ثقافة وفن

قصة قصيرة

يوميات ديور الصابون

أحمد الونزاني

المكان : درب الخربة رقم 11.

الزمان : اليوم الثالث من عيد الأضحى في سنة 1975.

من عاداتنا التي حافظت عليها أسرتنا، أننا كنا في اليوم الثالث لعيد الأضحى، يتم تحضير وجبة الكسكس  من طرف أمنا للا  فاطمة. كان الكسكس يتميز باحتواءه على الحمص و الزبيب و البصل و التوابل و على رأس الخروف المشوي بالنار و المقطع إلى أجزاء و المنزوع المخ.

قمنا ذلك اليوم متأخرين بعض الوقت، فقد كان أمسنا حافلا باستقبال أسرة العم و الخال على حد سواء ،و سهرنا حتى ساعة متأخرة من الليل، بعدما استمتعنا بأكل الكباب و طاجين من لحم العنق و الكتف الأيمن مع كاسات من شاي القافلة و كثير من الكلام  .

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، حيث تناولنا فطورا شهيا، ثم بدأت أمنا  للافاطمة بالتحضيرات الأولية لتحضير وجبة الكسكس بلحم الرأس. خرجت كعادتي لاتفقد بعض الأصدقاء في الدرب و في باب الدرب أي في حومة ديور الصابون، لكن سرعان ما عدت ادراجي فالكل بين منهمك في منزله أو مغادرته  لزيارة بعض أقرباءه.

مرت نصف ساعة على الأقل أو أكثر. كانت وجبة الكسكس تحضر على الطريقة البلدية و هذا يتطلب كثير من الوقت من النساء اللواتي ليس لديهن الخبرة الكافية. لكن أمنا للا فاطمة كانت ذات خبرة و شأن كبير في الطهي و الطبيخ و بالأخص في تحضير وجبة الكسكس، حتى أن النساء كن يأتين ليأكلن الطعام الذي تحضره و يطلبن منها تعليمهن ذلك. و لهذا السبب كان بيتنا يعج بالنساء من الأقارب و الجيران بعد كل  عصر من  يوم الجمعة ليأكلن من الطعام أي الكسكس الذي تقوم بتحضيره للافاطمة.

دقت الساعة الحادية عشرة صباحا، و بالمناسبة فإننا نمتلك ساعة حائطية كبيرة، تدق كل ساعة على شكل  دقات ساعة  بيغ بن.  بدأ شيء غريب يحدث، عاصفة رملية اجتاحت مدينة مراكش، بدأ يعم الظلام الفضاء و المكان. قمت بفتح النور، كانت رائحة وجبة الكسكس قد بدأت تفوح في كل مكان و هي على الموقد الغازي و الذي ساعد على منحنا القدرة على رؤية بعضنا البعض.

خرجت من منزلنا مسرعا لتقصي الأخبار، كان الظلام و لا شيء غير الظلام، حتى أعمدة النور لم تستطع مصابيحها على قهر ذلك الظلام و ذلك الغبار الكثيف. سمعت صوت سي تهامي جارنا و سي مصطفى و التحق بهم سي حسن. كانوا يعتقدون بأن القيامة قد قامت فأخذوا يرددون اللطيف و يتسامحون فيما بينهم و يطلبون   ان يغفر الله لهم.

سارعت الخطى قليلا حتى دار الجاوج ثم دار الحاج المحجوب، كان الظلام و الفراغ ،لم أستطع تجاوز ذلك، و عدت إلى منزلنا لتفقد إخواني و أخواتي و أمنا للا فاطمة و جدتي عائشة. كان كل شيء على مايرام إلا أن الكسكس قد أصبح جاهزا و لا ينقصنا إلا طلة أبينا سي العربي ،الذي قصد عمله ذلك اليوم عند الساعة السابعة صباحا كالعادة. في تلك الأثناء و في خضم تلك الأحداث و تلك الرياح الحمراء، التي جعلت من يوم مشمس و جميل يتحول إلى ظلام دامس، فالبصدفة كان لدى أبينا سي العربي عمل يقضيه في الحي الشتوي بجليز و هو في سيارته، حتى داهمه الغبار و ذلك الظلام فما كان منه إلا أن يستعمل كل أضواء السيارة و هو الخبير بالسياقة و شوارع و حومات مدينة مراكش  قاصدا حومتنا و منزلنا بأقصى سرعة، إلا أن ذهول الناس و خوفهم أدى إلى اكتضاض في الطرقات، بل إلى توقف السير والمرور بسبب عدم القدرة على الرؤية، و عدم الرغبة في المغامرة و اكتفاء أغلب الناس بإنتظار الفرج. لهذا السبب فقد تمكن سي العربي بفضل مهارته في السياقة و معرفته الطويلة بالطرقات و المسالك الممكنة، أن يتخطى كل تلك الصعوبات و المعوقات و بعد جهد كبير وصل أخيرا إلى حومة ديور الصابون و بالتالي إلى درب الخربة. كانت السماء قد بدأ يتغير لونها إلى البياض و بدأت تنقشع الظلمة من جديد و يعود ضوء النهار شيئا فشيئا. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف زوالا. كان كل شيء قد عاد إلى سابق عهده  ،يوم من أيام الله لا ينسى أبدا، يوم حل الظلام على مدينة مراكش. عادت الحياة إلى حومات و دروب المدينة الحمراء، بعد أطول ساعة ونصف عاشتها المدينة في ظلام دامس، كاد ان يتحول إلى كارثة بسبب حالات الاختناق الكثيرة التي سمعنا عنها، و بسبب الارتباك و ذهول الناس و بسبب الإعلام الذي كان غائبا و عدم توقع ذلك و الإعلان عنه في نشرات الأخبار الخاصة بتوقعات الطقس. لا أحد استطاع توقع ما حصل و لا حتى  الأرصاد الجوية، و لم تتم حتى إعطاء توضيحات دقيقة و علمية لتلك الظاهرة الغريبة و الفريدة و التي لم تتكرر حتى الآن.  و أصبح هذا اليوم أسطورة في تاريخ المدينة الحمراء و انطلقت الإشاعات بأن الصحراء المغربية قد أرسلت رسالة خاصة إلى المدينة الحمراء تعبر فيها عن حبها و فرحتها بعودتها لحضن الوطن و تعلن بيعتها الأبدية و تجدد   صلة الرحم بأبناء وطنها عبر مدينة مراكش المرابطية و التي احتضنت و كانت نقطة انطلاق ملحمة المسيرة الخضراء، مسيرة التلاحم بين الشمال والجنوب.

عاد سي العربي إلى بيته و حضن أسرته ،كان الكسكس في الموعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق