ثقافة وفن

في حوار مع الكاتب والناقد المغربي الدكتور محمد المسعودي

الرواية والإنسان ومتاهة الحضارة: قراءة لمتون الرواية العربية والعالمية

الدكتور محمد المسعودي من مواليد مدينة طنجة عروسة شمال المملكة المغربية  ومن أبرز الكتاب والنقاد المغاربة  في شمال  المملكة صدرت له عدة اعمال ما بين إبداع ونقد منها أبرزها  مدارج البوح والعزلة (شعر) وحلم طائر(شعر)سانشو بانشا يدخل المدينة (قصص.) وفي النقد إشتعال الذات سمات التصوير الصوفي في الإشارات الإلهية.. وفتنة التأويل في قراءة متخيل الرواية العربية.. الكتابة الشعرية في الأدب المغربي الحديث.. وفي بلاغة القصة المغربية القصيرة والرواية والإنسان ومتاهة الحضارة .

شارك في عدة ندوات داخل المغرب وخارجه.

حصل على جائزة ابن بطوطة في صنف الدراسات  الأدبية لسنة 2021 عن كتابه الرحلة ما بعد الكولونيالية في الأدب العربي المعاصر..وله عدة  مساهمات عديدة في كتب جماعية ومجلات محكمة.

في هذا الحوار سيتحدث لنا الدكتور محمد المسعودي عن عمله الجديد الرواية والإنسان ومتاهة الحضارة والذي يتناول  قضايا تتعلق بمدى تمكن فن الرواية من تمثيل أشكال تفاعل الإنسان المعاصر مع الوجود والحياة…باعتبار أن الأدب هو تمثيل لبحث الإنسان الدائب عن الإشباع الروحي واﻹطمئنان النفسي..وقد كان إنشغال الكتاب منصبا على ما يشعر به الإنسان من ضياع ومعاناة في ظل الحضارة الحديثة..وقد وقف الكتاب عند نصوص عربية وأخرى أجنبية لبلورة رؤيته الأشكال وتناوله في أبعاده الدلالية والفنية..كل هذه المحاور وغيرها ستكون موضوع حوارنا مع الدكتور محمد المسعودي.

حاوره عبدالحي كريط

< بداية نود، و من خلالنا القراء، التعرف عليكم وعلى الدوافع التي جعلتكم تختارون هذا الموضوع ؟

> أولا أشكركم على هذه الفسحة الجميلة للحوار معكم، وللتواصل مع القراء الكرام.

وللتعرف علي أشير، بمحبة لكم وللقراء الأعزاء، وبتواضع أن محمد المسعودي إنسان بسيط، شغف بالأدب، وباللغة العربية منذ نعومة أظفاره عبر القراءة المتواصلة، وكان يحلم منذ صباه أن يصير كاتبا، وحتى الآن ما زال يعمل ليحقق هذا الحلم، وهو في كل يوم يتعلم ويستفيد من الحياة ومن القراءة، ويكتب ويكتب ليعلم نفسه ويرتقي بها أولا، وما يكتبه يرجو أن يكون مفيدا للقراء وقادرا على إضاءة بعض جوانب الأدب العربي، ثانيا. أما الدافع لاختيار موضوع “الرواية والإنسان ومتاهة الحضارة” ليكون محور كتاب، فهو متعدد، مما لا شك فيه: هناك دافع نابع من رغبة ذاتية تتمثل في محاولتي لقراءة متون الرواية العالمية والعربية بأكبر قدر ممكن، وهو دافع حركني نحو أمر آخر، وهو السعي للكتابة عن الرواية، بما يستجيب لذاتي وما أستخلصه من رؤى وتمثيلات من النصوص التي أتفاعل معها وأكتب عنها.

والدافع الآخر هو أن الرواية باعتبارها فنا أدبيا محوره تصوير الحياة وتمثيل الإنسان وتحليل  نفسيته، ومحاولة فهم كنهه، وأشراكه في الوجود جعلت الإنسان محورها، كما يشير ميلان كونديرا في كتابه عن فن الرواية. ومن هنا إذا كانت الرواية حاولت منذ فجر تاريخها الارتباط بقضايا الإنسان ومشاكله الحياتية، ومآزقه الوجودية، وجسدت آماله وإحباطاته، فإن هذه الرواية في لحظتنا الراهنة، وخاصة في العالم العربي، تستجيب لمتطلبات التحولات التي فرضها عصر العولمة، وعودة الاستعمار إلى العالم تحت مسميات جديدة، فكان لزاما أن نقف عند بعض تجليات متاهة الإنسان ومتاهة الحضارة في زمننا هذا. من هنا جاء هذا الكتاب، ومن هنا كان اختيار هذا العنوان… والدافع الأخير، هو أن هذه القراءات كتبت على مراحل متقاربة، وكان هاجسها البحث في مدى تمثيل الرواية للإنسان وقضاياه، ولمتاهة الحضارة الإنسانية في حاضرنا، فتم جمعها بين دفتي كتاب ليسهل على القارئ الاطلاع عليها بعدما كانت قد نشرت في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية، أو شاركت بها في ندوات جامعية، وهذه الخطوة تأتي تكملة لمشروع شخصي يعمل على دراسة الرواية وفق تمثلاتي الخاصة ورؤى أعمل على بلورتها في قراءاتي هذه صدر منها كتاب: “فتنة التأويل في قراءة متخيل الرواية العربية الجديدة”، وهذا الكتاب “الرواية والإنسان ومتاهة الحضارة” بمثابة جزء ثان للكتاب الأول، وفي انتظار صدور كتاب ثالث بعنوان: “شهوة التخييل” قريبا إن شاء الله عن دار نشر سورية… وهناك كتابات أخرى تتبلور في نفس السياق نطلب الله أن يمد في العمر لننجزها..

< هل يمكن القول إن كتابك يحاكي نشأة الرواية بتطور الوعي الإنساني على منهاج هيغل ؟

> بشكل تقريبي يمكن قول ذلك… أو يمكن نفي ذلك، لأن الكتاب لا يبحث في نشأة الرواية أو تطورها، وإنما هو بحث في المنجز الروائي الحديث والمعاصر من أفق الكشف عن تفاعل الرواية في عالمنا المعاصر مع ما يجري، فالأساس الذي حرك الكتاب هو تجلية مدى قدرة الرواية على تمثيل تفاعل الإنسان المعاصر مع الوجود والحياة، باعتبار أن الأدب تمثيل لبحث الإنسان الدائب عن الإشباع الروحي والاطمئنان النفسي في زمن قلق يعمه الشك وتكتنفه الحيرة. وقد كان انشغال الكتاب منصبا على ما يشعر به الإنسان من ضياع وتيه ومعاناة في ظل الحضارة الحديثة.. وقد وقف الكتاب عند نصوص عربية وأخرى أجنبية لبلورة رؤيته للإشكال وتناوله في أبعاده الدلالية والفنية.. وإن كان الانشغال بالدلالة والأبعاد والرؤى الخاصة بالمبدعين هو جوهر الانشغال النقدي في هذه الدراسة، ولعل القارئ سيكتشف أن هذا الكتاب يجد امتداده فيما كتبته عن الرواية أو عن الرحلة أو الشعر أو القصة، بمعنى أن هناك قضايا أدبية وفكرية وفنية انشغل بها في كتاباتي النقدية تتبلور من خلال كل أعمالي الصادرة والتي ستصدر لاحقا إن شاء الله ونفس في العمر، وهي تمثل في النهاية وجهة نظري حول الأدب وعلاقته بالحياة والإنسان والوجود والفن…

< ماهي التمثيلات السردية المختلفة لحياة الإنسان المعاصر؟ وماهي الحمولة الرمزية التي جاء بها كتابك من خلال “متاهة الحضارة”؟

> تناولت القراءات التي اشتمل عليها الكتاب إشكالات تتعلق برؤية المبدعين للإنسان وإشكالاته الوجودية والحياتية، والتباس الواقع الاجتماعي وتأثره بالتحولات السياسية والتاريخية، ووضع الإنسان في ظل الحروب واختلالات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدينية والحضارية المعاصرة. كما تناولت هذه القراءات لغز العمران وتشكلاته الحضارية والإنسانية وواقعه في العالم العربي، كما اهتمت بإشكالات الهوية والتحولات الحضارية، وتبدل الهوية من أفق معالجة التاريخ، وتداعياته الراهنة، هذا إضافة إلى تناول جوانب أخرى ترتبط بالثقافة الشعبية ومدى توظيفها في بناء المتخيل الروائي من أفق شجب الاختلال وتعرية عفن الحياة والوجود، ورؤية الآخر للأنا العربي/المغربي أو الآخر الإفريقي، وقضايا الإرهاب، والجريمة في بيئات عربية أو إفريقية، وتمثيلات الروائي الغربي وغير الغربي عن بلاد أخرى.. وعديد من القضايا الجديدة التي يطرحها فن الرواية من أفق المشاغبة المعرفية، ومن أفق اتخاذ نظرات إبداعية رافضة وناقدة للعفن المستشري في وضعنا الحضاري الراهن.

أما الحمولة التي جاء بها الكتاب فهي كونه ينبه إلى جدوى البحث في هذا الأفق النقدي باعتباره مدخلا من مداخل مقاربة الأدب ودراسته، وفتح الباب نحو إمكانات جديدة للتأويل والقراءة تقطع مع الاقتصار على اجترار الأبحاث الشكلية وتناول ما صار مبتذلا في السرديات البنيوية والسيميائية من مباحث مكرورة. إننا نحتاج إلى تطوير الدرس النقدي بما جد في الدراسات الثقافية وما بلورته العلوم الإنسانية دون السقوط في وهم العلماوية التي يتشدق بها بعض النقاد العرب، لأن الأدب والدرس النقدي الأدبي ليس علما ولا يمكن أن يكون علما ما دام نابعا من رؤى المبدع والناقد ويعكس وجهة نظره، ولأن الأدب بطبيعته وعبر تاريخه الطويل رافض للتقنين وللقواعد الثابتة. ولعل هذه هي المتاهة الأولى التي يتخبط فيها أدبنا ويعمل هذا الكتاب على مساءلتها، أما “متاهة الحضارة” وعلاقتها بالإنسان المعاصر فلعل الكتاب يناوشها ويعمل على تبصير المتلقي بمآزقها.. وعلى القارئ أن يعود للكتاب ليقف عليها وعندها ويتأملها..

< ماهي المحددات الرئيسية التي انطلقت منها في بلورة الإشكال وإسقاطه على التفاعل الإنساني المعاصر؟

> المحددات التي وجهت قراءة الكتاب، ومكنتني من ضبط إشكاله الأساس: متاهة الإنسان ومتاهة الحضارة، والتفاعل الحاصل بين الإنسان المعاصر والحضارة الراهنة المخاتلة والحربائية، كانت هي منطوقات الأعمال الإبداعية الظاهرة والخفية. بمعنى أن قراءة الأعمال الإبداعية وفق رؤية منفتحة، وسعي حثيث لتأويل ما يمكن تأويله دون إسقاط أو إجحاف هو الهاجس الذي كان وراء هذه الدراسة. وقد تمكنت هذه القراءات من تجلية أوجه التفاعل المختلفة والمتنوعة مع الواقع المعاصر كما قدمتها الرواية، وكما تمثلها الروائيون وهم يعالجون قضايا اجتماعية ونفسية وفكرية ترتبط بشخصياتهم الروائية، وهي تعارك الحياة المعاصرة، وتصارع هول الوجود وفخاخه في الزمن المعاصر. ومن هنا تبرز قضايا متشعبة مما عالجتها هذه النصوص وأشرت إليها سابقا.

< قلت لي إن كتابك يحتوي على نصوص عربية وأخرى أجنبية عالجت سيكولوجية الإنسان وأوضاعه ومشاكله في ظل الحضارة الحديثة.. هل يمكن لنا أن نتعرف على بعض هذه النصوص بشكل موجز؟

> من النصوص التي اشتغلت بها لبلورة إشكال الكتاب أذكر روايات أجنبية، منها “الموسيقي الأعمى” لكورولينكو، و”الحشائش تغني” لدوريس ليسنج، و”الرجل الذي روى الحكايات” لباتريسيا هايسمث، و”شارع اللصوص” لماتياس إينار، و”راوي مراكش” لجويديب روي باتاجاريا، و”رأس داماشيرو منتيرو” لأنطونيو تابوكي.. وغيرها من الروايات الأجنبية.. ومن الروايات العربية: “الحياة من دوني” لعائشة البصري، و”حي الأمريكان” لجبور الدويهي،

و”منشدو كولونيا” لصلاح عبد اللطيف، و”الحاج ألمان (غيوم الريف)” لإبراهيم أحمد عيسى، و”الإسكندرية في غيمة” لإبراهيم عبد المجيد، و”طوق الحمام” لرجاء عالم، و”لهو الأبالسة” لسهير المصادفة، و”الرماد الذي غسل الماء” لعز الدين جلاوجي، و”حياة معلقة” لعاطف أبو سيف، و”مخلفات الزوابع الأخيرة” لجمال ناجي، و”عجائب بغداد” لوارد بدر السالم، و”نوميديا” لطارق بكاري، و”ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور، و”جواز سفر” لممدوح عبد الستار… وغيرها. وهو متن متنوع شمل تقريبا روايات من بلاد عربية عديدة.. 

< ينعقد الإجماع على أن الرواية بصورتها التي نعرفها الآن كانت قد ظهرت في المجتمع الأوروبي الحديث، فهي بذلك تعد الأسلوب الذي عبّر من خلاله المجتمع الحديث عن قيمه ونمط عيشه، ما مدى صحة هذا التوصيف؟

> هو توصيف صحيح إلى حد كبير، وكما تثبت متون الرواية الغربية، وكما تبين الدراسات التي أرَّخت لنشأة الرواية وتطورها. إذ إن الرواية بنت المدينة، وانطلقت لتمثيل حياة الإنسان سرديا مع سرفانتيس ودانييل ديفو وستيفنسون ومن تلاهم من الروائيين، وحتى الآن تعمل الرواية التي انتقلت إلى كل بلاد الدنيا على تمثيل الإنسان والحياة وتقديم رؤاها عن الوجود وتفاعل الإنسان معه، ومع وضعه الحضاري، وشرطه الإنساني في تحولاته وتبدلاته صعودا وهبوطا، نجاحا وفشلا، سلما وحربا، رخاء وأزمة.. وهذا نلمسه الآن ونحن ندخل السنة الثالثة من اكتساح وباء كورونا العالم، وما خلفه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وقد انخرطت الرواية بشكل كبير، إلى جانب أجناس أدبية أخرى في الوقوف على هذه المتاهة الجديدة التي تتخبط فيها الإنسانية ولا تجد لها حلا حتى الآن.

< ماهي التمثلات الفنية التي جاء بها كتابك؟

> هو في نهاية المطاف كتاب نقدي يسائل الرواية ويشتغل بها من أفق نقدي محدد وموضوع واحد هو ما حاولنا أن نقدم صورة مختزلة عنه في هذا الحوار. ولكن لم يمنعنا هذا الأمر من الإشارة إلى بعض التمثلات الفنية الجديدة التي بلورتها الرواية المعاصرة، وهي تتفاعل مع القضايا التي تطرحها ومع “متاهة الإنسان” و”متاهة الحضارة”، ومما لا شك فيه أن القراءات التي اشتمل عليها الكتاب تقف عند خصائص سردية فنية كثيرة وظفها كتاب الرواية لتقديم رؤاهم وتصوير الإنسان ومتاهته في الوجود والواقع المعاصر، وهي كثيرة، لكن يمكن الإشارة، باختصار، إلى بعضها: مثل تكسير أفق تلقي القارئ، تنويع العوالم المتخيلة، توظيف الفانتاستيك، اتخاذ السخرية منطلقا ومدارا لكتابة سردية رافضة، الرجوع إلى الموروث الشعبي وأسطرته وتوظيفه بما يلائم تصوير مطبات الحياة المعاصره وتيهان الإنسان المعاصر بين حفرها..

< “متاهة الحضارة” العنوان المركب الثاني الذي جاء بعد الرواية والإنسان.. ماذا تقصد ب”متاهة الحضارة” وما علاقتها بالرواية ؟

> أظن أن الأجوبة السابقة أجابت عن هذا السؤال بشكل أو بآخر. ولكن لمزيد توضيح أقول بأن الفن الأول الذي يشخص متاهة الحضارة المعاصرة هو الرواية، باعتبارها، كما ذكرت سابقا، ابنة المدنية والحداثة، وباعتبارها الفن الذي وضع نصب عينيه تمثيل الإنسان وتصويره في شتى مناحيه. وبما أن الحضارة الإنسانية الراهنة تعرف مآزق كثيرة، وتقوم على تدمير إنسانية الإنسان، وتتيح تغولا لا مثيل له للتوحش والعدوانية، وخداع الإنسان تحت مسميات براقة مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدل والمساواة… وهلم جرا من الخزعبلات التي يتشدق بها الإعلام ولا تطبق على أرض الواقع، فإن نحت مصطلح “متاهة الحضارة” كان، حسب وجهة نظري، المفتاح الذي مكنني من تناول النصوص التي اشتغلت بها، واستطعت أن أقف من خلالها عند أهم قضايا الرواية المعاصرة، وهي تصور تخبط الإنسان المعاصر وتيهانه.

<  كلمة ختامية؟

< لا بد أن أجدد شكري لكم على إتاحة الفرصة لي للحديث عن كتابي الجديد، وأن أشكركم على الأسئلة الدقيقة الدالة على متابعة ذكية لما يصدر من أعمال أدبية ونقدية، متمنيا لكم التوفيق والاستمرار في تقديم الجديد والجاد والمفيد للرقي بذائقة القارئ العربي وذهنيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق