سياسة

حين صدح صوت علال الفاسي في أول برلمان

دافع عن الحق في المعلومة والجهوية واحترام مؤسسات الرقابة حماية للديمقراطية

عبد العزيز كوكاس

في كل مرة أطالع فيها كتابا خطه بيده أو دراسة رصينة أنجزت عنه، أو أعود إلى مواقف عبر عنها في زمن مبكر مما نعيشه، أكتشف أبعادا متوهجة جديدة من هذه الأضلاع المتعددة لشخصية علال الفاسي التي تبدو مثل زمرة مشعة من جوانب مختلفة يتآخى فيها بشكل عجيب وغريب: الفقيه والسياسي والشاعر والمفكر والمنظر… كأن ما تفرق في غيره تجمّع في شخصه، كان يعكس في ذاته موسوعة متحركة تعمل باستمرار على تجاوز المقولات والمفاهيم والإنصات لحركية الزمن بقوة وذكاء نادرين، ففي الوقت الذي كانت قضايا مثل التحرر والاستقلال وبناء الديمقراطية المعارك الأساسية لجيل الحركة الوطنية، بدا أن علال الفاسي قد استبق عصره برؤية بعيدة وهو يطرح إشكالات لم تبرز على المستوى الدولي إلا في وقت لاحق، ضمنها ما يسمى بالجيل الثالث من حقوق الإنسان مثل حق الناس في الولوج إلى المعلومات وتعزيز وسائل المراقبة على مسيري ومدبري الشأن العام، وقضايا أخرى هي مركز اهتمام النخبة السياسية اليوم في الألفية الثالثة، أي بعد نصف قرن على رحيل علال الفاسي، مثل الجهوية الموسعة واللاتمركز..

الحق في المعلومة للأمة ونوابها

خلال أول برلمان، وفي جلسة له بتاريخ 23 دجنبر 1963، دافع علال الفاسي عن حق البرلمانيين في المعلومة واستغرب عدم مجيء وزراء الحكومة إلى البرلمان ليحيطوا نواب الأمة علما بكل ما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية للبلاد، فالمعلومة هي الزاد الأساسي للبرلمانيين الذي يمارسون دور المحاسبة والرقابة على الحكومة، وقال بالحرف خلال تدخله: «إنني أسجل طلبنا في أن يدلي الوزير ببيان عن السياسة الداخلية والخارجية التي تسير عليها حكومة صاحب الجلالة في هذه المدة، لأن البلاد تحيط بها أخطار كثيرة في الداخل والخارج، وإننا لا نعرف شيئا عما يجري لا في السياسة الداخلية ولا في السياسة الخارجية إلا ما نراه في بعض الصحف أو نسمعه في بعض الإشاعات… من حقنا نحن نواب الأمة ومن حق هذه الأمة أن تعرف من المسؤولين عن تسيير دواليب حكمها ما هي سياستهم وما هي الخطة الني يسيرون عليها؟ فإذا شاء المجلس أن يمارس سيادته فعليه أن يطلب من الوزير الأول أن يتقدم إليه للإدلاء بالسياسة التي ستسير عليها الحكومة، هل نعطيه الثقة أم نحجبها عنه، إن المسالة مسألة جد، والقضية قضية مسؤولية أمام الله وأمام التاريخ.(انظر كتاب لحسن بنساسي «علال.. في البرلمان» مطبعة الرسالة يونيو200).

هؤلاء هم السياسيون الراؤون الذين يستبقون عصرهم، نحن في 1963، أول تجربة برلمانية، وعلال الفاسي يناقش مبدأ الحق في حصول البرلمانيين والمواطنين عامة على المعلومات، القانون الذي سيظهر في أمريكا في يوليوز عام 1966، حين وقع الرئيس لندون جونسون قانون حرية المعلومات ليتم تفعيله في جميع الهيئات الفدرالية الأمريكية، لقد كان أفقه يتجه إلى الدول السكندنافية التي عرفت هذا الحق بشكل مبكر ضمن التجارب الدولية الكبرى منذ نهاية القرن 18 في حالة السويد، وبرأيه فلكي يمارس النواب دورهم الرقابي الموكول لهم دستوريا يجب أن «يحاطوا علما»، فالمعلومة سلطة واحتكارها من طرف الحكومة هو حرمان المؤسسة التشريعية من أداة أساسية للرقابة والمحاسبة، يقول في إحدى تدخلاته في برلمان 63: «إن تصرفنا يلزم الحكومة، أما نحن فلا يتصرف فينا أحد، نحن سلطة تشريعية.. وتلك سلطة قضائية ستحكم هل نحن سائرون في النهج الصحيح أم لا؟ا وهل تجاوزنا حدودنا أم لم نتجاوزها؟ ولكن إذا كان المراد من هذا التأجيل ألا يأتي الوزير الأول إلى البرلمان ليقدم تصريحه حول ما هي سياسة البلاد؟ وما هي سياسة الحكومة وإلى أين هي ذاهبة؟ إذا كان المقصود هو ألا تعرض الميزانية في البرلمان مع أن الظهير يلزم الحكومة أن تأتي بها قبل 15 دجنبر، وإذا كانت الحكومة تريد أن تسن التشريعات كيفما أرادت، فالأحسن أننا نجمعوا حوايجنا ونتوجه إلى ناخبينا ونقول لهم نحن غير قادرين على العمل».

بل إن علال الفاسي في أول برلمان مغربي لعام 1963، كان يعي القيود القانونية المفروضة على حرية الحصول على المعلومات، وميز بين ما يهم السياسات العمومية والميزانية وكل ما يروج في المجالس الوزارية والحكومية وحرية النقاش والتداول فيها داخل البرلمان، وبين ما يعتبر أحد أسرار الدولة التي لا يمكن تعميمها خوفا على مصلحة الوطن وحماية لأمنه وقوته العسكرية، ويؤكد في مداخلاته العديدة، أنه لا يمكن للحكومة أن تعقد مجالس وزارية، وتتداول في سياسات عمومية تهم كل قضايا الوطن والمواطنين والناس لا يعرفون شيئا ولا يتم إخبارهم»..

صلب الديمقراطية هو احترام الدستور

ما أعطى للغرب متانة لمؤسساته الديمقراطية هو قوة القوانين وسمو نص الدستور باعتباره القانون الأسمى للبلاد وسرعة تطور هذه القوانين مع سياق تطور المجتمع لاستيعات التحولات المتسارعة، أتذكر لحظة تعيين الملك محمد السادس لإدريس جطو وزيرا أول في أكتوبر 2002، رغم أن الاتحاد الاشتراكي هو من فاز في الانتخابات، ومع ما أثير حول خرق «المنهجية الديمقراطية»، أجريت حوارا مع مارغريت تيتويلر السفيرة الأمريكية السابقة بالرباط، طرحت عليها سؤالا حول ما أسميته يومها خروجا على النص المؤسسي، فتفاجأت لموقفها، حيث أكدت لي بالحرف: «جلالة الملك لم ينتهك حرمة الدستور، فلا فصل فيه يلزمه بتعيين الوزير الأول من الأغلبية الحكومية، والعبرة في الديمقراطية هي مدى احترام أو اختراق الدستور المتفق عليه داخل المجموعة الوطنية، ديمقراطيا تصرف الملك وفق نص الدستور»، وهذا بعد آخر في مداخلات الراحل علال الفاسي يتمثل في الحرص الدائب على دفع الحكومة إلى احترام الدستور على علاته، الدستور الذي كرس له كل حياته إضافة إلى ملف الوحدة الترابية، لقد كان الدافع الرئيسي لإعلان دعمه لدستور 1962 برغم مطباته ونقائصه، هو وضع المعمار القانوني لمؤسسات الدولة التي تحدد مهامها ومسؤولياتها وطبيعة علاقتها، والحق والواجب في كل مؤسسة، وبذكاء ظل يقول إن وضع دستور حتى لو كان دون مطالب الديمقراطيين أفضل من عدم وجود دستور، وظل يجوب البلاد طولا وعرضا وهو يحث المواطنين على ممارسة حقهم الدستوري ويدعوهم للتصويت الإيجابي على الدستور، هذا البعد لم يعيه مكون أساسي من الحركة الوطنية إلا بعد مرور 36 سنة مع التصويت على دستور 1996، كان علال الفاسي يعي هشاشة البلاد والمؤامرات التي حيكت في الظلام بعد الاستقلال، ومباغتة الموت للملك الراحل محمد الخامس الذي كان قد منح عهدا ملكيا لوضع دستور وانتخابات ترسي الركائز الأساسية لملكية دستورية ديمقراطية بالمغرب.. لكنه لم يكن يطالب بأكثر من احترام الدستور الذي كان يهضمه عن ظهر قلب كما تعكس ذلك مداخلاته وردوده الشفوية التي كان يرتجلها في قبة البرلمان، وكان يوجع الحكومة وكل مكونات السلطة التنفيذية وحتى خصوم حزبه في البرلمان بهذا القيد..

حرمة البرلمان كمؤسسة للتشريع والرقابة

لم يدافع علال الفاسي فقط عن مجيء الوزير الأول إلى الحكومة للإدلاء بتصريحه حول ما تعتزم حكومته تطبيقه، والذي كان قد خلق نقاشا بين قطبي الحركة الوطنية الذين كانوا يريدون تصريحا شاملا وبين الحكومة وأغلبيتها من جبهة الفديك يومها التي كانت تدافع فقط عن تصريح بالنوايا أو خطوط عريضة للبرنامج الحكومة واعتبرت أن مجرد الإدلاء بهذا التصريح هو حيازة لثقة البرلمان، وهو ما تصدى له علال الفاسي رحمه الله ليضع الحروف على النقط: «عندنا مسطرة منصوص عليها في الدستور تقول بأن الوزير الأول يأتي إلى المجلس ويعرض تصريحه وبعد مناقشات تدوم ثلاثة أيام، إذا رفض المجلس التصريح أن يذهب إلى مجلس الوزراء ويطلب منه إذنا، نحن كنواب للأمة عندنا الحق بأن نستمع إلى التصريح الحكومي وعندنا الحق في مناقشته وعندنا الحق في أن نبدي رأينا في التصريح الحكومي»، وربط الثقة في الحكومة بتصويت الأغلبية على قبول برنامجها أو رفضه، يضيف: «إن ربط الثقة بالتصريح هو شيء مرتبط بالوزير الأول، ومسطرته في أن يذهب إلى المجلس الوزاري ويطلب الإذن ولا دخل للجنة الدستورية في ذلك وأما الإعراب عن رأينا والتصويت ضد سياسة الحكومة أو معها فهذا شيء أعطاه لنا الدستور ولا يتوقف على شيء آخر إلا أن يطبق الدستور، وذلك ما نعلن باسم الأمة رفضنا له دائما، إننا نطالب بتطبيق الدستور ولا نوافق على اللعب بالدستور».

لقد كان يعي بعد منح دستور بحد أدنى من شروط البناء المؤسساتي الديمقراطي، ثم يجري اللعب لمحاولة إفراغ المضمون الديمقراطي أثناء تنزيل بنود الدستور، وظل علال الفاسي يحاجج بنص الدستور ويذهب بالتأويل نحو العتبة العليا لما يسمح به البند أو الفصل من تراكم ديمقراطي، ولجأ أكثر من مرة في لحظات الهيمنة الحكومية إلى تفعيل مؤسسات عديدة، تحكيم اللجنة الدستورية، طلب عقد لجان تقصي الحقائق،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق