ثقافة وفن

همسة وصل

"كن متفردا تشبه الجميع"... تناقض في طياته عبرة!!

ياسمين فلاحي*

كعادتي هذه الأيام و أنا أنسج طريقي بخطواتي كل صباح على واجهة الأرض المنبسطة رفقة الشمس الحارقة بتوهجها، و التي صارت لمدة ليست بالهينة صديقا لطيفا لا يفتأ يمسك بيدي صبورا عطوفا علي في مواجهة معيقات الحياة الغريبة، أضع على أذنيَّ سماعتيّ الهاتف و هي تردد على مسامعي ما تكرمت به من موسيقى أو “بودكاست” ينيران علي ظلام الطريق الطويلة التي لا تنتهي و يمحوان عني روتين الساعة تلك، أسوء ما قد يصيب المرء أن يخضع لتلك النمطية التي يفرضها عليه الروتين بحجة تشابه أحداث الأيام، على كل يوم أن يتميز بشيء يجعلنا نتذكره لسنوات و إن كان في ذلك استحالة، لكن لا ضير من المحاولة، فعيش التجربة أحلى..

على أي كنت منذ أيام على موعد مع “بودكاست” اخترته بعناية و كان يعالج كتابا و يتحدث عنه بإسهاب مفيد، إذ على إثره تفرَّز لدي الصالح من الطالح في الكتاب، فكان بمثابة كتاب صوتي يؤنسني، و في لحظة خاصة نطق صاحب البودكاست بجملة غريبة قال معلقا عليها إن القليل فقط من الناس يستطيع أن يدرك عمق تلك الكلمات و تتفتح زهرة الوعي في عقله تجاهها، لكن أنا التقطت معاني شتى على خلفيتها و ارتأيت أن تكون هذه الجملة المقتبسة حديثنا لنهمس بالوصل من جديد!!

يقول صاحب البودكاست في مقدمته التي تبعث على الهدوء و الطمأنينة و التأمل الواسع في مناح قد لا تمثل للجميع معنى و إفادة، يقول بما معناه “كن متفردا…تشبه الجميع!!!”، في الحقيقة قد نراها من الوهلة الأولى تناقضا و اختلافا في الوجهات و إتلافا للحقيقة المراد الوصول إليها عبر تلك الحروف، قد تبدو غريبة لا سبيل لالتقاط مربط الفرس فيها و لا دليل يقود لباطنها، لكن بعد أن تسمح لها بالتشعب إلى عقلك، و التفكير في لبها بإمعان…إنها واضحة تماما!!

“كن متفردا…تشبه الجميع”، ببساطة كلنا متفردون شئنا أم أبينا، كلنا لنا من التميز والاختلاف نصيب، جميعنا نمتلك خصال لا يفقهها الآخر الذي هو أيضا له صفاته الخاصة، نحن بلا استثناء متشابهون في شيء واحد وهو أننا متفردون، نحن كالنجوم كلها تلمع وتتوهج، تأخذ و تعطي، تمتاز و تتميز، لكن لا تتشابه في كينونتها، أن تكون متفردا يعني ألا تصطحب خلفية الآخر الذي اختارها ليتفرد بها عنك، بل أن تخلق لك عالما أنت سيده ومولاه كسائر البشر، و إن شاءت الأقدار و ارتأيت خلفيات غيرك مأوى لك فشكلها على نحو لا يرديك ، فالهلاك أن تغدو فارغا من الداخل، لست في ظلام تخلق في مواجهته شمعة تنيرك ولا في  نور تتغذى على أعقابه فتحيى مزدهرا.

صفة التفرد و الامتياز لا تأتي بتصنع شخصية أنت طامح لتكون عليها، و لا باتخاذ أحدهم مثالا تنتسخ نفسك منه و تتقمصه فيضحي ثوبا تتعاقب عليك الثواني و الساعات و الأيام و السنوات و أنت لا زلت على حالك فيه، لا يناسبك من جهة و يعيق عنك النمو من جهة أخرى، بل يأتي بالتعرف على الذات حق المعرفة، هكذا تكون انت.

*(طالبة في معهد متخصص في مجال السينما و مهن السمعي البصري و صحفية متدربة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق