ثقافة وفن

سينما المدائن

فيلم The Omega Man: أسطورة أخر رجل في العالم

عمرو عدوي

“هل هي نهاية الإنسان المتطور؟ هل الآن خاتمة الأيام الخوالي والتباهي بالعلم الزائف؟ فناء غزو الإنسان الجبار للفضاء والوقت ونهاية عصر الآلات؟ لقد تم تحذيرنا من يوم الحساب، حسنا ها هو الآن، في صورة مليارات من جرثومات صغيرة، تلك هي النهاية!”

لطالما كان لأفلام نهاية العالم رونقها الخاص، وقدرتها السحرية على تحدي خيالات ونزوات المشاهد، ففي العموم تكون عن شخص وحيد يواجه نهاية الواقع كما عرفه طوال حياته، يصارع للحفاظ على عقله ومقاومة أوهام الوحدة، بينما تحوم حوله حشود من المصابين بوباء عجز العلم عن تشخيصه، فيقع على عاتقه مهمة إنقاذ نفسه والعالم، لذلك من أفضل من النجم شارلتون هيستون للقيام بذلك؟

بينما كان شارلتون هيستون يقرأ رواية الخيال العلمي I am Legend، للكاتب Richard Matheson، على متن طائرة خلال إحدى رحلاته، أُعجب بالكتاب وأراد أن يحوله لفيلم معاصر لأول مرة، لكنه لم يكن يدرك أن فيلما مبني على الرواية قد صدر بالفعل بعنوان The Last Man on Earth، وبعد The Omega Man، ثم فيلم آخر عن نفس الرواية I am Legend.

اخر رجل في العالم؟

في شوارع مدينة لوس أنجلوس الفارغة، روبرت نيفيل، عالم وطبيب وضابط بالجيش وآخر إنسان يجوب شوارع أمريكا، يقضي وقته على أنقاض الحضارة، فبين مباني مهجورة ومتاجر عامرة بالبضائع والجثث تباعا، يتجول بسيارته كأنه في نزهة يومية، متسكعا بصحبة سلاحه الآلي ويقظته العالية، في صراعه للحفاظ على عقله.

منذ ثلاثة أعوام وهو على هذا الحال، فعندما قام صراع بين الاتحاد السوفييتي والصين على مناطق حدودية بينهما، وبدأت حرب ضروس خشي الجميع من نتائجها، حتى وقع ما فضل الجميع تجنب التفكير به، فتم استخدام الأسلحة البيولوجية، مما أدى لانتشار وباء مدمر، حصد من الأرواح ما يعجز المرء عن حصره، وفي هول الصدمة، سقطت حضارة الإنسان إلى الهاوية.

أما نيفيل فهو آخر علماء الأرض، والناجي الوحيد بالصدفة، فقد أُصيب نفسه بالوباء وكاد يسقط ضحية له لو لم تقتله حادثة طائرة أولا، بعد إصابة قائد الطائرة أيضا، لكنه كان في طريقه لاختبار عقار تجريبي، والذي استخدمه على نفسه وأثبت فاعليته، لكن بعد فوات الأوان.

لكنه لم يكن يدري أن النجاة يمكنها أن تكون أسوأ من الموت، فمنذ أن أدرك نجاته بمفرده، وهو يصارع لحفظ توازنه، بعد 3 سنوات من الوحدة بلا أنيس أو شريك في محادثة من أي نوع، فجأة أصبح العالم موحشا والوحدة في كل اتجاه، عندما يتكلم فهو ينخرط في محادثات خيالية مع بائعين في المتاجر الفارغة، فيحاول المفاصلة لشراء سيارة يصاب بالإحباط من لونها، بينما تجلس جثة البائع على مكتبه بالقرب منها، أو يشاهد فيلمًا سينمائيًا يعرض حفلة غنائية، هي نفسها لثلاثة أعوام، حتى أنه يحفظ المقابلة مع المغني بعد الحفلة.

لكن قناع رتابة الحياة الذي يختبئ خلفه، يسقط سريعا أمام الضغط اللا منتهي، ويبدو جليا أنه في طريق فقدان صوابه، حين يخرج إلى الشارع، وتبدأ فجأة جميع الهواتف في الرنين من كل اتجاه، فينظر حوله بفزع وترقب، ويهم برفع سماعة الهاتف، حتى يقف خائر القوى، ويصرخ “لا يوجد هاتف يرن، اللعنة عليك! لا يوجد هاتف”.

قصر من زجاج

تنقسم حياته بين مغامراته في الشوارع، وقلعته الحصينة التي كانت منزله فيما سبق، والذي يرفض مغادرته مهما حدث، ومهما سائت الأوضاع من حوله، على أن يقضي بها الليل منذ غروب الشمس، حتى بزوغها في اليوم التالي، لأنه الظلام موعد خروج المصابون إلى الشوارع.

منزل من عدة طوابق محاط بتحصينات وأسلاك شائكة، وفي واجهته نافورة مياه، وأضواء عديدة تنير الطريق، ومن الداخل عبارة عن مخزن به من الإمدادات ما قد يحتاجه أي إنسان للنجاة، لكنه يفتقد الصاحب والأنيس، لذلك يلعب الشطرنج مع تمثال يضع عليه قبعة الجيش، ويعامله كصديقه الوحيد، بينما يصطنع شقيق توأم له على شاشة تلفاز، يصور بها نفسه ويقول بسخرية: “أنا نرجسي“.

لكن ما يوجد خارج ذلك القصر الزجاجي، أخطر مما قد يسببه مصابون بطاعون مميت، لذلك فهو ينطلق بسيارته مثل المجنون في سباق مع الشمس، فغروبها وهو في الشارع تعني هلاكه، وعند وصوله إلى قلعته، يجدهم في انتظاره، يحاولون إشعال النيران في السيارة والتخلص منه للأبد.

فالفاجعة الحقيقة فيمن فروا من الموت، وعوضا عن ذلك حُكم عليهم بالعيش تحت تحكم المرض، فقد بدأ الوباء بالانتشار سريعا في المدن الكبرى، وظهرت الأعراض على الناس الذين سقطوا موتى في الشوارع والمنازل، بعد الاختناق الشديد تدخل في حالة إغماء مفاجئ، ثم يتبعه الموت مباشرة خلال دقائق، لكن بعضهم تخطوا مرحلة الموت وفقدوا عقولهم.

جماعات ترتدي عباءات سوداء وتشبه سكان العصور الوسطى، لا يحتملون النور ويهربون من الشمس أو أي مصدر إنارة كهربية، يمكنهم الكلام والتواصل معا، يطلقون على أنفسهم “العائلة”، فهم متشابهون في كل شيء حتى التشوهات على أجسادهم، ويؤمنون بأن ما حدث هو عقاب إلهيّ، بسبب ما وصلت إليه البشرية من علم وتقدم، ويحرمون استخدام الآلات والكتب والأسلحة، وعدوهم اللدود هو نيفيل العالم الأخير.

عالم فقد عقله

تقوم تلك ‘العائلة’ التي فقدت عقلها، بحملات لحرق الكتب والمتاحف، والقضاء على أي مظهر من مظاهر الحضارة، ويرون كل ما يخالفهم أو يختلف عنهم شرا، ويصفون نيفيل بأنه: “ينتمي للموتى، ونفاية من الماضي”، بينما هو يقضي نهاره في البحث عن الوكر الخاص بهم، محاولًا إيجاد عرين لهؤلاء المجانين، بهدف القضاء عليهم للأبد، لكنه لا ينجح أبدا، ليقضي الليل في صد هجومهم على قلعته الخاصة، الذي يزداد ضراوة كل يوم.

تظل الأمور على حالها حتى يتم الإيقاع به يوما ما، بعد خطة محكمة من العائلة، وقبل إنزال عقابهم عليه، يبدو أن العالم لم ينتهي فعلا، حين يتم إنقاذه عن طريق مجموعة أخرى، والتي يكتشف أن من بين الناجين فيها، مجموعة من الأطفال لسبب ما لم يؤثر بهم الوباء مثل الآخرين، لكنهم في مرحلة متقدمة وفي طريقهم لفقد عقولهم.

لكن الأمل يعود من جديد، عندما يكشف لهم أنه منيع ضد الوباء، ويمكن استخدام دمه لصنع لقاح، ويجد لأول مرة منذ أعوام من يشاركه أيامه، بوجود ‘ليزا’ والتي قرر صناع فيلم The Omega Man أن تكون من أصل أفريقي، رغم أنه في السبعينيات ما زالت العلاقات بين البيض والسود، محل جدل وخلافات في أمريكا، لكن مع نهاية العالم من يفكر مليا في العلاقات بين الأجناس المختلفة، أو يجد الوقت لاعتبارات عنصرية؟

مما يأخذنا إلى إحدى أهم مميزات الفيلم، أنه لا يرتبط بفترة زمنية معينة، ولا يقيد أبطاله بتعاريف الزمان، فشارلتون هيستون ما زال كما هو، بطل كلاسيكي تشعر أنه خرج من فيلم قديم، محتفظ برونقه القديم من شبابه، ولا يحاول أن يحذوا حذو نجوم السبعينات، ويبدو مقلدا مبتذلا، رغم تواضع الإخراج والسيناريو، إلا إن هيستون عضو في نادي النجوم الكبار أصحاب الكاريزما العالية، الذين يمكنهم حمل عبئ فيلم كامل على أكتافهم، بدون الحاجة لمساندة باقي طاقم الفيلم، حتى أنه قاد دراجة بخارية لأول مرة في حياته، من أجل الفيلم.

كذلك اتخذ فيلم The Omega Man رؤية متقدمة للعلاقة بين أصحاب البشرات المختلفة، ولم ينسى الاحتفاء بفترة الحرية والانفتاح في السبعينات، فكانت ليزا ومجموعتها ينتمون لثقافة ‘الهيبي’، ويمكن اعتبار جماعة المصابين أو العائلة، تشبيه لتشارلز مانسون وما أطلق عليه عائلته، من مخبولين ومدمنين قاموا بتنفيذ أعمال عنف وقتل، بناء على أوامره وتوجيهاته، واعتبروا أنفسهم في مهمة سامية.

لذلك استحق أن يكون The Omega Man أحد الأفلام المفضلة للمخرج المميز ‘تيم برتون’، الذي اختار هذا الفيلم ليكون معه، لو وجد نفسه على جزيرة مهجورة وحده.

(نقلا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق