سياسة

العنصرية مجدّداً في لبنان

وائل نجم

«أن تأتي متأخرةً أفضل من أن لا تأتي مطلقاً». ذاك هو القرار الذي أصدره وزير العمل اللبناني، مصطفى بيرم، وسمح بموجبه للاجئين الفلسطينيين المسجّلين في لبنان بالعمل في قطاعاتٍ كانت محرّمة عليهم، والتي لا تصل، بطبيعة الحال، إلى الدخول إلى مؤسّسات الدولة أو ما يُسمّى في لبنان بالقطاع العام، فهو بالمناسبة حكْر على أزلام الطبقة السياسية المستأثرة بكل شيء في هذا البلد، ولا يصل أيضاً إلى حدود اكتساب الحقوق السياسية التي تسمح للفلسطينيين بالمشاركة بالحياة السياسية اللبنانية، وهم أصلاً لا يريدون ذلك، لأنّهم يعتبرون أنّ هذا الأمر، إن حصل، يصرفهم عن اهتمامهم الأساسي وقضيتهم الأم، حقّ العودة وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، لكنّهم يريدون حقوقهم المدنية التي يتمتّعون بها في أغلب البلدان التي لجأوا إليها، وهي تتمثّل بحق العمل وحق التملّك، وما سوى ذلك من حقوق أخرى متواضعة.

جاء قرار وزير العمل اللبناني في وقتٍ يعيش لبنان، واللاجئون الفلسطينيون في صلبه، أزمة اقتصادية وحياتية صعبة وحادّة، وهو يقع في إطار القرارات الإنسانية التي يمكن أن تخفّف من الأعباء الحياتية عن كاهل اللاجئين الذين يعيشون في مخيّمات الشتات في ظروف صعبة معقّدة، أقلّ ما يُقال فيها إنّها لا تليق بالإنسان واللاجئين. غير أنّ هذا القرار، للأسف، لم يحْلُ لبعض اللبنانيين المسكونين بالعنصرية والطائفية والأحقاد، والذين لا يُنكرون عداءهم للاجئين الفلسطينيين، بل ربما يتمنّون أن يستيقظوا يوماً ويجدوا أنّ اللاجئين قد باتوا جميعاً خارج البلد، وكأنّ هذا البلد (لبنان) حكرٌ على أولئك العنصريين فقط، مع أنّ لأجداد هؤلاء اللاجئين تاريخاً عريقاً في هذه البلاد الممتدّة على أراضي لبنان وسورية وفلسطين وكل المنطقة، تاريخاً من التضحيات والعطاءات والسعي إلى إعمار هذه الأرض، بينما لا يعرف العنصريون ذلك، ولا يعترفون به.

خرج رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، يصرّح برفضه قرار وزير العمل، وعدّه نوعاً من التوطين المقنّع، وهو يدرك أنّ اللاجئين لا يريدون التوطين. وليس من تصريح لمسؤول فلسطيني في لبنان إلا ويؤكّد ويشدّد على رفض التوطين واحترام سيادة لبنان وحقوقه، والتمسّك بحقّ العودة. وباسيل يدرك أيضاً أنّ البيئة التي ينتمي إليها وزير العمل والمشرب السياسي الذي ينهل منه لا يوافق على توطين الفلسطينيين ولا يريده. خرج النائب باسيل وراح يدغدغ مشاعر اللبنانيين، خصوصا من أبناء طائفته، بالحديث عن أخذ فرص العمل من أمام اللبناني لصالح اللاجئين الفلسطينيين، وهو يدرك تماماً أنّ سياسة التعطيل التي انتهجها هو وتيّاره، منذ أكثر من عقد على أقلّ تقدير، لم تترك للبنان أية فرصة للبقاء والعمل، لم تترك للبنان فرصة للتنفّس في ظل ما بلغته الأزمة بسبب السياسات التي انتهجها العهد الذي يُعتبر باسيل أحد أبرز المسؤولين عن إدارته.

هو يدرك تماماً أنّ المتنفّس الذي يعيشه اللبنانيون اليوم في ظل عهد الرئيس ميشال عون هو بسبب هؤلاء اللاجئين الذين ما زالوا يتلقون الأموال بالعملة الصعبة من أقربائهم وذويهم في الخارج، ثم يصرفونها في السوق اللبنانية لإنعاشها ومدّها بالحياة، هذا فضلاً عن الأموال الصعبة التي تصرفها المؤسسات العربية أو الفلسطينية أو الدولية الراعية للجوء الفلسطيني في لبنان، ولها إسهام إيجابي كبير في التخفيف من معاناة اللبنانيين الذين لا يشعر بهم أولئك العنصريون الذين ينطلقون في مقاربة أي ملف داخلي من منطلق طائفي وحزبي ضيّق، لا يمّت إلى الإنسانية ولا منظومة الحقوق بصلة، إنّما الهمّ الأساسي عند أولئك العنصريين هو إثارة حفيظة البيئة التي ينتمون إليها بهدف إخافتها، ومن ثم استغلالها عند أول محطة انتخابية قادمة، وهي ستكون في مارس/ آذار أو مايو/ أيّار المقبلين.

تبقى الإشارة إلى مسألة مهمة، أنّ قرارات وزير العمل ليست قانوناً عاماً يكرّس حقّ اللاجئ الفلسطيني على المستوى المدني، إنّما هي قراراتٌ وزاريةٌ يمكن لأي وزير آخر بعده تعديلها أو إلغاءها أو إقرار شيء مختلف عنها، في حين أنّ المطلوب أن يشرّع المجلس النيابي اللبناني قانوناً واضحاً يقرّ بموجبه الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، حتى ننتهي وإلى الأبد من تلك العنصرية البغيضة.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق