ثقافة وفن

العقل العربي بين “الإستقالة والنهوض” في فكر محمد عابد الجابري 2-2

جيهان خليفة

يقول هيجل: ” وعى الحرية وعيا تاما في كل زمان ومكان لابد أن يكون سابقا على تحققها تحقق عمليا ”

فلكى نحقق الحرية لابد أن نعيها أولا وهذا للأسف ما لم نصل إليه في منطقتنا العربية فالوصول للوعى يحتاج إلى مراحل ترقى تبدأ بنقد كل ما بحوزتنا من موروثات ساهمت في بناء سد منيع حاجب الرؤية عن العقل، ولكى نمارس فعل النقد لابد من الانفصال التاريخي عن التراث، فكل انفصال يتولد عنه قراءة نقدية له، وهذا ما حاول الجابري بجدارة تشييده، فمشروعه يمثل صرحا فكريا مازال فاعلا في قلب الحركة الفكرية العربية، واستمرارا لما طرحناه في مقالنا السابق عن تكوين العقل العربي وبنيته فسوف نتناول هنا رؤية الجابري في تكوين العقل السياسي العربي . إيمانا منا أننا في لحظة حاسمة لرهان الحداثة والتنوير فقد حانت لحظة التجاوز بما فيها من تحرير للعقل من استحواذ الماضي وذلك شرط أساسي للوصول لما نريد من نهضة أراها تأخرت كثيرا.

العقل السياسي في أي حضارة يرتبط بالنظام أو النظم المعرفية التي تحكم عملية التفكير في هذه الحضارة ولكن فقط بما هو “عقل” وليس بما هو ” سيأسى ” فهو إذا ارتبط بها بوصفه كذلك أي بما هو سيأسى فإنه لا يخضع لها بل يحاول إخضاعها لما يريد تقريره أى أنه يمارس السياسة فيها. [1]

من وجهة نظر الجابري فالعقل السياسي ليس “برهانيا” فقط ولا “عرفانيا “ولا”بيانيا ” فقط إنه يوظف مقولات وآليات مختلف النظم السياسية حسب الحاجة وبما أن السياسة تقوم أساسا على البرجماتية لذلك لا ننتظر من العقل السياسي أن يناقض موضوعه الذى يستمد منه هويته “السياسة ” فهو عقل براغماتي وفقا لوجهة نظر الجابري.[2]

العقل السياسي تشكل مع بداية الدعوة المحمدية

يرى الجابري أن العقل السياسي في الحضارة الإسلامية تشكل مع انطلاق الدعوة المحمدية، مشيرا إلى أن موضوع العقل هو الممارسة السياسة المنظمة وليس إنتاج المعرفة المعقدة المقننة، والممارسة السياسة في الحضارة العربية بدأت مع ظهور الإسلام، فمن دولة النبوة والخلافة إلى الملك العضوض والدولة السلطانية، هذا كله مسار واحد هو مسار تاريخ ظهور وتشكل العقل السياسي العربي، هنا الجابري ركز على الجانب السياسي في الدعوة المحمدية أي الكيفية التي تطورت بها الأمور في اتجاه تكوين الدولة.

في هذه الجزئية يقر الجابري باستعارة مصطلح “هيجل ” في مراحل “فينومينولوجيا الروح ” التي  تشير إلى أن مراحل ظهور العقل ثلاث، مرحلة الوعى الذاتي، مرحلة الوعى الموضوعي، مرحلة الوعى المطلق، وفقا لذلك فإن العقل العربي قد بدأت بذوره بمرحلة الوعى الذاتي خلال مرحلة الدعوة التي  بدأ فيها الوعى بالأنا الإسلامي، ثم انتقل إلى مرحلة الوعى الموضوعي وقيام المجتمع السياسي الإسلامي، ودخوله في صراعات خلال حرب الردة والفتنة، ليدخل بعد ذلك إلى مرحلة الوعى المطلق التي  أصبحت فيها السياسة تحاول تأسيس نفسها على الدين والفلسفة، من خلال مداخل ثلاثة ميثولوجيا الإمامة، وأيديولوجيا الجبر الأموية، الأيديولوجيا السلطانية والفلسفة السياسة وفقه الخلافة .[3]

وهكذا فمن “اقرأ باسم ربك الذى خلق ” بداية الدعوة أي بداية الوعى الذاتي كما يرى الجابري إلى “إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ” أبو بكر الصديق بداية الوعى الموضوعي، إلى “أيها الناس إنما أنا سلطان الله في الأرض ” أبو جعفر المنصور “الوعى المطلق ” مسار واحد لتطور يبدو طبيعيا إذا تم النظر إليه من خلال المعطيات الاجتماعية والأحداث التي صنعته.

القبيلة، الغنيمة والعقيدة ثلاث محددات صنعت العقل السياسي العربي

أما بعد ذلك وكما يرى الجابري فقد بقى هذا المسار يكرر نفسه في الوطن العربي مع اختلافات جزئية لا تغير من اتجاه هو ولا من طبيعة حركته لأن المحددات التي صنعته والتي كانت تعيد صنعه بقيت هي “القبيلة ” “الغنيمة” “العقيدة” . [4]

للأسف هذا هو المسار العام الذى ظل سائدا أو الذى طبع التاريخ العربي بطابعه، أما محاولات المعارضة سواء منها العملية كثورة الزنج والقرامطة أو بعض الحركات التي كانت من وراء العامة سواء في المشرق والمغرب أو الفلسفية والفقهية التي  أعلنت بصورة أو بأخرى عن أي سياسة مضادة للأمر الواقع والمسار العام المحدد، فقد بقيت مقموعة معزولة أو هامشية لذلك لم يكن لها أي حضور سيأسى حقيقي وفقا لرؤية الجابري في عملية تكوين العقل السياسي العربي .

كيف يمكن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام

يرى الجابري أن إعادة تأصيل الفكر السياسي في الإسلام يجب أن تنطلق من إعادة تأصيل الأصول التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية ” وأمرهم شورى بينهم ” و”شاورهم في الأمر ” و”أنتم أدرى بشئون دنياكم ”

إعادة تأصيل الأصول يتطلب كخطوة أولى إقرار المبادئ الدستورية، التي تجعل حدا لمثل ذلك الفراغ السياسي الدستوري، الذي برز واضحا في أواخر عصر عثمان.

يقول الجابري : “أن بعض الكتاب الذين يكتبون في الفكر السياسي الإسلامي مازالت نظرتهم إلى الأمور واقعة تحت تأثير نظريات “الماوردي ” وغيره من الفقهاء الذين نظروا لنظام الحكم المعاصر لهم والذين كانوا مشغولين في نفس الوقت بالرد على الشيعة والرافضة، مشيرا أن أراء الماوردي وغيره من المتكلمين والفقهاء ليست ملزمة لنا، لأنها مجرد آراء سياسة، أملتها ظروف سياسية معينة، كما أنها لا تمثل الإسلام، فليس هناك “نص” تشريعي من القرآن أو السنة ينظم مسألة الحكم، بل المسألة مسألة اجتهادية يجب أن تخضع لظروف كل عصر ومتطلبات تحقيق الشورى فيه”.[5]

وفقا لرؤية الجابري فالوقت الحاضر لا يوجد غير أساليب الديمقراطية الحديثة مشيرا إلى أن تحديد طريقة ممارسة الشورى يكون بالانتخاب الحر الديمقراطي، وتحديد مدة ولاية رئيس الدولة، وإسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومة تكون مسؤولة أمام البرلمان في حالة النظام الملكي والجمهوري معا، تحديد اختصاصات رئيس الدولة والحكومة ومجلس الأمة، بطريقة تجعل الأخير هو مصدر السلطة كل هذه المبادئ لا يمكن ممارسة الشورى في العصر الحالي بدون إقرارها والعمل على ضوئها.

أشار الجابري: إلى أن ” عدم حماس بعض الحركات السياسية التي ترفع “الإسلام ” للديمقراطية موقف غير مبرر، مشيرا إلى أن تبريرهم بأن الخليفة في الإسلام يمكن أن يعين بمبايعة فرد واحد أو أفراد معدودين، ومدة ولايته لا تحدد، بدعوى أن مبايعته تقتضى تفويض الأمر له، وأن اختصاصاته لا يحددها إلا كتاب الله وسنة رسوله، هذه تبريرات لا تستند إلى أى أساس لا من النقل ولا من العقل إنما هي آراء الماوردي وغيره „.[6 ]

إعادة تأصيل الأصول في الفقه السياسي الإسلامي ضرورة ملحة لكن هل يكفى وحده لتجديد العقل السياسي العربي ؟ تساؤل يطرحه الجابري مجيبا بالنفي فالعقل السياسي العربي لا يتحكم فيه شكل نظام الحكم وبنوده الدستورية فقط، بل محكوم أساسا بمحددات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبالنسبة للعقل السياسي العربي فإن تجديد محدداته الثلاثة “القبيلة، والغنيمة، والعقيدة ” شرط ضروري للارتفاع إلى المستوى الذي يستجيب لمتطلبات النهضة والتقدم في العصر الحاضر.

تجديد المحددات يراها الجابري بتحقيق النفي التاريخي لها وذلك بإحلال البدائل التاريخية المعاصرة مؤكدا على أهمية المزاوجة بين نقد الماضي ونقد الحاضر بما يحمله من بقايا الماضي الخطوة الضرورية الأولى من كل مشروع مستقبلي هكذا يقول الجابري، مشيرا “وبما أن الماضي والحاضر عندنا لا ينفصلان لذلك وجب أن يتجه النقد إليهما معا إلى ما يؤسس شعوريا ولا شعوريا العقل السياسي فيهما إلى “القبيلة، الغنيمة، العقيدة” التي  حكمت هذا العقل في الماضي، ومازالت تحكمه في الوقت الحاضر، ورغم أن الحداثة دخلت بعض جوانب حياتنا منذ أكثر من مائة عام منذ الاحتكاك بالحضارة المعاصرة، وظهور تيارات الأيديولوجيا النهضوية والمعاصرة من السلفية، العلمانية، ليبرالية، قومية، اشتراكية، قامت أحزاب، نقابات، كما غرست بذور الاقتصاد الحديث، كل ذلك أدى إلى تعرض المحددات الثلاثة إلى نوع من القمع الإبعاد وأصبحت تشكل المكبوت السياسي والاجتماعي، الطموح النهضوي كان يهدف إلى تجاوز تلك المحددات الموروثة، وإقرار محددات حديثة عصرية، إلا أن المجتمع العربي لم يتمكن من تحقيق عملية التجاوز هذه، لأسباب وعوامل كثيرة منها الاستعمار، وكذلك لانخراطه في الحداثة من فوق، والنتيجة وكما يرى الجابري ما تعرضنا له من انكسارات إحباطات فتحت الباب على مصراعيه لعودة المتواري المكبوت أى ظهرت المحددات الثلاثة الموروثة فعادت القبيلة، الطائفية، التطرف الديني والعقائدي ليسود الساحة العربية بصورة لم يتوقعها أحد . [7]

لا أحد يختلف عن قيمة وغنى ما قدمه الجابري لثراء الحركة الفكرية العربية وإعمالا لمبدأ النقد الذى أرساه كانت هناك العديد من الرؤى النقدية لمشروعه فالطيب تيزينى يرى أن خطاب الجابري خطاب أيديولوجي سيأسى وكذلك معرفي وإذا كان في بنيته السطحية يظهر بمثابة معرفي أو حتى معرفي نقدى فإنه في بنيته الخفية خطاب أيديولوجي معرف وخطاب معرفي مؤدلج .. مشيرا إلى أنه من خلال وضعه لمنهجية تفكيكية تاريخانية تتكشف لنا عملية تسلل الأيديولوجي السياسي بقوة في نسيج المعرفي بحيث أننا نرى في المعرفي منزعا من منازع التلبس الأيديولوجي السياسي [8]

أما أدونيس فيقول: ” لم يقدم على الصعيد المنهجي أو الصعيد المعرفي أي شيء جديد ” [9]

ويرى عبد الإله بلقزيز ” أن الجابري لم يقدم في كتابي العقل السياسي وكذلك الأخلاقي نقدا معرفيا لمنظومات إنتاج المعرفة في مسألتي السياسة والأخلاق في التراث العربي والإسلامي.

مصادر:

1- الدكتور محمد عابد الجابري “العقل السياسي العربي ” صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ص8

2- نفس المصدر السابق ص8

3- نفس المصدر السابق ص365

4- نفس المصدر السابق ص365

5- نفس المصدر السابق ص372

6- كتاب العقل السياسي العربي ص372

7- نفس المصدر السابق ص373

8- طيب تيزينى “كتاب من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي” “بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفى آفاقها التاريخية”، دار الذاكرة حمص سورية ص49

9- أدونيس في حوار مع فخري صالح، مجلة راية الاستقلال – بنقوصا /قبرص عددآذار1992

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق