سلايدرسياسة

هل استقالة حمدوك مقبولة …؟!

صلاح محمد عبد الرحيم

بالرغم من خطورة ما يتوارده الكثيرين من محللي وقُرَّاء الوضع السياسي الراهن والخوف من الفراغ الذي ستحدثه استقالة الدكتور عبد اللّٰه آدم حمدوك الذي عمل جاهداً منذ توليه منصب رئيس الوزراء ونجح في ازالة الديون، وكبح جماح السوق الموازية، وتوفير النقد الأجنبي، والانفتاح على العالم وتوفير فرص الاستثمار الأجنبي، وإحياء المشاريع الزراعية وخفض التضخم بقراراتٍ شجاعة.

وسط الضبابية وصعوبة التكهن بما تنبئ به مقبل الأيام والخوف من المجهول وسط التشرذم والتشظي السياسي، والانقسامات الحادة في صفوف قوى الثورة الحية من جانب، وخلافات المكون العسكري ولجنته الأمنية من جانب آخر، فإن فقدان الثقة والتخوين يشوب علاقات قوى الثورة منذ بدايات تفاوض قحت مع المجلس العسكري! تلاها تفاوض واجتماع اديس ابابا الذي أحدث شرخاً بين المكونات السياسية والحركات المسلحة! أما في المعسكر الآخر، فقد وجد أعداء الحريَّة والديمقراطية ضالتهم الكبرى في مداراة إجرامهم البشع الذي مارسوه خلال حكمهم البغيض وبدأوا في ذر الرماد على العيون واستخدام كل الأدوات الدعائية الكاذبة والمضلِّلة والتخوين، واغتيال الشخصيات، وبذر بذور الفتنة، مما ادى الى زيادة الهوة بين القوى السياسية المتناحرة، والقوى الشبابية الثورية، وبين هذا وذاك أتت اتفاقية جوبا المشوَّهة بقيادة حميدتي لمفاوضاتها!!! والتي اظهرت بجلاء خيانة عسكر السيادي. وما سيطرتهم الكليَّة إلاّ لإبعاد المدنيين عن مواقع القرار، والرهان على كسب الوقت حتى يتم استقطاب بعض قياديي حركات الكفاح المسلح، لتأتى نتائج المفاوضات بدخول كافة الحركات المسلحة مدججة  بكامل أسلحتها وعتادها الى العاصمة الخرطوم لتصبح مسرحاً لاستعراض القوى، وتتابعت مطالبهم بالتودد لعسكر السيادي بتوفير المسكن والإعاشة لعناصر تلك الجيوش، فأتوا بهم لاعتصام الموز الشهير تمهيداً لانقلاب البرهان (العلني) بعد أن أعياهم العمل لعرقلة تحقيق أهداف الثورة في الخفاء، ليكون مهراً لتلك المطالب ولتصبح هذه الحركات هي الحاضنة لقتلة عسكر السيادي وفلول النظام البائد من خلفهم.

وسط هذه الصورة القاتمة، والضائقة المعيشية للمواطن، ومخاوف الانزلاق نحو حرب أهلية جاء حمدوك بمبادرة الطريق الى الأمام، ولكن بتمسُّك المكون العسكري قسراً بالحكم ورفض احزابنا السياسية لانقلابه، أتى حمدوك من مقر إقامته الجبرية «من قبل البرهان وعصابته الآثمة» بإعلانٍ آخر يشرعن به انقلاب البرهان (التصحيحي «حسب زعمه») وحقناً لدماء أبناء وبنات هذا الشعب «حسب تصريحه» متناسين ان يوضحوا لنا «تصحيح ماذا؟» «ومِنْ مَن؟» «وحقن أي دماء؟»، «ومن رصاص من؟»… فلم نرَ تصحيحاً واحداً لمسار الثورة، بل تقيضا وخيانة للوثيقة الدستورية التي خرجت بعد مخاض عسير بكل علاتها، وإعادة تمكين للفلول، ولم نرَ حقناً للدماء ولا محاكمات للقتلة، بل تم قتل أكثر من 50 ثائر منذ انقلاب 25 أكتوبر الغادر، إذن هو اتفاقٌ باطل ومعيب، بذل فيه الدكتور حمدوك كل جهده وكل ما أوتي من حِنكة في الوصول بالفترة الانتقالية لبر الأمان بعد ترسيخ مبادئ العدالة، وتهيئة الأجواء ديمقراطياً للاقتراع حول من يحكم دولة القانون والحرية والسلام.

وسط كل هذه التحديات عمل الرجل جاهداً في توحيد وإحداث التوافق بين القوى السياسية الحزبية حتى وصلت قمة الإحباط بتوقيعه على ذلك الاتفاق الميت مع البرهان ولجنته الأمنية والذي وجد تأييداً من الفلول ومجموعة اعتصام الموز ظناً منهم أن هذا الاتفاق سوف يدفع بالعملية السياسية المحتقنة الى الانفراج، ولم يثمر هذا الاتفاق سوى أن وحَّد عضد تنسيقيات المقاومة التي تقف حتى الآن بكل عنفوان وبسالة لإسقاط هذا الانقلاب المشؤوم وهي تتحدى رصاص قوات مليشيات المجرمين برهان وحميدتى.

حمدوك لم يفلح في محاولاته، ولن يفلح طالما أن قتلة مجلس السيادة «الجنجكوزية» لا يزالون على سدة الحكم، لذلك يتوجب على رئيس مجلس الوزراء مكاشفة الشعب الذي انتظره كثيراً لقناعته بأنه رجل المرحلة، وبكل تأكيد فلن يصمد حمدوك كثيراً وسط هذه العواصف العاتية، وسوف يتنحى قريباً من منصبه لأن الحكومة الحالية تفتقر للقبول والشرعية، وتظل مسيرة الثورة ترتقي للأمام وورطة حكومة الانقلاب تؤول للسقوط رغم محاولاتها البائسة للتشبث بالحكم، وما إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ووحشية قمع واعتقال ودهس وقتل الثوّار، وممارسات الاغتصاب والنهب، واطلاق الغاز المسيل للدموع داخل المستشفيات ووسط المرضى، والتعدي السافر على الكوادر الطبيّة إلاّ أصدق دلائل على عجز منطق هؤلاء.. وقد أثبتت ممارساتهم القبيحة واللا إنسانية هذه بُعدهم التام عن إصلاح أنفسهم، ناهيك عن إصلاح أوضاع ثورة والحفاظ على مصالح بلدٍ مُمزَّق الأوصال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق