خارج الحدود

تطوير المجال الدّيني الشّيعي في السّعودية ومأسسته – السّياق العام

حسن المصطفى

موسمُ عاشوراء لعاًام 2021، في المملكة العربية السعودية، شهد ترتيبات عدة، بعضها يرتبط بالأوضاع الصحية الاستثنائية التي فرضتها جائحة كوفيد -19، والبعض الآخر على صلة بالتغييرات في المجال الديني في السعودية، وعملية الإصلاح الجارية التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للفضاء العام بوصفه مجالاً مدنياً ذا نزعة إنسانية، ليس لرجال الدين سلطة عليها، وإنما تنظمها القوانين والتشريعات التي تحفظ للإنسان حقه، وتنظم علاقاته مع بقية المواطنين، بحيث يمارس حريته الفردية، من دون أن يتعدى على حريات الآخرين.

تطوير الأنظمة

تنظيم الخطاب الديني، بدأ بـ”الدعاة السنة”، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال تتبع التشريعات الجديدة التي صدرت بالتحديد من وزارتي العدل والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وأيضاً “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهي إجراءات حدّت من تدخل رجال الدين التعسفي، وعملت على قوننة الأحكام القضائية، لمنع الاجتهادات الشاطحة، أو الأحكام التي تُبنى على مواقف ذاتية للقاضي، أو تلك التي تحابي تياراً أو حزباً ما، أو تعادي توجهاً فكرياً أو مذهباً ما!

في شباط (فبراير) 2021، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عن مشروع نظام الأحوال الشخصية، ومشروع نظام المعاملات المدنية، ومشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، ومشروع نظام الإثبات، وهي خطوة “ستُمثِّلُ موجة جديدة من الإصلاحات، التي ستُسهم في إمكان التنبؤ بالأحكام ورفع مستوى النزاهة وكفاءة أداء الأجهزة العدلية وزيادة موثوقية الإجراءات وآليات الرقابة”، وذلك لـ”كونها ركيزة أساسية لتحقيق مبادئ العدالة التي تفرض وضوحَ حدود المسؤولية، واستقرار المرجعية النظامية، بما يحدّ من الفردية في إصدار الأحكام”، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السعودية.

الحريات الاجتماعية

من يزر السعودية، يلحظْ أن الحريات الاجتماعية الآن باتت أوسع من ذي قبل، وأن النساء والشباب باتوا يمارسون حيواتهم من دون إكراهات من رجال “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ومن دون حدوث تجاوزات خارجة عن السياق المتوقع، أو جرائم، كما كان يروّج “المتشددون” في خطاباتهم التخويفية والمنذرة بالويل والثبور!

هذا الانفتاح واكبه تشريع أنظمة تُجرّم “التحرش”، وتعاقب الذين يعتدون على الفتيات، وتُشهر بهم، توازت مع حملات توعوية وتثقيف عامة.

ضبطُ المنابر

على مستوى خطاب الدعاة في المساجد، رغم أن هؤلاء الدعاة لا يزالون بحاجة لمزيد من التطوير والدراسة والانفتاح، إلا أن القوانين جعلتهم يكفون عن إثارة الموضوعات التي ترمي الآخرين بالضلال أو البدع أو الشرك أو الفسوق.

هناك تراجعٌ ملحوظ جداً في استهداف المثقفين الليبراليين والعلمانيين، أو النساء ذوات الآراء المتحررة من القيود الذكورية المحافظة. كما أن المواعظ التي كانت تحذر من خطر الشيعة والصوفية تراجعت، وبات بالإمكان الإبلاغ عن أي إمام جامع يكفّرُ طائفة من المسلمين، أو يحرّض على مثقف أو فنان ويشتمه! وبالتالي، حتى لو كان بعض هؤلاء الأئمة إقصائيين في أعماق تفكيرهم، إلا أنهم اليوم ليس بمقدورهم الترويج العلني لخطاباتهم المتشددة، وإلا فسيكونون عرضة للحساب القانوني.

خطابٌ منفتحٌ

بموازاة ذلك، هناك عملٌ على إنتاج خطاب ديني أكثر مرونة وقبولاً للآخر، مبتعدٌ عن الأحادية، مؤمن بأن “المواطنة” هي أساس العلاقة بين الأفراد، وأن الدولة وظيفتها تنظيم المجال العام والعدالة والتنمية ومنح الفرص المتساوية أمام الجميع، باختلاف لغاتهم ومذاهبهم وأعراقهم وأجناسهم.

هذا الخطاب المُتخفف من إرث “الصحوة”، يعمل على تشييد مدماكه الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي د. محمد العيسى، وهو سواء من خلال برنامج “الكلمة الطيبة” الذي تعرضهُ قناة MBC، أم خطاباته التي يلقيها في الندوات والمؤتمرات الدولية، نجد العيسى يسعى بوضوح إلى مد جسور التعاون مع مختلف الأديان والمذاهب، وهو بذلك يعاكس التوجه السائد لدى التيار المحافظ، حتى داخل “السلفية الكلاسيكية”، ويعلمُ تماماً أن نقّاده لن يكونوا من “الإسلام السياسي” وحسب، بل حتى من عامة الجمهور الذي تربى على أدبيات مغلقةٍ طيلة عقود. إلا أن الأهم، أن العيسى مستمرٌ في طريقه، وهو جزء من منظومة عمل أوسع، تشمل مؤسسات محلية الطابع وأخرى دولية، مثل “مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين أتباع الأديان والثقافات”، وجميعها تشتغل وفق رؤية تكرس التعددية واحترام الآخر وتنبذ العنف والتطرف.

إصلاح المناهج

وزارة التعليم السعودية، هي الآخرى، تشتغلُ على تنقية المناهج التعليمية من الأفكار المتشددة، ومن فتاوى العنف. لأن الوزارة كانت لسنوات طويلة مساحة لنفوذ “الإخوان المسلمين” و”السرورية”، وشارك عدد من رجال الدين المتشددين في وضع مناهج دينية كفرت وفسقت مواطنين سعوديين، وأدى ذلك الى حدوث مشكلات اجتماعية عميقة. ولذا، ومنذ سنوات طويلة، بدأت عملية تدريجية لغربلة المناهج، وزادت وتيرتها بُعيد إعلان “رؤية السعودية 2030″؛ إلا أنه مشروع طويل، يحتاج لكفاءات علمية، ونقادٍ شجعان للخطاب الديني السائد في البيئة التعليمية، ولخبراء بمكائد “المتأسلمين”، قادرين على معرفة حيلهم في دس السمِ في العسل!

السّياق العام

هذا السياق الديني والثقافي العام، الذي جاءت به “رؤية 2030″، وشمل أذرعاً أساسية للتغيير الفكري والاجتماعي والإداري، مثل: “هيئة الترفيه”، و”هيئة الرقابة ومكافحة الفساد”، و”وزارة الثقافة”.. هذا السياق من المهم فهمه، والوعي بتفاصيله، وإدراك مآلاته، لكي يعرفَ المتتبعون أن عملية الإصلاح والمأسسة للمجال الديني العام للمواطنين الشيعة في السعودية، ليس عملية “اضطهاد ديني” أو “منع للشعائر الحسينية” كما روّجت بعض الحسابات في منصات التواصل الاجتماعي؛ بل هي إجراءات تأتي في سياق المشهد الأوسع في المملكة العربية السعودية.

المتوجّسون والممانعون!

بالتأكيد، التغيير له ممانعون، إما عن عدم رغبة في المشاركة، أو لقلق منه، أو عدم معرفة بأهدافه، أو لتعارض التغيير مع المصالح القائمة لهؤلاء الممانعين، الذين يمكن تقسيمهم إلى: حزبيين لا يريدون أن تكون هناك أي عملية إصلاح خارج رؤيتهم التي هي جزء من سياق “الإسلام الحركي”؛ أو “محافظين” يعتقدون أن هناك استهدافاً للطائفة الشيعية من قبل جهات “سلفية”؛ أو جمهور عام غير عارف بما يحدث، ولذا موقفه منه ضبابي ويعتمد على أخبار الشبكات الاجتماعية؛ وهناك فئة أقل لا يمكن وصفها بـ”الممانعة” بقدر ما لديها – ربما – وجهة نظر مختلفة، ووجهة النظر هذه من المفيد الاستماع لها والوقوف على ملاحظاتها، والدخول في حوار معها، لأن الهدف بتحمل الجميع المسؤولية، وأن تشارك النخبة وأصحاب الرأي والمعنيون في عملية الإصلاح، وتتنوع الآراء، وأن لا يكون هناك إقصاء لرأي، وإنما أن تجتمع الأفكار وتبحث على طاولة واحدة، لتطبيق ما هو نافع منها، واستبعاد ما هو سلبي، وحفظ ما هو مفيد لكن ربما لم يحن وقته، إلى حين وجود فرصة سانحة لتطبيقه.

الأفكار كثيرة، وعرضها للنقاش العام بحكمة وموضوعية سيصبّ في مصلحة تطوير الخطاب الديني للمسلمين الشيعة في السعودية، ويجعل العمل أكثر تنظيماً ومأسسة، ويضفي عليه الصفة القانونية، وبالتالي يكون جزءاً من سيرورة مؤسسات المجتمع المدني، والهيئات الحكومية التي استحدثت أخيراً، والعاملة على تطبيق “الرؤية”.. وللحديث بقية.

(٭نقلًا عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق