقافة الغالبة على شكل ومضمون الدولة إستناداً على مبدأ الأغلبية ، في حين الحصول على سُدة الحكم عبر الأغلبية لا يعني في المنهج الديموقراطي (هزيمة وإندثار) ثقافات الأقليات الأخرى ، وكذلك لا يعني أن الذين لا ينتمون لما يُسمى بالتيار الإسلامي ولم يدعموه إنتخابياً ، هم بحسب المنطق (الآحادي) يُعادون الإسلام أو يقفون في مواجهته.

من الواجب أن يعلم المُنتمين إلى تيار الإسلام السياسي وفي مقدمتهم فلول الإنقاذ والمؤتمر الوطني ومن تبعهم ، أن أوان إندماجهم مرةً أخرى في الحراك السياسي لمن يحِن بعد ، إذ أنهُ ما زال يستوجب (تجويد) عمليات التطهير الكامل لمُخلّفات عهدهم الأسِن المُعبَّأ بالمظالم والجرائم والمخالفات والخيانات الوطنية الكُبرى ، وأن مشروع تطهير الساحة السياسية من منظور إرساء قواعد (إستدامة) المسار اليدوقراطي لا يمكن أن يبلغ مُنتهاه إلا عبر التوافق حول دستور يستوعب بنداً يقضي بمنع تكوين الأحزاب عبر الإستناد على أسس دينية أو عرقية أو ثقافية مُحدَّدة ، إن (توافق) الإسلاميون حينذاك على ذلك مع غرمائهم وفي مقدمتهم الشعب السوداني أصبح من المُمكن والمنطق الحديث عن (مصالحة) ، على مستوى قناعتي الشخصية أظنها غير مُجدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق