ثقافة وفن

البليبلات

تاج السر الملك

نجت حبوبتي حليمة بت الشيخ ابو سرير، كما تقول اسطورة أسرتنا، وهي بعد رضيعة، من الموت، على أسنة رماح الجهادية، حين (كسرو) على دار صباح، في أتون سعارالفوضى، وحين مصلبة الوليدات،  وحين صدهم الشيخ (حمد النيل)، وهو يحمل كراع العنقريب، يدافع به عن أهله في (ابو حراز)، ولسان حاله، فإن لم تكن تسطيع دفع منيتي، تقول جدتي.. (يات من خبتو، رماه ناشف من فوق الخيل)، نجت حبوبة، وبعض من أسلافي،  من الموت بالذبح، بسبب ذكاء والدها، والذي ما أن رأي الشر، وأحس بالشرار من حوله، وعلم ألا مناص، حتى خرج يحمل بنيته على كتفه، وخرج إلى فناء القرية، وصاح بالجهادية…. أهلا بالفرسان، حرم إلا تنزلو تتغدو، وقام بذبح كل حيلته من الأغنام، وأعدت زوجه، جدتي لأمي (بتول بت الماحي)، الثريد، فتغدي الرجال، وذهبوا في حال سبيلهم، يطلقون صيحاتهم البربرية، يعيثون في الأرض خرابا.

حبوبتي حليمة كانت تحب البلابل، وكانت تسميهم (البليبلات)، وحينما تطل البلابل، بالماكسي الرقاش، على شاشة التلفزيون، تشعل حبوبة، سيجارة الشامبيون، وحين تشرق عيونها الكثيفة الكحل بالإشراق، تطلق حبوبة، مشاعرها الأثيرة، المختزنة، التي لملمتها في عمر طويل، من الحب والفرح والترح، من قمقمها، فتنتفخ خدودها بالدخان، مثل البالونات، أو مثل ما يحدث ل(ديزيي غليسبي)، وهو ينفخ في آلة الترومبيت، عاكف على عزف مقطوعة (ليلة في تونس)، ثم تنفث الدخان بعد صبر، على حرارته، آهة حري، أو معزوفة لعمر تصرم.

ثم أنني كنت أجلس بجانبها، وكنت أعشق البليبلات،  مثلي مثل سائر أهل السودان، من فئة الرجال البالغين، والقصر، الفاقدين للحنان، والذين هم كل رجال السودان، وإلى يومنا ذا، نظاميين ومدنيين وبنو كجة، و(بدون فرز). وبرغم صغر سني في ذلك الزمان، حين خرجت للوجود (مشينا)، إلا أنني اذكر، أنني لم أكن أرى أجمل من بنات طلسم، حين  ينشدنها، وحين يرقصن في جرأة، فأتسمر أمام التلفزيون الأبيض وأسود، يائساً يأس العاشق المدنف، وحين أدركن مقدمة (عشة صغيرة)، كنت أمشي بين البنيات زهواً، لا تسعني الدنيا.

وكنت أمقت في سري، ملازماً وسيماً في الجيش، من جيرتنا، كان يحكي دائماً، قصصاً عن أنه التقاهن في دار الإذاعة، حين كان مكلفاً بحراسة الرئيس، طمأنتني أمي، بقولها أنه، وحاة النبي (الجاك)، وشنو، بشير عباس كان لابس كنغولي كمان… كضب العدو يا يمة، والصغيرونة الإسمها (حياة)، إبتسمت لي مرة، فكدنا أن نغتاله، وقال أن (نحييك ما بتحيينا)، غنتها البلابل له، لأنه كان لا يرد التحية العسكرية، قوم لف!

على وجه هادية، بشر وترحاب وصرامة، على وجه هادية، شجىً، وشجن عميق، على وجهها أثر حرقة صبرذوي العزم، كلما زرت بيتها في (وودبريدج)، البيت الذي عاشت فيه وخدن روحها، المرحوم (بروفيسور بطران)، وعيالهم، كان هنالك طعام معد، دائماً، طعام طيب المذاق، وكل من يطرق الباب، سيأكل، والبيت مفتوح لكل الناس، في أي زمان، مفتوح، وفي البيت تسمع، حديثٌ مثقفٌ للبروف، وستجد أسطوانات لحمزة علاء الدين، مصفوفة على جانبي الحائط، وقد تلتقي بآمال هناك، وهي مثل شقيقتها، كريمة حد الكرم، وقد تلتقي بمنصور خالد، يحدثك عن (جكسا)، لا أحد يعلم، بمن ستلتقي، ولكنك ملاق صديق عبد الرحيم، صديقنا، في القولد التقيت بالصديق، عليه الرحمة.

بيت هادية، يذكرني بحوش عمي عبد الفضيل، في عصيراً دافئ وَخري، أنظف حوش دار، رأيته في حياتي، دائماً، مقشوش، ومرشوش، وممارن، طاهر تشهد عليه سماء أمنا الجزيرة. في بيت هادية، لا أحد يعلم، بمن ستلتقي، ولكنك حتماً ستلتقي بهادية، ستفتح لك الباب، وسوف تسمع صوتها العميق المرحب بصدق، وصوت هادية في غير الغناء، رصين ونافذ،  صوت واثق، صوت يجبرك على الإنصياع لأمرما، أمر لا تدرك له كنهاً، صوت قيادي، لا عجب فهي قائدة الثلاثي التاريخي.

تقول هادية، نحن لم نقلد أي فنان، نحن بدأنا بغناءنا الخاص من البداية، الجنيات بشرو، ومشينا، نحن لنا قالبنا الخاص، ولبشير فضل عظيم علينا، فهو يختار النصوص التي تشبه البلابل، ويفصل الألحان بدقة على أصواتنا، وصفنه بأنه كان بمثابة الاب، والمعلم، ونعتنه بالصبر، وطول البال، فقد كن صغيرات في السن، فأحتملهن، خلال البروفات، وفي غير زمن الغناء.

كفّي هادية، كفّي إمرأة نوبية، حينما تصافحك، كفين صنعتهما أيادي الله، كما قال (بوب مارلي)، كفين من تاريخ الحفر على الصخر، والحفر على تقاليد أمة بأكملها، وتراثها، وبناء الأهرام، وضرب الدفوف، وإن حدثتك هادية، فإنها تنظرك في عينيك مباشرة، دون خوف، ولكنها تاسرك بما في عينيها من طيبة متأصلة. بهاتين اليدين، وبذلك الصوت الآسر، فتحت هادية والبلابل، الباب على مصراعيه، لكل نساء السودان، ليبدعن في كل المجالات.

كانت البلابل ثورة، بيد أننا لم ندرك ذلك بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق