سياسة

السوريون في ألمانيا بعد الانتخابات

سوسن جميل حسن

بعد ستة عشر عامًا من تبوّئها منصب المستشارة في ألمانيا، تغادر أنجيلا ميركل، تاركة وراءها تاريخًا سياسيًّا حافلًا ولافتًا في مفاصل عدة، في السياستين، الداخلية والخارجية، لبلادها، وهي كانت قد صرّحت مرات، وفي مناسبات عدة قبل هذا الموعد الانتخابي، بأنها لن تترشّح لفترة جديدة، ما يعتبر قرارًا حكيمًا من سيدة خاضت ميدان السياسة متدرّجة في المناصب والمسؤوليات، وصنعت تجربتها الخاصة التي تركت بصماتها على الحياة في بلادها، إذ حققت نجاحاتٍ على المستوى الاقتصادي بشكل ملموس، وكانت مجال اهتمام الرأي العام العالمي وقادة العالم وسياسييه أيضًا، بين منتقد ومؤيد لسياستها، من دون أن يؤثّر هذا على موقفهم منها، خصما أو صديقا. من المؤكد أنها تعرف متى تتنحّى، من دون أن يُطلب منها أن تتنحّى مثلما صرّحت مرّة: لم أولد مستشارة. إذ ما معنى أن يبقى الفرد في الحكم مدة طويلة في بلاد ديموقراطية؟ هذا لا يمكن أن يحدُث إلّا في الأنظمة الملكية، حيث يُورّث الحكم بموجب دستور البلاد، أو في الأنظمة الديكتاتورية التي تسطو فيها جهةٌ أو طرف ما على الحكم، ويستمر بالقوة إلى آماد مفتوحة من دون شرعيةٍ شعبيةٍ في الغالب.

تغادر أنجيلا ميركل بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 من سبتمبر/ أيلول الحالي، والتي تحدّد نتائجها من هو المستشار/ة المقبل/ة لألمانيا، الدولة التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين، وما زالت في البال الحدود التي فُتحت أمامهم في العام 2015، لتتدفق مئات آلاف منهم ممن كانوا عالقين خارج الحدود، مغلقة في وجوههم عدة بلدان أوروبية، كما لا يُنسى الاحتفاء الشعبي الذي قوبلوا به، وجهود المجتمع المدني المتضافرة مع جهود المؤسسات الحكومية لمساعدة اللاجئين، وفتح أبواب الاندماج أمامهم، وتقديم العون وفرص العمل والتعليم، عدا المساعدات التي تقدّمها الحكومة الألمانية عن طريق المؤسسات الاجتماعية. لم يستمر الحال بالزخم نفسه فيما بعد، لا شعبيًّا ولا حكوميًّا، وهذا حديثٌ آخر، إنما أصبحت قضية اللجوء إشكالية وخلافية فيما بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، حتى ضمن الائتلاف الحاكم نفسه صارت تُطرح آراء واجتهادات في الأمر.

حضرت، في تصريحات المرشحين الثلاثة المتنافسين على خلافة ميركل، أرمين لاشيت عن الائتلاف الحاكم، أنالينا بيربوك عن حزب الخضر، وأولاف شولتس عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي، قضية اللاجئين، بين مدافع عنهم، أو رافض أسوة بدول أوروبية عديدة بدأت منذ مدة العمل على استصدار قراراتٍ تنص على إعادة بعضهم باعتبار أن هناك مناطق من سورية أصبحت آمنة. وتجب الإشارة هنا إلى أن الأحزاب في ألمانيا تدخل في ائتلافٍ تكون له الأغلبية داخل البرلمان، وبالتالي تحظى المقترحات التي يقدّمها بالموافقة على الغالب. وبعد الانتخابات يظهر شكل الائتلاف الجديد أو تكوينه، وهذا سوف يحدث حراكًا ضمن البرلمان، وسجالًا في قضايا خلافية.

بالاطلاع، في سجلّات التصويت داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ) على مواقف المرشّحين الثلاثة، بالإضافة إلى المستشارة الحالية عن الهجرة، نرى تباينات في المواقف بين رافض ومؤيد ووسطي من هذه القضية، لكن المهم في الأمر أن ما يبرّر إعادة اللاجئين، فيما لو صدرت قراراتٌ تقضي بها، أن سورية صارت منطقة آمنة من وجهة نظرهم، فهل فعلًا سورية منطقة آمنة؟ وماذا ينتظر المدنيين في مناطق النزاع التي ما زالت تدور فيها المعارك، ويُحصد المدنيون، ومنهم أطفال بغارات الطيران الروسي؟ وماذا عن المهجّرين الذين تم ترحيلهم إليها نتيجة التسويات والمصالحة التي جرت في باقي المناطق، وصارت تحت سيطرة النظام؟ وماذا عن السوريين في مخيمات اللجوء في دول الجوار وفي الدول الأوروبية التي ستصل، في النهاية، إلى إجراءات متوافق عليها فيما بينهم حول هذا الأمر؟

هل هناك معايير متفق عليها عالميًّا وفي الهيئات الدولية المعنية بشأن مفهوم المناطق الآمنة؟ هل يكفي إيقاف العمليات الحربية في دول انهارت مجتمعاتها ومؤسساتها وتحتاج عقودا من العمل الجاد من أجل النهوض وإعادة الإعمار، على مستوى البنى الاجتماعية والعمرانية والدولة، لنقول إنها مناطق آمنة؟ بل السؤال الأهم: هل ستتغير سياسة النظام في إدارة الحياة والهيمنة على المجال العام؟ وهل سيحصل السوريون على قليل من هامش الحرية في الرأي والتعبير، أم سيبقى سيف كمّ الأفواه والمحاسبة مسلّطًا على رقابهم وكأن شيئًا لم يحدث، والسنوات الدامية التي مرّت على سورية فدمّرت مدنها وبنيانها وهجّرت أهلها، ليست إلّا مزحة سخيفة في مصير الشعوب؟ ثم أين الأمان إذا كانت غالبية الشعب، أو ما يفوق التسعين بالمئة منه، يعيشون تحت خط الفقر، يعانون من أزمات حياتية لا توصف، يجوعون إلى رغيف الخبز، ولا تتوفر مقومات الحياة بحدّها الأدنى اللازم للحياة الإنسانية، عدا الانفلات الأمني المرشّح للتفاقم بعد صمت المدافع ونضوب التمويل للمليشيات والفصائل المدعومة خارجيًّا، واصطدام عناصرها بواقع اقتصادي، قاتل، بينما لا يجيدون غير حمل السلاح، والواقع يفتقر إلى فرص العمل أيضًا، إذا ما وضعنا جانبًا ما خلّفته الحرب والتجييش الطائفي والعنف من ثأريةٍ لدى شريحة واسعة من السوريين؟

بات واضحًا ميل الدول الغربية والعربية والإقليمية نحو التأسيس لمرحلة جديدة بالنسبة إلى سورية، وفتح أبواب على النظام، وترتيب المراحل المقبلة، من دون أي ضمانات للشعب الممزّق المشتت في الداخل والخارج، ومن دون أن تكون مصالحه الهدف الأول. هي السياسة في النتيجة، وسعي كل دولة إلى تأمين مصالحها، وإعادة النظر في أدائها السابق. ولا شك في أن العالم صار أكثر ارتباكًا في العامين الماضيين، بما أحدثه وباء كوفيد 19 من ارتجاجاتٍ دفع النظام العالمي إلى إعادة التفكير في أدائه وكيفية الخروج منه، وهذا أثر أيضًا على المزاج الشعبي والرأي العام في بلدان عديدة، ما نجم عنه من فقدان فرص عمل وجنوح الحياة نحو أشكالٍ أخرى تراجعت فيها بعض الأنشطة والوظائف الاجتماعية، في ظل تغيّر أنظمة التشغيل، هذا الشعور بالقلق الوجودي لدى الشعوب سوف ينمّي النزعة العنصرية المتعصّبة تجاه المهاجر أو اللاجئ، وسوف تستغل هذه النقطة الأحزاب اليمينية، وتوسّع قاعدتها الشعبية، ما سوف يكسبها مزيدًا من الزخم والدعم. لذلك من الطبيعي أن ينتاب السوريين اللاجئين قلق وخوف من المستقبل، مما تخبّئ السياسة وحكومات الدول من قرارات ومفاجآت، ومنها ألمانيا التي تضم أكبر شريحةٍ لاجئةٍ من السوريين، قسم كبير منهم لم يحصلوا على اللجوء، إنما حصلوا على الحماية الإنسانية، وهذا يعني أن إمكانية ترحيلهم أقل تعقيدًا بالنسبة لدول اللجوء من البقية، فأين سيعود هؤلاء، لو فعلًا تم تفعيل قرارات من هذا النوع؟ أين بيوتهم؟ أين حقوقهم؟ أين فرص العمل التي تنتظرهم، أو تنتظر أبناءهم؟ بل الواقع أكثر سوداوية، بحسب لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي تقول إن تصاعد العنف في سورية، إلى جانب انهيار اقتصادها، يجعل الآفاق أكثر قتامة بالنسبة إلى المدنيين.

تعقّدت قضايا السوريين وتشابكت، وطاول نفوسَهم اليأس، ودقّت الأسافين بين مكوناتهم، وتُركوا وحيدين، من دون أصدقاء، بعدما لعبت كل الأطراف الضالعة بالحرب بأحلامهم وحياتهم ومصائرهم، وبعدما خذلتهم كل القيادات التي نصّبت نفسها ممثلة لهم، فهل من بارقة أمل بأن تنبثق من هذا الواقع شخصياتٌ لها برنامج ورؤية وانتماء لقضايا الشعب، ونزاهة عقل وضمير، تجتمع وتتلاقى على أهدافٍ تحقق لهذا الشعب إمكانية النهوض وبناء وطن من جديد؟ هل يمكن أن تتوفر هذه الشخصيات وتعرف كيف تشتغل سياسةً تخدم مصالح الشعب، سواء في الداخل أم الخارج، وتنسق مع دول اللجوء أيضًا بشأن مصير السوريين المقيمين فيها، ما دام أن سياسات هذه الدول، خصوصا الغربية تقرّرها الحكومات المنتخبة، وهي ليست كتبًا منزلة أو أبدية؟

(٭ نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق