ثقافة وفن

سينما كريستيان بيتزولد … الحياة كحلم مكثف

حسن أبومازن

عشّاقٌ مخدوعون، رغباتٌ غير متحققة، أشباحٌ تطاردها اختياراتها السابقة، تلك هي أبرز مكوّنات سينما بيتزولد، المخرجُ الذي حقّقَ على دار مسيرته السينمائية العديدَ من الأفلام بمختلف أنواعها، من روائي قصير وروائي طويل وأفلام تليفزيونية. “كريستيان بيتزولد” ذلك الاسم الذي لمع في سماء السينما الألمانية في الفترة الأخيرة، وذاع صيته خارج ألمانيا في سابقةٍ لم تحدث منذ سنوات العصر الذهبي للموجة الألمانية الجديدة وروّادها الكبار من أمثال “راينر فاسبيندر” و”فيرنر هيرتزوج” و”فيم فيندر”.

ينتمي “كريستيان بيتزولد” لتيارٍ في السينما الألمانيّة يُعرَف بـ”مدرسة برلين”؛ ذلك الاسم الذي أطلقه الناقد الألماني “روديجر شوسلاند” على مجموعةٍ من المخرجين ممّن تخرجوا في أكاديمية برلين للسينما والتليفزيون، وبرَزَت أعمالُهُم بداية من منتصف تسعينيات القرن العشرين. نبَغَ من الجيل الأوّل لمخرجي مدرسة برلين أسماء مثل المخرجة “أنجيلا شانيليك” والمخرج “توماس أرسلان” بجانب “كريستيان بيتزولد”، والذي بدأ مسيرتَه الفنيّة بإخراج مجموعة من الأفلام القصيرة والتليفزيونيّة، قبل أن يخطو أولى خطواته في السينما الروائية الطويلة في مطلع الألفيّة الجديدة بشريطه السينمائي الأول  “The state I am in”.

بدايةً، وقبل أن نتناول بالتحليل أهم أعمال “بيتزولد” الفنيّة، لا بدّ وأن نعرف ولو نزرًا يسيرًا عن حياته، فقد وُلِد “بيتزولد” في الرابع عشر من سبتمبر من عام 1960م في مدينة “هيلدن” الألمانية، لأبوين لاجئين من ألمانيا الشرقيّة، درَسَ المسرح في جامعة برلين الحرة، وذلك قبل أن يلتحقَ بأكاديميّة برلين للسينما والتليفزيون، وهناك تعرَّفَ على أستاذه ورفيق دربه الكاتب والأستاذ الجامعي “هارون فاروقي”، والذي كان شريك بيتزولد في أغلب مشاريعه السينمائيّة حتى وفاة “فاروفي” عام 2014م.

مدرسة برلين

تُعتَبَر “مدرسة برلين” أولى المحاولات الجماعيّة لتطوير الجماليّات في السينما الروائية الحديثة في ألمانيا، وذلك منذ ظهور الموجة الألمانيّة الجديدة في السينما عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا، تلك الحركة التي قامت وقتها على أكتاف مخرجين عظام ذاع صيتهم في العالم أجمع، نذكر منهم “فاسبيندر” و”هيرتزوج” على سبيل المثال، وقد تبدو التسمية التي أطلقها النقّادُ على مخرجي مدرسة برلين مُضَلِّلة في بعض الأحيان، فليس كل مخرجي ذلك التيار من خرّيجي أكاديمية برلين، وحتى أفلامهم لا تدور أحداثها في برلين، ولكن تشابهَت سماتُ منتجهم الإبداعي؛ ممّا حدا بالنقّاد لاعتماد تلك التسمية كتعريفٍ لها.

اختلف النقّادُ في رؤيتِهم لأعمال مخرجي مدرسة برلين، ففي الوقت الذي أشاد بهم نقادٌ من فرنسا ودول أخرى -بجانب بعض النُقّاد الألمان بالطبع- رأى البعضُ الآخرُ أفلامَ تلك الحركة مملّة وإيقاعها رتيب، مثل وصف المخرجة الألمانية “دوريس دوري” لمخرجي مدرسة برلين بأنّهم يختبئون وراء الشكل النظري ولا يخاطرون بشكلٍ كافٍ في أفلامهم.

سمات مدرسة برلين الفنيّة

إذا ما تعرّضنا بالنقد والتحليل لبعض أعمال مخرجي مدرسة برلين، فسوف نلاحظ بعض السمات التي تميّز تلك الحركة الفنية، مثل اللقطات الطويلة، وفكرة الاختزال التي تكون أحيانًا ضروريّة وأحيانًا أخرى لا. ففي بعض الأفلام يتم اختزال الآخر في وجهة نظرٍ مسبقة دون عرض وجهة النظر الأخرى، مثل وجهة النظر النمطيّة للمهاجر التركي في فيلم Jericho لكريستيان بيتزولد.

كذلك نلاحظ أنّ حركةَ الكاميرا لا تسمح للمشاهد بالتعرُّف الكامل على الشخصيات، ولا تبعدهم عنها في نفس الوقت، وكأنّ الكاميرا تكون في منتصف المسافة تمامًا، بين الإفصاح الكامل وبين الغموض. وفي أفلام بيتزولد بشكلٍ خاصّ، يشعر المشاهدُ بأنّه متورِّطٌ في الأحداث منذ اللحظة الأولى، دون أن يدري كيف بدأ الحدث وكيف ينتهي. وعادة ما تكون نهايات أفلامه غير نمطية، وصادمة في بعض الأحيان، فلقد اعتمد بيتزولد في مسيرته الفنيّة على فكرةٍ مفادها أنّه إذا أصبح وجود الشخص غير مهم، أو أصبح منبوذًا من محيطه، سارَ مثل الشبح، فنرى أغلب شخصيات أفلامه أشباحًا بشكلٍ أو بآخر. من هنا كانت بداية ثلاثيّته الشهيرة، والتي سنتعرض لها في السطور القادمة.

ثلاثيّة الأشباح

أخرج كريستيان بيتزولد العديدَ من الأفلام الروائيّة القصيرة والأفلام التلفزيونيّة، قبل أن يتّجه لإخراج الأفلام الروائية الطويلة، والتي بدأها بفيلم The state I am in، وذلك في مطلع الألفيّة الجديدة، وهو الفيلم الذي يحكي عن حياة زوجَيْن تورّطا في أعمالٍ إرهابيّة، وهربا من ألمانيا بعد التوحيد وانهيار حائط برلين، وعاشا مطارَديْن من السلطات. ناقَشَ بيتزولد في شريطِه السينمائيّ الأول ما خلَّفَه انهيارُ جمهوريّة ألمانيا الشرقية من أضرارٍ على مواطنيها بعد توحيد ألمانيا، والحياة بنمطٍ مختلفٍ عمّا تعوّدوا عليه في الجمهوريّة الاشتراكية السابقة.

الفيلم الثاني في الثلاثية هو فيلم GHOSTS، وهو من إنتاج عام 2005م، ويحكي قصة الفتاة نينا اليتيمة “جوليا هامر”، والتي نشَأَت في دور الرعاية، وعاشت حياةً قاسيةً، قبل أن تنقلبَ حياتها فجأةً حين تقابل فتاةً غريبة الأطوار تُدعى توني “سابين تيموتيو”، وتقعان في حبّ بعضهما البعض، قبل أن تهجر توني صديقتها قي نهاية المطاف. وبيتزولد هنا -كعادته- مغرم بالشخصيات التي تنجرف نحو الهوامش في حبكةٍ دراميةٍ تشكِّل لغزًا محيرًا، تلك الشخصيات التي تظهر فجأةً وتختفي أيضًا فجأة. ناقش الفيلم هنا أيضًا فكرة طمس هوية الأشخاص من قِبَل الدولة، في ظلّ نظامٍ رأسماليّ يدفع الأشخاصَ للمخاطرة بهويّاتهم ومستقبلهم ليكونوا عرضةً للسقوط في نهاية الأمر.

بعد ذلك بعامين، وفي عام 2007م، يقدّم لنا فيلمه الرائع YELLA، الفيلم الأخير في الثلاثيّة، والذي عُرِضَ ضمن فعاليّات مهرجان برلين من نفس العام، وحازت بطلتُه “نينا هوس” جائزةَ الدبّ الفضي لأحسن ممثّلة. لا يختلف فيلمنا هنا كثيرًا عن سابقيه، حيث يصحبنا بيتزولد في رحلةٍ ما بين الواقع والخيال مع الفتاة “يلّا” -لعبت دورها الممثلة نينا هوس- والتي تبحث عن وظيفةٍ وتحيا تحت ضغط من زوجها السابق. تصل “يلّا” لمدينةٍ جديدة، وتقابل رجلَ أعمال شاب فيعرض عليها أن تشاركه في بعض الأعمال المحاسبية غير المشروعة. بطلةُ الفيلم هنا كائنٌ متوتّر طوال الوقت، شكّلت شخصيتها كَمّ من التناقضات المعقدة. وهنا يحاول بيتزولد الإجابة عن بعض من الأسئلة التي طرحها في أول فيلمين من السلسلة، فهل تدور تلك الأفلام عن حالة ألمانيا بعد التوحيد، أم عن الحياة الخاصة والدوافع الداخلية لشخصيات أبطاله؟

أخرج “بيتزولد” فيلمين آخرين خارج نطاق ثلاثيّته، وهما: Wolfsburg 2003، وفيلم jerichow2008 المأخوذ عن الرواية الشهيرة “ساعي البريد يدق الباب مرتين” للكاتب “جيمس كين”، والتي تم اقتباسها أيضًا في فيلمٍ أمريكي ظهر في بداية الثمانينيّات، ويحمل نفس اسم الرواية، من بطولة “جيسكا لانج” و”جاك نيكلسون”.

يتشابه الفيلمان في كونهما يحملان أسماءَ أماكن، مثل مدينة فولفسبورج وقرية جيركو، وكعادة “بيتزولد” استعان بنفس الممثلين لبطولة الفيلمين، وهما: “نينا هوس” والممثل الألماني “بينو فورمان”. بعد ذلك شرَعَ في العمل على ثلاثيّته التالية، بمشاركة رفيق دربه كاتب السيناريو “هارون فاروقي”، تلك الثلاثيّة التي تتحدّث عن أزمنة القمع في أوروبا.

الحب في زمن القمع

بدأت ثلاثية بيتزولد التالية بفيلمه Barbara 2012، والذي حاز عنه بيتزولد جائزةَ الدبِّ الفضيّ لأحسن مخرجٍ في مهرجان برلين السينمائي 2012م. ويحكي الفيلم عن باربرا (نينا هوس)، والتي تعمل كطبيبةٍ في برلين الشرقيّة في مستشفى شهير، لكن يتم نقلها إلى بلدةٍ صغيرةٍ قريبة من بحر البلطيق في شمال ألمانيا، وذلك كنوعٍ من العقاب بسبب طلبها مغادرة ألمانيا الشرقية، وهناك تقابل زميلها أندريه (رونالد زيهرفيلد) الذي كان يقضي بدوره فترةَ عقاب، وبالطبع كانت عرضةً طوال الوقت لمضايقاتِ سلطات أمن الدولة؛ وذلك لشكّهم بأنّها لا زالت تحاول الهروب.

وهنا يسرد المخرجُ وقائعَ حدثت في زمنٍ سابقٍ أثناء فترة التقسيم، وعلى عكس أفلامه السابقة، يناقش هنا الأسباب وليس النتائج المترتبة، ففي أفلامه السابقة ناقش ما ترتّب على توحيد ألمانيا، لكن في فيلمه هذا عرَضَ لنا ما يمكن اعتباره أحد أسباب سقوط الدولة الاشتراكيّة في ألمانيا الشرقية، وكالمعتاد يضع بيتزولد شخوصه في حيرة وتوتر أمام اختياراتهم المستقبلية، بينما يضرب في الخلفية على وتر الدولة وتدخُّلها في حياة الفرد.

في فيلمه التالي Phoenix 2014 يعود بيتزولد لزمن الحرب العالمية الثانية، مستعينًا بنفس أبطال فيلمه السابق، ويشاركه “فاروقي” أيضًا في كتابة السيناريو المقتبس من روايةٍ فرنسيّةٍ تحمل عنوان “البعث من الرماد”. يحكي الفيلمُ عن نيللي (نينا هوس)، إحدى السيّدات الناجيات من الهولوكست، وعودتها لبرلين عقب خضوعها لعملية تجميل في الوجه، نظرًا للأضرار الناجمة من طَلقٍ ناريّ أصاب وجهها. تبحث نيللي عن زوجِها جوني حتّى تَعثُر عليه، وتعرف أنّه يعمل نادلًا في ملهى يُدعى “فينكس”، لم يتعرّف عليها جوني بعد أن قدّمت نفسها له تحت اسم “إستير”، ويكتفي فقط بالإشارة إلى أنّها تشبه زوجته الراحلة كثيرًا، وهنا يُخطّط جوني للاستيلاء على ميراث زوجته الراحلة، وذلك عن طريق إقناع “إستير” بانتحال شخصيّة زوجته دون أن يدري أنهما نفس الشخص، تعرف بعد ذلك نيللي أنّ زوجها هو من خانها، وأنّه من أرشد عنها النازيين بعد أن قام بتطليقها قبل اعتقالها بيومٍ واحد فقط.

تبدو هنا دلالة الاسم واضحة، فطائر الفينيق/العنقاء هو من يبعث من رماده، تمامًا كبطلتِنا نيللي التي عادت من معسكرات القتل لتبدأ حياةً جديدة. قدّمَ لنا هنا بيتزولد دراما حرب هادئة نوعًا ما، فنحن نشاهد آثار الدمار على الأرض وعلى الأشخاص على حدٍّ سواء. أظهرَ لنا بيتزولد أسوأَ ما في الحرب وما في النّفس البشرية، وختم فيلمه بواحدةٍ من أجمل نهايات بيتزولد على الإطلاق؛ لحظة تكشُّف الحقيقة، فالزوجة تغنّي أغنيةً قديمةً على أنغام البيانو، بينما زوجها هو من يعزف الموسيقى، ليتعرَّفَ على صوتِها وعلى الوشم المرسوم على جلدها كذكرى أليمة من زمن الاعتقال، فيدرك وقتها فضاحة ما فعله، وتدرك هي أنّها لا زالت تحبّه.

أمّا فيلمه الأخير في الثلاثية فهو فيلم Transit 2018، وهو الأكثر إرباكًا في الثلاثيّة؛ حيث اختار بيتزولد أن يقتبسَ من نصٍّ أدبيّ تدورُ أحداثُه في فترة الحرب العالمية الثانية. النصّ هو رواية تحمل نفس اسم الفيلم، للأديبة الألمانية “آنّا سيجرز”، وصُدرَت في عام 1944م، وتحكي عن هاربٍ ألمانيّ من معسكراتِ الاعتقال فرّ إلى مارسيليا في زمنِ الغزو النازي، يتمّ تكليفه بتوصيل رسالة لأديبٍ مشهور يُبدي موقفًا متعاطفًا مع المقاومة ضد النازية، لكنّه يُفاجأ بموت الكاتب، فيقوم بسرقة أوراقَه الرسميّة وانتحال شخصيته، وتتداعى الأحداث بعد ذلك.

ما فعله هنا بيتزولد هو تحديث للقصة ليجعلها تدور في الزمن الحاضر، وبأسلوب “بريشتي” البديع قامَ بتحويل الفيلم لما يُشبِه الحلم، منطقة وسط ما بين الحلم والحقيقة، حيث نرى دراما من الأربعينيّات مع وجود الملابس الحديثة والسيارات الحديثة، فقد قام بتصوير فيلمه في الزمن الحالي بجميع ملامحه، بينما تدور الحكاية في الأربعينيات. أُسنِدَت البطولةُ هذه المرة للثنائي “فرانز روجوفسكي” و”باولا بير”، ذلك الثنائي الذي سيرافقه أيضًا في فيلمه التالي “أوندينة”.

“أوندينة” ما بين الخيال والواقع

يعتبر فيلم Undine 2020  هو الفيلم الأول في مشروع بيتزولد القادم، والذي أسماه “ثلاثية العناصر“. بدأ بيتزولد ثلاثيته بفيلمٍ يتحدث عن أوندينة جنيّة الماء، تلك الأسطورة الألمانية القديمة، والتي صاغها في أسلوبٍ معاصر وشائق. تحكي الأسطورةُ عن “أوندينه” التي تعيش في بحيرةٍ كمخلوق مائي، تدب فيها الحياة فقط عندما تحب، لتصبحَ مخلوقًا بشريّ، لكنَّ اللعنةَ تظلّ تطارد حبيبها إذا تركها، ولا يهدأ لها بال حتى تقتله. في فيلمه الأخير، جعلَ بيتزولد من “أوندينه” حكاية معاصرة، فهي الآن امرأة تعمل كمرشدةٍ في متحف برلين، وتحكي للزوّار عن التاريخ العمراني للمدينة، تلك المدينة التي تم إنشاؤها فوق المستنقعات التي تم تجفيفها، ومنها استمدّت اسمَها. يهاجم هنا بيتزولد الرأسمالية بشراسة؛ فهي التي تقتل الجمال والأصالة، وينقلنا بيتزولد لعالمه البديع الذي يتأرجح ما بين الواقع والخيال، في قصةِ حبٍّ جميلة ما بين “أوندينه” و”كريستوف”، قبل أن يردّنا لعالمنا الحالي في نهايةٍ مربكةٍ لفيلمه كالمعتاد. وآخر ما نختمُ به كلامنا هو رأي كريستيان بيتزولد عن السينما حين سُئِل عنها في المؤتمر الصحفي الافتراضي بمناسبة عرض فيلمه “أوندينه” في الدورة الافتراضية لمهرجان نيويورك السينمائيّ أثناء فترة الكورونا:

(نقلا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق